الإسلام السياسي في بريطانيا.. شبكات متشعبة ونفوذ يثير الجدل
على مدار عقود طويلة، عملت جماعات الإسلام السياسي المختلفة على بناء حضور في بريطانيا، عن طريق شبكة من المنظمات والكيانات التابعة.
ووظفت شبكة الإسلام السياسي، تلك الواجهات في خدمة مصالحها التنظيمية وتحقيق النفوذ، حتى صارت البلاد واحدة من أبرز ساحات النشاط والنفوذ في القارة الأوروبية.
وتحولت بريطانيا، خلال هذه السنوات، إلى مرتكز رئيس لجماعات الإسلام السياسي التي لا تعمل تحت راية أو مظلة واحدة بل تحت عدة أسماء وقيادات مختلفة، واستطاعت تلك الجماعات التغلغل في أوساط المجتمعات الأوروبية وتبنت نهج انعزالي يهدف للسيطرة على المجتمعات الإسلامية المحلية في بريطانيا وسائر القارة، وتوظيفها في مشروع يتناقض مع طبيعة القيم الأوروبية.
واتخذت جماعات الإسلام السياسي في القارة الأوروبية، من العاصمة البريطانية، قاعدة انطلاق رئيسية لمشروعها المتشدد، صوب بقية أرجاء القارة العجوز، وظل هذا الوجود والنفوذ محوريًا منذ أوائل ستينيات القرن الماضي، حين تأسست أولى الجمعيات المرتبطة بمشروع الإسلام السياسي وهي جمعية الطلبة المسلمين التي أُنشأت عام 1961.
التدقيق في طبيعة هذه الجماعات، يظهر تنسيقا فيما بينها، حتى مع وجود تباينات أيديولوجية وخلافات في بعض الأحيان، لكن مشروعها الهادف للسيطرة على القارة الأوروبية والعالم جعلها تعمل بتناغم وتنسيق في جوانب عدة ولفترات زمنية طويلة.
الجذور
وتعود جذور الإسلام السياسي في بريطانيا إلى جماعتين نشأتا خارج البلاد، أولهما جماعة الإخوان، المدرجة على قوائم الإرهاب في عدد من الدول، والتي أسست عام 1928، والجماعة الإسلامية في شبه القارة الهندية التي أسسها أبو الأعلى المودودي عام 1941.
وانتقلت أفكار وجماعات الإسلام السياسي إلى بريطانيا عبر كوادر تعتنق هذه الأيديولوجيا، هاجرت إلى البلاد وبدأت في إنشاء شبكاتها منذ ستينيات القرن العشرين.
وتطورت شبكات الإسلام السياسي بشكل كبير على مدار السنوات والعقود التالية وانضمت تنظيمات وجماعات أخرى لهذه الشبكة، في وقت لاحق، خاصة حزب التحرير الذي أسسه الفلسطيني تقي الدين النبهاني في 1953، وبدأ الحزب نشاطه الفعلي في بريطانيا عام 1986.
وخلال تلك الفترة، عملت جماعات الإسلام السياسي بشكل براجماتي متجاوز للخلافات الأيديولوجية، وتعاونت في سبيل إنشاء منظمات تعمل لخدمة أهدافهم المشتركة بما في ذلك التغلغل في أرجاء القارة الأوروبية واستقطاب مزيد من الأتباع من أبناء الجاليات العربية الموجودة في الغرب.
وبدأت المنظمات التابعة للإسلام السياسي، وجودها الرسمي، في الستينيات بإنشاء مجموعة من الكيانات المرتبطة بهذا المشروع أولها جمعية الطلبة المسلمين، عام 1961، وتلتها البعثة الإسلامية في المملكة المتحدة، عام 1962، واتحاد الجمعيات الطلابية الإسلامية، عام 1963، ومؤسسة التعليم الإسلامي بعد 3 سنوات من إنشاء الاتحاد.
وشهدت فترة السبعينيات إنشاء سلسلة أخرى من الكيانات المرتبطة بالإسلام السياسي من بينها المعهد الإسلامي عام 1972، والمجلس الإسلامي لأوروبا في 1973، والمؤسسة الإسلامية في العام ذاته، ومنظمة الشباب المسلم في المملكة المتحدة عام 1978.
