من أجل الذهب.. منقّبون سودانيون يواجهون مخاطر الحرب والغارات الجوية
تكشف الغارات الجوية التي استهدفت منقّبين تقليديين عن الذهب في منطقة حدودية بين السودان ومصر عن جانب من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي تدفع أشخاصًا إلى العمل في مناطق نائية وغير مستقرة بحثًا عن مصدر رزق. فالتعدين التقليدي، الذي يمثل نشاطًا اقتصاديًا مهمًا بالنسبة إلى شرائح من السكان، أصبح في ظروف الحرب وسيلة يعتمد عليها بعض السودانيين لتأمين احتياجاتهم اليومية، رغم ما يحيط به من مخاطر تتعلق بسلامة العمل، وغياب الخدمات الصحية، وصعوبة الوصول إلى الأسواق، واحتمال التعرض للعمليات العسكرية. وبحسب تقرير شبكة «عاين» السودانية، استهدفت الغارات مواقع يعمل فيها منقّبون عن الذهب، مستخدمة مقاتلات «إف-16» وقنابل غير موجّهة تزن الواحدة منها نحو 400 كيلوغرام، وسط تقارير عن مقتل عشرات الأشخاص واحتمال ارتفاع الحصيلة. وتعيد هذه الواقعة طرح سؤال أوسع بشأن الظروف التي يعيشها العاملون في التعدين التقليدي، والبدائل الاقتصادية المتاحة أمامهم في ظل تدهور الأوضاع المعيشية.

ولا يمكن فهم المخاطر التي يواجهها المنقّبون بمعزل عن التحولات التي شهدها الاقتصاد السوداني خلال الحرب. فمع اتساع رقعة القتال وتعطل قطاعات مختلفة من النشاط الاقتصادي، أصبحت فرص العمل المنتظم أكثر صعوبة بالنسبة إلى كثير من الأسر، بينما تراجعت قدرة مؤسسات الدولة على توفير الخدمات في بعض المناطق. وفي مثل هذه الظروف، يتجه بعض الأشخاص إلى أنشطة اقتصادية تعتمد على الجهد الفردي أو العمل الجماعي المحدود، ومن بينها استخراج الذهب من مواقع تقليدية. وقد يوفر هذا النشاط دخلًا يمكن استخدامه لشراء الغذاء والدواء وتغطية النفقات الأساسية، لكنه لا يضمن الاستقرار المالي، إذ ترتبط الأرباح بتقلبات الإنتاج وأسعار البيع وتكاليف النقل والمعدات، فضلًا عن المخاطر الأمنية التي تزداد في المناطق الحدودية.


ويعمل المنقّبون التقليديون غالبًا في بيئات قاسية، حيث تتطلب عمليات استخراج الذهب حفر الأرض ونقل الصخور ومعالجة المواد المستخرجة باستخدام وسائل تختلف بحسب طبيعة الموقع والإمكانات المتاحة. وقد أشار أحد تجار الذهب والمنقّبين، في شهادة نقلها التقرير، إلى أن العاملين في هذا القطاع يواجهون مخاطر يومية، ويستخدم بعضهم الحبال للنزول إلى أعماق الأرض، من دون ضمان العودة سالمين. وتوضح هذه الشهادة أن المخاطر لا تبدأ مع العمليات العسكرية، بل تشمل أيضًا ظروف العمل نفسها، واحتمال وقوع الحوادث، وغياب وسائل الحماية الكافية، وصعوبة الوصول إلى الرعاية الصحية عند وقوع إصابات. وعندما تقع غارات جوية في مثل هذه المناطق، تتضاعف المخاطر، لأن العاملين قد يكونون بعيدين عن المستشفيات ومراكز الإسعاف، كما قد تكون عمليات إجلاء المصابين أكثر صعوبة من المناطق المأهولة.

وتكتسب الشهادات الإنسانية التي أوردها التقرير أهمية خاصة لأنها تكشف أن الأشخاص الذين كانوا في مواقع التعدين لم يكونوا مجرد أرقام في حصيلة الضحايا، بل أفرادًا لديهم أسر والتزامات مالية وعلاقات اجتماعية. فقد تضمنت إحدى الرسائل المنسوبة إلى شاب قُتل في الحادثة طلبًا من أسرته لتسوية ديونه والتسامح مع الآخرين، مع الإشارة إلى مبالغ بسيطة ومواد غذائية كان مدينًا بها لأشخاص في محيطه. وتبرز هذه التفاصيل مدى ارتباط حياة العاملين في الاقتصاد غير الرسمي بشبكات محلية من الثقة والائتمان والتبادل، حيث يمكن أن يكون الدين الصغير جزءًا من الترتيبات اليومية التي تساعد الأفراد على مواصلة العمل والعيش. كما توضح أن خسارة شخص يعمل في التعدين لا تعني فقدان مصدر دخل فحسب، بل قد تترك وراءه التزامات مالية وأعباء إضافية تقع على أسرته.
ويضاف إلى ذلك أن التعدين التقليدي في المناطق الحدودية يرتبط بقضايا معقدة تتعلق بملكية الأراضي، والتراخيص، وحركة الأشخاص، وتجارة الذهب ونقله. فقد تعمل مجموعات من المنقّبين في مناطق بعيدة عن مراكز الإدارة، حيث يصعب التحقق من الوضع القانوني لكل نشاط، وقد تتداخل أعمالهم مع طرق تجارية غير رسمية. وفي المقابل، قد ترى السلطات أن هذه الأنشطة تمثل تحديًا أمنيًا أو اقتصاديًا يستدعي التدخل. لكن وجود هذه التحديات لا يلغي الحاجة إلى التمييز بين المخالفات الاقتصادية والتهديدات العسكرية، كما لا يجعل العاملين في القطاع عرضة تلقائيًا لاستخدام القوة المميتة. فالتعامل مع التعدين غير المرخص يمكن أن يتطلب تنظيم النشاط، وتحديد مناطق العمل، وتطبيق القوانين ذات الصلة، ومكافحة التهريب، من دون تجاهل سلامة الأشخاص الموجودين في المواقع المستهدفة.

