حصري

أوروبا والإخوان: لماذا تغيّر المزاج الأمني الغربي تجاه الإسلام السياسي؟


لم يعد ملف جماعة الإخوان المسلمين في أوروبا يُنظر إليه باعتباره قضية مرتبطة بحرية العمل السياسي أو النشاط الديني فقط، بل أصبح جزءًا من نقاش أوسع يتعلق بالأمن القومي الأوروبي ومستقبل الاستقرار المجتمعي داخل القارة. وخلال السنوات الأخيرة، شهدت العواصم الأوروبية تحولًا واضحًا في طريقة التعامل مع الحركات المرتبطة بالإسلام السياسي، بعدما انتقلت من مرحلة الاحتواء والانفتاح النسبي إلى مرحلة أكثر تشددًا تقوم على الرقابة والمراجعة وإعادة تقييم النفوذ الأيديولوجي والتنظيمي لتلك الجماعات.

هذا التحول لم يحدث بصورة مفاجئة، بل جاء نتيجة تراكم طويل من الأزمات الأمنية والهجمات الإرهابية والتوترات الاجتماعية التي دفعت الحكومات الأوروبية إلى إعادة النظر في العلاقة بين التطرف العنيف والبيئات الفكرية التي قد تسهم في إنتاجه أو تبريره بصورة غير مباشرة. ومع تصاعد التهديدات المرتبطة بالتطرف الرقمي والتعبئة العابرة للحدود، بدأت أوروبا تتعامل مع جماعات الإسلام السياسي بوصفها ملفًا أمنيًا واستراتيجيًا يتجاوز حدود النشاط الديني التقليدي.

وفي قلب هذا التحول برزت جماعة الإخوان المسلمين باعتبارها التنظيم الأكثر حضورًا وتنظيمًا داخل المشهد الإسلامي الأوروبي. فالجماعة نجحت خلال العقود الماضية في بناء شبكات واسعة من الجمعيات والمراكز الثقافية والمؤسسات التعليمية والمنصات الإعلامية داخل عدد من الدول الأوروبية، مستفيدة من البيئة الديمقراطية المفتوحة التي تتيح حرية التنظيم والعمل المدني.

لكن هذا الحضور الواسع تحول تدريجيًا إلى مصدر قلق داخل المؤسسات الأوروبية، خاصة بعد تصاعد النقاش حول ما بات يُعرف بـ”التطرف غير العنيف”، أي الحركات التي تعمل ضمن الأطر القانونية لكنها تُتهم بتعزيز خطاب انعزالي أو بناء بيئات فكرية قد تمهد لظهور أشكال أكثر تشددًا من التطرف.

في France كان التحول أكثر وضوحًا. فبعد سلسلة من الهجمات الإرهابية وأزمات الهوية والاندماج، بدأت باريس تنظر إلى الإسلام السياسي باعتباره تحديًا يمس طبيعة الدولة الجمهورية نفسها. وظهرت داخل الخطاب الرسمي الفرنسي تحذيرات متكررة من خطر “الانعزال المجتمعي” ومحاولات بناء مجتمعات موازية داخل المدن الأوروبية.

وترى السلطات الفرنسية أن بعض الجماعات المرتبطة بالإسلام السياسي استفادت من العمل الجمعوي والديني لتوسيع نفوذها داخل الأحياء والمدارس والجامعات، ما دفع الحكومة إلى تبني إجراءات أكثر صرامة شملت مراقبة التمويل الأجنبي، وتشديد الرقابة على الجمعيات، وإغلاق مؤسسات اتُّهمت بنشر خطاب متطرف أو معادٍ لقيم الدولة.

هذا التحول الفرنسي لم يكن معزولًا عن بقية أوروبا. ففي Austria تصاعدت خلال السنوات الأخيرة التحذيرات الرسمية من شبكات الإسلام السياسي، واعتبرت السلطات أن بعض التنظيمات تستغل الخطاب الديني لبناء نفوذ سياسي طويل الأمد داخل المجتمع. وقد أدى ذلك إلى إطلاق حملات أمنية وتشريعات جديدة تستهدف مراقبة الجمعيات والمنظمات المرتبطة بالتطرف أو التمويل الخارجي.

أما في Germany، فقد بدأت أجهزة الاستخبارات الداخلية تركز بصورة أكبر على النشاطات المرتبطة بالإسلام السياسي، معتبرة أن الخطر لا يقتصر على التنظيمات المسلحة، بل يشمل أيضًا الحركات التي تعمل على نشر أفكار تعتبرها المؤسسات الأمنية مناقضة للديمقراطية الليبرالية أو مهددة للاندماج المجتمعي.

وتعتقد دوائر أوروبية أن جماعة الإخوان المسلمين طورت خلال العقود الماضية نموذجًا معقدًا من “النفوذ الناعم”، يعتمد على العمل المدني والإعلامي والتعليمي أكثر من اعتماده على المواجهة المباشرة. وهذا ما جعل التعامل معها أكثر تعقيدًا من المواجهة التقليدية مع التنظيمات الإرهابية المسلحة.