تغلغل وانتشار
ثم أخذ الإسلام السياسي دفعة أقوى في حقبة الثمانينيات الذي شهد تأسيس المجلس الشرعي الإسلامي ومسجد شرق لندن عام 1985، والمنتدى الإسلامي الأوروبي عام 1988، وكذلك جرى إنشاء اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا عام 1989، والذي تأسس في مدينة ماركفيلد قرب لستر في المملكة المتحدة، ثم انتقل إلى بروكسل عام 2007، وهو يعمل حاليا باسم اتحاد مسلمي أوروبا.
وشهد العمل الحركي للإسلام السياسي تطورًا أكبر في التسعينيات؛ إذ تأسست منظمات منها الرابطة الإسلامية في بريطانيا عام 1997، والمجلس الإسلامي في بريطانيا واللجنة الإسلامية لحقوق الإنسان،
واستمرت شبكة الإسلام السياسي في التوسع في الألفية الحالية، فتأسس في العقد الأول منها مركز لندن الإسلامي التابع لمسجد شرق لندن، ومنظمة CAGE International، ثم تأسست منظمة قرطبة في عام 2005.
كما أسست تيارات الإسلام السياسي، مؤسسات إعلامية بارزة منها قناة الحوار، عام 2006، وموقع ميدل إيست مونيتور، عام 2009.
أخطبوط متعدد الأذراع
ويُلاحظ أن إنشاء وتعدد المنظمات والكيانات هو هدف في حد ذاته لجماعات الإسلام السياسي التي تعمل كأخطبوط له أذرع متعددة ورأس واحد، فهذه الجماعات تستطيع عبر هذه الشبكة الكبيرة التخفي والعمل في الظلال بحيث لا يكتشف عمق ولا أبعاد الشبكة التنظيمية الخاصة.
وتكتسب هذه الجماعات قوة من خلال وجود هذه الشبكات المعقدة وعدد من الكوادر الذين يديرون الأنشطة التنظيمية بتناغم في كامل الأراضي البريطانية.
ويبدو أن تقسيم العمل التنظيمي وتوسيع مظلة الانتشار كان هدفا بحد ذاته لدى هذه الجماعات التي اختارت أن تعمل من خلال واجهات شتى وليس ضمن قيادة أو كيان واحد يضمها، لأن هدفها التغلغل التدريجي بأكثر من طريق إلى قلب المجتمع البريطاني ثم السيطرة عليه وعلى القارة الأوروبية والعالم ككل.
وبتتبع هذه الشبكات التنظيمية المتداخلة، يتضح أن بعضها يركز على الداخل البريطاني، وبعضها لديه أجندة عابرة للحدود تركز على القارة الأوروبية وخارجها، وبعضها لديه أجندة دولية.
كما يتضح أن جماعات الإسلام السياسي تؤسس واجهات مشتركة، وبعضها لا يكون مسجلا بأسمائها وذلك للتهرب من إجراءات الملاحقة المحتملة.
ومن هذه الكيانات التي تشترك فيها أكثر من جماعة، مؤسسة 5 PILLARS Media Limited، ومنظمة “Cage”، ومنظمة DOAM الحقوقية، وهذه الكيانات تمتلكها جماعة الإخوان وحزب التحرير معًا، مع أن الأخير جرى حظره خلال عام 2024، لكنه ما زال موجودًا على أرض الواقع، ما يعكس عمق وتجذر شبكات الإسلام السياسي في البلاد.
ومن غير المستغرب أن تبقى جماعات الإسلام السياسي مؤثرة في المشهد السياسي والاجتماعي والثقافي البريطاني، وذلك لأنها عملت في البلاد لعقود طويلة تمتعت فيها بحرية الحركة والانتشار، وهو ما أدى إلى نمو هذه شبكة الإسلام السياسي في بريطانيا.
إذ تقدر الكيانات المندرجة ضمن شبكاتها بمئات الجمعيات والمنظمات والهيئات، فالمجلس الإسلامي البريطاني، وحده يعلن رسميًا أن شبكته تضم نحو 500 عضو من المنظمات والمساجد والمدارس والجمعيات الخيرية والشبكات المهنية.