وقد أعلنت السلطات المصرية، وفقًا للتقرير، أن العملية تأتي في إطار حملة لمكافحة التعدين غير القانوني وحماية الموارد الوطنية. وفي المقابل، تشير التقارير الواردة من السودان إلى سقوط أعداد كبيرة من القتلى، وهو ما يجعل القضية تتجاوز النقاش حول التراخيص والموارد إلى مسألة حماية الأرواح. ويتطلب التعامل مع هذا التعقيد توفير معلومات واضحة بشأن مواقع الضربات، وطبيعة الأهداف التي جرى تحديدها، والظروف التي سبقت تنفيذ العملية. كما يستدعي الأمر التحقيق في الخسائر البشرية، وتحديد المسؤوليات على أساس الأدلة، بدلًا من افتراض أن كل شخص يعمل في موقع تعدين يشارك بالضرورة في نشاط يستوجب استهدافه عسكريًا.

وتواجه الأسر التي تعتمد على التعدين التقليدي تحديات إضافية بعد الحوادث الدامية، إذ قد تفقد معيلًا أساسيًا أو تضطر إلى تحمل تكاليف العلاج والنقل والدفن، في وقت تكون فيه مواردها المالية محدودة. كما يمكن أن يؤدي الخوف من تكرار الهجمات إلى دفع العاملين إلى مغادرة المنطقة أو التوقف عن العمل، ما ينعكس على دخل أسرهم وعلى النشاط التجاري المحيط بمواقع التعدين. وقد تشمل الآثار غير المباشرة تراجع حركة شراء المعدات والمواد الغذائية، وانخفاض الطلب على خدمات النقل، وتعطل أنشطة يعتمد عليها تجار صغار وعاملون آخرون. ولهذا، فإن تقييم الأضرار الاقتصادية للحادثة ينبغي ألا يقتصر على قيمة الذهب الذي تعذر استخراجه أو المعدات التي تضررت، بل يجب أن يشمل أيضًا الخسائر التي لحقت بالمجتمعات المرتبطة بهذا النشاط.
وفي ظل هذه الظروف، تبرز الحاجة إلى معالجة أوسع لأوضاع التعدين التقليدي، من خلال توفير قواعد واضحة للعمل في المناطق الحدودية، وتعزيز إجراءات السلامة، وتحسين الوصول إلى الخدمات الصحية، ووضع آليات تتيح للعاملين معرفة المناطق التي يُسمح لهم بالعمل فيها والمخاطر التي قد تواجههم. كما أن التنسيق بين السلطات المعنية يمكن أن يساعد على تقليل الاحتكاكات، ومنع تحول الأنشطة الاقتصادية إلى مصدر مواجهات مميتة. ولا تعني هذه الإجراءات التساهل مع التهريب أو تجاهل القوانين، بل تهدف إلى معالجة المخالفات بوسائل أكثر وضوحًا وفاعلية، مع مراعاة الظروف المعيشية للأشخاص الذين يعتمدون على هذا القطاع.

وفي المحصلة، تكشف الغارات المبلغ عنها أن الذهب الذي يراه بعض السودانيين فرصة للخروج من ضائقة اقتصادية قد يتحول إلى مصدر إضافي للمخاطر في ظل غياب الاستقرار. فالمنقّب الذي ينزل إلى الأرض بحثًا عن مورد مالي يواجه مخاطر العمل والمرض والفقر، وقد يجد نفسه أيضًا في منطقة تتقاطع فيها الحسابات الأمنية والخلافات الحدودية. ومن هنا، فإن حماية العاملين في التعدين تتطلب أكثر من معالجة حادثة واحدة؛ فهي تحتاج إلى تحسين ظروف العمل، وتوضيح القواعد المنظمة للنشاط، ومحاسبة المسؤولين إذا ثبت وقوع انتهاكات، وتوفير بدائل اقتصادية تقلل اضطرار السكان إلى العمل في بيئات شديدة الخطورة. أما تجاهل هذه الجوانب، فقد يترك المجتمعات المحلية عالقة بين الحاجة إلى الذهب والخوف من الثمن الذي قد تدفعه مقابل استخراجه.
