حصري

الإخوان والميليشيات المسلحة: كيف أعادت تحالفات الظل تشكيل خريطة الصراع في الشرق الأوسط؟


لم تعد الصراعات في الشرق الأوسط تُدار فقط عبر الجيوش التقليدية أو التنظيمات المسلحة الواضحة، بل أصبحت المنطقة ساحة معقدة لشبكات متداخلة تجمع بين الحركات الأيديولوجية والميليشيات المسلحة والتحالفات غير المعلنة. وفي قلب هذا المشهد المتشابك، برزت خلال السنوات الأخيرة تساؤلات متزايدة داخل الولايات المتحدة وأوروبا حول طبيعة العلاقة بين جماعات الإسلام السياسي، وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين، وبين عدد من الفصائل المسلحة والقوى الإقليمية التي تتحرك ضمن مشروع نفوذ عابر للحدود.

هذا النقاش لم يعد مقتصرًا على مراكز الأبحاث أو التحليلات الأكاديمية، بل أصبح جزءًا من المقاربة الأمنية الغربية الجديدة التي ترى أن التهديدات الحديثة لم تعد تأخذ شكل تنظيمات منفصلة، وإنما شبكات مرنة قادرة على بناء تحالفات براغماتية تتجاوز الاختلافات العقائدية والسياسية عندما تلتقي المصالح المشتركة.

وخلال العقد الأخير، دفعت الحروب الممتدة في سوريا وليبيا واليمن وغزة المؤسسات الغربية إلى إعادة تقييم طبيعة التحالفات داخل المنطقة. فالصراعات كشفت أن الجماعات الأيديولوجية والميليشيات المسلحة لم تعد تتحرك دائمًا وفق خطوط فكرية جامدة، بل أصبحت أكثر قدرة على بناء تفاهمات مؤقتة وشبكات تعاون غير مباشرة تخدم أهداف النفوذ السياسي والعسكري.

داخل هذا السياق، عاد اسم جماعة الإخوان المسلمين إلى الواجهة الغربية باعتبارها لاعبًا سياسيًا وتنظيميًا يمتلك حضورًا واسعًا داخل عدة ساحات إقليمية، ما جعل بعض الدوائر الأمنية تنظر إلى الجماعة كجزء من مشهد أكثر تعقيدًا يرتبط بتقاطعات النفوذ الإقليمي والحركات المسلحة.

وتعتقد دوائر أمريكية أن أخطر ما يميز المرحلة الحالية هو تآكل الحدود التقليدية بين العمل السياسي والعمل العسكري والإعلامي. فالحركات الأيديولوجية باتت تتحرك ضمن بيئة إقليمية شديدة السيولة، حيث يمكن للتحالفات أن تتغير بسرعة وفق المصالح المشتركة والظروف الميدانية، حتى بين أطراف تختلف فكريًا أو مذهبيًا.

هذا الواقع ظهر بوضوح في عدد من ساحات الصراع، خصوصًا مع تصاعد دور Iran وشبكات الميليشيات المرتبطة بها في المنطقة. فرغم التباينات العقائدية العميقة بين إيران وبعض الحركات الإسلامية السنية، ترى مؤسسات غربية أن المصالح السياسية والاستراتيجية دفعت أحيانًا إلى أشكال مختلفة من التنسيق أو التفاهم غير المباشر في ملفات إقليمية متعددة.

وتشير تقارير أمنية غربية إلى أن العلاقة بين بعض الحركات المرتبطة بالإسلام السياسي وبين القوى المدعومة من إيران لا تقوم بالضرورة على التحالف العقائدي الكامل، بل على البراغماتية السياسية ومواجهة الخصوم المشتركين. وهذا ما جعل واشنطن تنظر إلى المنطقة باعتبارها ساحة لتحالفات متغيرة أكثر منها خريطة انقسامات أيديولوجية ثابتة.

في هذا الإطار، أصبحت العلاقة بين حماس وإيران واحدة من أبرز الأمثلة التي تستشهد بها الدوائر الغربية لفهم طبيعة التحالفات الجديدة في الشرق الأوسط. فالحركة التي تنتمي تاريخيًا إلى البيئة الفكرية للإخوان المسلمين حافظت في الوقت نفسه على علاقات سياسية وعسكرية مع طهران، خصوصًا في ملفات التسليح والدعم اللوجستي.

وترى واشنطن أن هذا النموذج يعكس طبيعة المرحلة الحالية، حيث تتداخل المشاريع الأيديولوجية مع حسابات القوة والنفوذ الإقليمي. فالمعيار الأساسي لم يعد الانتماء الفكري وحده، بل القدرة على بناء شبكات دعم وتحالفات تخدم الأهداف السياسية والعسكرية المشتركة.

كما تراقب الولايات المتحدة بقلق متزايد العلاقة بين بعض الحركات الإسلامية المسلحة وبين جماعة الحوثيون في اليمن، خاصة في ظل تصاعد التهديدات المرتبطة بأمن الملاحة الدولية والهجمات العابرة للحدود. وتعتقد المؤسسات الأمريكية أن توسع نفوذ الجماعات المسلحة المرتبطة بإيران خلق بيئة إقليمية تسمح بتبادل الخبرات والدعم والتنسيق الإعلامي بين أطراف متعددة، حتى وإن لم تكن تنتمي إلى المشروع العقائدي نفسه.