جدير بالذكر أن بعض الكيانات المحسوبة على الإسلام السياسي لجأت في السنوات الأخيرة إلى إخفاء شبكاتها التنظيمية وإنشاء كيانات جديدة تبدو ظاهريا أنها غير مرتبطة بالإسلام السياسي، لكنها في الواقع جزء من شبكتها، كما أن العديد من تلك الكيانات أجرت تغييرات على هياكلها الإدارية والقيادية وغيرت أسماء المسؤولين عنها لتشتيت الجهود الرامية إلى حصر هذه الشبكة أو تحجيم نشاطها مستقبلا،.
وأتت تلك الخطوات على خلفية حملات التدقيق التي تقودها الحكومات والهيئات الأوروبية بعد اكتشاف خطر الإسلام السياسي، وكان آخرها القرار الذي أصدره البرلمان الأوروبي، في وقت سابق من الشهر الجاري، بشأن وضع استراتيجية أوروبية موحدة للتعامل مع شبكات جماعة الإخوان ونفوذها في أوروبا.
أنشطة متعددة
وتمارس جماعات الإسلام السياسي في بريطانيا، سلسلة واسعة من الأنشطة داخل المجتمع البريطاني تشمل مؤسسات العمل الخيري والمجتمعي، ومؤسسات التعليم ولاسيما تلك المرتبطة بتعليم الدين الإسلامي الذي تستغله لترويج أيديولوجيتها المتطرفة، والإعلام والنشر، والعمل الحقوقي، وكل هذا يمنح الإسلام السياسي نفوذًا كبيرًا داخل البلاد.
واستطاع الإسلام السياسي أن يحتكر الحديث باسم المسلمين في بريطانيا، منذ أن شارك المجلس الإسلامي البريطاني، في كمحاور وممثل للمسلمين أمام الحكومة البريطانية بعد أحداث عديدة شهدتها فترة تسعينيات القرن الماضي، من بينها القضية الشهيرة للكاتب سليمان رشدي عام 1989.
وبمرور الوقت، أدرك تيار الإسلام السياسي، أن التغلغل لقلب دوائر صناعة التأثير في بريطانيا ينبغي أن يتم عبر واجهات وكيانات متعددة، فبدأ يميل إلى التخصص الوظيفي ووحدة الهدف النهائي، بمعنى أن ينشأ كيانات تتخصص في جوانب معينة.
ففي الجانب الأكاديمي والتعليمي، على سبيل المثال، أسست جماعات الإسلام السياسي، مؤسسات منها مؤسسة التعليم الإسلامي، ورابطة المدارس الإسلامية في المملكة المتحدة.
وفي الجانب القانوني، أسست رابطة المحامين المسلمين التي كان من بين أعضائها محامون انخرطوا في حملة للدفاع عن الإخوان، المدرجة على قوائم الإرهاب في عدد من الدول، في إطار حملة التدقيق في أنشطتها في الولايات المتحدة، علاوة على إنشائها كيانات أخرى تركز على مجال إنفاذ القانون مثل رابطة الشرطة الوطنية المسلمة.
هدف معلن
ولا يخفي ممثلو الإسلام السياسي في بريطانيا، أن هدفهم إحداث تغيير عميق في البنية الاجتماعية والثقافية في البلاد والعالم وصولا إلى إقامة ما يسمونه “خلافة عالمية”، وهذا هدف الجماعات المختلفة للإسلام السياسي سواء الإخوان أو حزب التحرير أو غيرهما.
ووظفت جماعات الإسلام السياسي في بريطانيا نفوذها وأدواتها السياسية والإعلامية والحقوقية في مناسبات مختلفة لإبراز واستعراض قدرتها والتأثير في الرأي العام وصناع القرار في البلاد، كان أحدثها الحرب الأخيرة على قطاع غزة، إذ نسقت قوى الإسلام السياسي، الحراك الاحتجاجي في بعض المدن البريطانية منها العاصمة لندن.
وتحت وطأه الحملة ضد تيار الإسلام السياسي في أوروبا، اضطرت جماعات هذا التيار إلى تغيير جلدها في بريطانيا، من أجل أن تُحافظ على النفوذ الذي راكمته عبر سنوات من العمل، فلجأت إلى تقسيم وتوزيع العمل على سلسلة واسعة من المنظمات الفرعية دون أن تٌلغي إطارها القديم القائم على منظمات وعقد مركزية للنفوذ الشبكي، ما سمح للإسلام السياسي بأن يبقى محافظًا على نفوذه الممتد في البلد الأوروبي، وفق مراقبين.