فالجماعة لا تتحرك في أوروبا عبر بنية تنظيمية واحدة واضحة، بل من خلال شبكة واسعة من المؤسسات والجمعيات والمراكز التي تعمل في مجالات متعددة تشمل التعليم والعمل الخيري والدفاع عن الحقوق المدنية والإعلام. وترى الحكومات الأوروبية أن هذا النموذج يمنح الجماعة قدرة كبيرة على التغلغل داخل المجتمعات وبناء حضور طويل الأمد يصعب تفكيكه بالوسائل الأمنية التقليدية.

كما أن التحولات الدولية الأخيرة، خصوصًا بعد الحرب في غزة وتصاعد الاستقطاب السياسي والديني في الغرب، دفعت الحكومات الأوروبية إلى القلق من تنامي تأثير الخطابات الأيديولوجية العابرة للحدود داخل الأوساط الشبابية والجامعية. وقد لاحظت المؤسسات الأمنية الأوروبية أن المنصات الرقمية أصبحت أداة مركزية في عمليات التعبئة والتأثير، حيث تستخدم الجماعات المرتبطة بالإسلام السياسي وسائل التواصل الاجتماعي لبناء سرديات سياسية ودينية عابرة للحدود.

هذا التطور جعل أوروبا تعتبر أن المواجهة لم تعد أمنية فقط، بل إعلامية وثقافية أيضًا. ولذلك توسعت الجهود الأوروبية في مجال مراقبة المحتوى الرقمي، وتعزيز التعاون مع شركات التكنولوجيا لرصد الحسابات والمنصات المرتبطة بالتطرف أو التحريض.

وفي الوقت ذاته، برز تعاون متزايد بين أوروبا والولايات المتحدة في ملف مكافحة شبكات الإسلام السياسي والتطرف العابر للحدود. فواشنطن والعواصم الأوروبية باتت تتشارك قناعة متنامية بأن التهديدات الحديثة لم تعد تأخذ شكل خلايا محلية منفصلة، بل شبكات دولية تجمع بين التمويل والدعاية والتجنيد والعمل الأيديولوجي.

ولهذا شهدت السنوات الأخيرة تعزيزًا غير مسبوق في تبادل المعلومات الاستخباراتية بين الجانبين، خصوصًا في ملفات تتعلق بالتحويلات المالية والمنظمات العابرة للحدود والنشاطات الرقمية المرتبطة بالتطرف.

لكن هذا التحول الأوروبي أثار أيضًا انتقادات واسعة من منظمات حقوقية وأكاديمية حذرت من أن التوسع في مفهوم “التطرف” قد يؤدي إلى استهداف النشاط الديني أو السياسي المشروع، وخلق مناخ من الشك تجاه الجاليات المسلمة داخل أوروبا.

ويرى منتقدو السياسات الجديدة أن بعض الحكومات الأوروبية باتت تميل إلى الخلط بين الإسلام السياسي والعمل الإرهابي، وهو ما قد يؤدي إلى نتائج عكسية من خلال تعزيز الشعور بالتهميش أو تغذية خطاب الضحية الذي تستخدمه الجماعات المتشددة في عمليات الاستقطاب.

في المقابل، تؤكد الحكومات الأوروبية أن الإجراءات الجديدة لا تستهدف الإسلام كدين، ولا المسلمين كمجتمعات، بل التنظيمات والشبكات التي يُعتقد أنها تستغل الدين لبناء نفوذ سياسي أو أيديولوجي يهدد استقرار الدول الأوروبية وقيمها الديمقراطية.

لكن رغم هذا التوازن الخطابي، فإن المزاج الأمني داخل أوروبا تغير بصورة واضحة. فبعد سنوات من التركيز على “الإرهاب العنيف” فقط، بدأت الحكومات الغربية تتجه نحو مقاربة أكثر شمولًا تقوم على مراقبة البيئات الفكرية والتنظيمية التي قد تسهم في إنتاج التطرف أو توفير غطاء أيديولوجي له.

هذا التحول يعكس إدراكًا أوروبيًا متزايدًا بأن المعركة مع التطرف لم تعد مرتبطة فقط بمنفذي الهجمات المسلحة، بل بالشبكات التي تنتج الخطاب وتبني النفوذ وتستثمر في الإعلام والتعليم والعمل المجتمعي. ولهذا أصبحت جماعة الإخوان المسلمين بالنسبة لكثير من العواصم الأوروبية جزءًا من نقاش أوسع يتعلق بمستقبل الأمن والاستقرار والهوية داخل القارة.

وفي ظل تصاعد الأزمات الدولية والاستقطاب السياسي والديني، يبدو أن أوروبا تدخل مرحلة جديدة من المواجهة مع الحركات الأيديولوجية العابرة للحدود، مرحلة تقوم على إعادة رسم الحدود بين حرية التنظيم والعمل المدني من جهة، وبين حماية الأمن القومي ومنع التطرف من جهة أخرى.

وفي عالم تتحول فيه الأفكار والشبكات الرقمية إلى أدوات نفوذ عابرة للقارات، تبدو المعركة الأوروبية مع الإسلام السياسي مرشحة لأن تصبح واحدة من أكثر معارك القرن الحادي والعشرين تعقيدًا وحساسية، ليس فقط لأنها تتعلق بالأمن، بل لأنها تمس أيضًا مستقبل التعايش والهوية داخل المجتمعات الغربية نفسها.

زر الذهاب إلى الأعلى