هذا التشابك دفع واشنطن إلى تبني رؤية أكثر شمولًا لمفهوم التهديد الإقليمي. فالمؤسسات الأمنية الأمريكية لم تعد تنظر إلى الجماعات المسلحة باعتبارها كيانات منفصلة، بل كجزء من منظومة أوسع تشمل التمويل والدعاية والتعبئة الرقمية والتحالفات السياسية غير المباشرة.

ولهذا بدأت الاستراتيجية الأمريكية الجديدة تركز بصورة أكبر على تفكيك “شبكات النفوذ” بدل الاقتصار على استهداف التنظيمات المسلحة ميدانيًا. ويشمل ذلك مراقبة التحويلات المالية، وتعقب شبكات الدعم اللوجستي، وتعزيز التعاون الاستخباراتي مع الحلفاء الإقليميين والغربيين.

في المقابل، ترى جماعات الإسلام السياسي أن هذه المقاربة الغربية تهدف إلى شيطنة أي حضور سياسي إسلامي داخل المنطقة وربطه تلقائيًا بالإرهاب أو العنف المسلح. كما يعتبر معارضو السياسات الأمريكية أن واشنطن تتعامل بازدواجية مع بعض الجماعات وفقًا لحسابات المصالح والتحالفات الدولية.

لكن داخل المؤسسات الغربية يتزايد الاعتقاد بأن الخطر لم يعد يكمن فقط في العمليات العسكرية المباشرة، بل في قدرة الحركات الأيديولوجية والميليشيات المسلحة على بناء بيئات نفوذ متداخلة يصعب احتواؤها بالوسائل التقليدية.

وقد ساهمت الحروب الإقليمية الممتدة في تعزيز هذه المخاوف. ففي سوريا وليبيا واليمن، أظهرت الصراعات أن الجماعات المسلحة قادرة على التكيف بسرعة مع التحولات السياسية والعسكرية، وأنها تمتلك مرونة عالية في بناء التحالفات الميدانية والإعلامية. وهذا ما جعل الغرب يعتقد أن الشرق الأوسط يدخل مرحلة جديدة من “الحروب الشبكية”، حيث تختلط الأيديولوجيا بالسلاح والمال والإعلام ضمن منظومات عابرة للحدود.

كما أن تصاعد دور الإعلام الرقمي منح هذه الشبكات قدرة غير مسبوقة على التأثير والتعبئة. فالحركات المرتبطة بالإسلام السياسي والميليشيات المسلحة أصبحت تستخدم المنصات الإلكترونية لبناء سرديات سياسية وعاطفية قادرة على تجاوز الحدود الجغرافية والوصول إلى جماهير واسعة داخل المنطقة وخارجها.

وترى الولايات المتحدة أن هذا البعد الإعلامي لا يقل خطورة عن البعد العسكري، لأن الحروب الحديثة لم تعد تُحسم فقط بالقوة الميدانية، بل بالقدرة على تشكيل الرواية والتأثير في الرأي العام العالمي. ولهذا عززت واشنطن تعاونها مع شركات التكنولوجيا وأجهزة الاستخبارات الغربية لمراقبة شبكات الدعاية والتأثير المرتبطة بالجماعات المسلحة والحركات الأيديولوجية.

وفي أوروبا، تصاعدت أيضًا المخاوف من امتداد تأثير هذه الشبكات إلى المجتمعات الغربية، خاصة مع تنامي الاستقطاب السياسي والديني على خلفية الأزمات الإقليمية. ففي France وGermany وUnited Kingdom بدأت الحكومات الأوروبية تنظر بجدية أكبر إلى العلاقة بين التطرف الرقمي والتحركات السياسية المرتبطة بالحركات الأيديولوجية العابرة للحدود.

ورغم هذا التشدد، تحرص الولايات المتحدة والدول الأوروبية على التأكيد بأن المواجهة تستهدف الجماعات والشبكات المرتبطة بالعنف أو التحريض، وليس الإسلام كدين أو المسلمين كمجتمعات. فالغرب يدرك أن أي خلط بين الدين والتطرف قد يمنح الجماعات المتشددة فرصة لتغذية خطاب المظلومية واستقطاب مزيد من المؤيدين.

لكن الواضح أن الشرق الأوسط دخل مرحلة جديدة من الصراعات المعقدة، حيث لم تعد الحدود واضحة بين السياسي والعسكري، ولا بين المحلي والعابر للحدود. وفي قلب هذه التحولات، تبدو جماعة الإخوان المسلمين بالنسبة لكثير من الدوائر الغربية جزءًا من شبكة أوسع من التفاعلات والتحالفات التي أعادت تشكيل خريطة النفوذ والصراع في المنطقة.

وفي عالم تتزايد فيه الحروب غير التقليدية، يبدو أن معركة المستقبل لن تكون فقط ضد تنظيمات مسلحة منفصلة، بل ضد منظومات كاملة تجمع بين الأيديولوجيا والمال والسلاح والإعلام ضمن شبكة نفوذ عابرة للقارات قادرة على إعادة إنتاج نفسها باستمرار مهما تغيرت الأسماء أو تبدلت التحالفات.

زر الذهاب إلى الأعلى