رهانات الحل النهائي في الصحراء المغربية وتحديات الاستقرار الإقليمي
خلال جلسة العمل التي ترأسها الملك محمد السادس في الرابع من نوفمبر/تشرين الثاني، لمتابعة مرحلة ما بعد انتهاء مهام المينورسو، أكد حماية الوحدة الترابية والأمن الوطني وطمأنينة المواطنين، ومواصلة تنمية الأقاليم الجنوبية، مع التشديد على أن التزام المغرب بوقف إطلاق النار إرادي ولن يتغير بانتهاء ولاية البعثة.
ومن ترابط هذه التوجيهات تتضح ملامح ما يمكن تسميته “السلام الملكي العادل والدائم”، بوصفه مقاربة تجمع حماية الوطن ومصالح مواطنيه ببناء شروط الاستقرار والتقدم نحو إنهاء النزاع.
ويستمد العدل معناه هنا من صون السيادة والوحدة الترابية، وحماية حقوق السكان وكرامتهم ومصالحهم، وتمكينهم من مواصلة حياتهم والاستفادة من التنمية في أمن وطمأنينة. أما الديمومة، فتقوم على استمرارية القرار وعمل المؤسسات والوفاء بالتعهدات، بما يمنح السلام أساسا سياسيا وأمنيا وتنمويا يتجاوز وجود بعثة أو استمرار ترتيب دولي بعينه.
لقد أوضح بلاغ الديوان الملكي مصدر الالتزام المغربي حين وصفه بالإرادي، وأكد ثباته بعد انتهاء ولاية البعثة، بما يجعل الحفاظ على السلام نابعا من إرادة الدولة وعقيدتها الدبلوماسية. ويمنح هذا الثبات الشركاء وضوحا بشأن السلوك المغربي في مرحلة تتغير فيها آليات التعامل مع الملف، ويعزز الثقة في قدرة المملكة على تحمل مسؤولياتها والمحافظة على التزاماتها خلال هذا التحول.
وفي المقابل، يحدد البلاغ سلامة الأراضي والوحدة الترابية والأمن الوطني ضمن الأولويات التي تستوجب التفعيل الحازم واليقظ، فيقترن الالتزام بالسلام بمسؤولية حماية الوطن ومواطنيه، وتستمد اليقظة معناها من ضرورة متابعة التطورات والاستعداد للتعامل معها.
وتظهر الحنكة الملكية في الجمع بين وضوح الالتزام واستمرار القدرة على حماية المصالح الوطنية، بما يصون الاستقرار ويمنح الموقف المغربي مصداقيته.
ومن هذه الزاوية تتضح العلاقة بين بلاغي 30 أكتوبر/تشرين الأول و4 نوفمبر/تشرين الثاني للديوان الملكي، إذ أعلن الأول توجه المغرب إلى تغيير محددات معالجة النزاع بعد عقود من الجمود، بينما بيّن الثاني الثوابت التي تحكم إدارة المرحلة الجديدة. وتسمح قراءتهما معا باستخلاص تمييز أساسي بين استدامة السلام وإدامة النزاع، وهو تمييز يفسر اجتماع الحزم والتعاون في المقاربة الملكية.
فالمحافظة على الاستقرار تقتضي تقييم الوسائل التي يفترض أن تخدم التسوية، ومدى قدرتها على تقريبها، وقد عبر البلاغان عن تقييم مغربي واضح لتجربة البعثة وسياق نشأتها ووظائفها، مع استمرار التمسك بالسلام والتعاون مع الأمم المتحدة. وبذلك، تتجه مراجعة الترتيبات السابقة نحو فتح أفق سياسي مختلف، مع الحفاظ على الالتزامات التي تسند الثقة في المملكة.
ويتجسد هذا التوجه في مواكبة تصفية البعثة وانسحابها بصورة منظمة، عبر جهة مؤسساتية محددة، حيث يواكب الحسمَ السياسي حرصٌ على انتظام التنفيذ وتيسير إجراءاته. وهنا يكتسب السلام الملكي بُعده العملي، إذ تتحول التوجيهات إلى اختصاصات وأعمال متابعة، بما يسمح بإدارة التغيير وضبط آثاره والمحافظة على التعاون الدولي خلاله.
ويظل المواطن في صلب هذه المقاربة، فالبلاغ يربط السيادة بطمأنينة السكان، ويخص ساكنة الأقاليم الجنوبية بعناية واضحة، مما يجعل أمن الناس ومصالحهم معيارا لإدارة المرحلة، ويعطي الدفاع عن الوحدة الترابية مضمونه الإنساني المباشر. وفي هذا الارتباط يتجسد أحد معاني السلام العادل، من خلال حماية المواطنين وضمان قدرتهم على العمل والتطلع بثقة إلى المستقبل.
وتمنح التنمية هذا الالتزام امتداده الملموس، إذ يثبت التوجيه الملكي بمواصلة المشروع التنموي والمشاريع المهيكلة استمرارية الاهتمام بمستقبل الأقاليم الجنوبية خلال التحول الدبلوماسي. وتحتاج المشاريع والاستثمارات إلى وضوح القرار واستقرار شروط الإنجاز، كما يحتاج السكان إلى استمرار الخدمات والفرص، فتسهم التنمية في ترسيخ السلام بقدر ما يتيح لها الأمن أن تتقدم وتحقق غاياتها.
ويعطي ذلك للزمن معنى مختلفا عن الانتظار الذي طال في مسار النزاع، فاستمرار البناء يعني توسع المصالح والفرص وتحسن شروط العيش، بينما تتواصل الجهود الدبلوماسية نحو الحل. وتجمع الرؤية الملكية بين هذين المسارين، فتواصل الدولة خدمة مواطنيها وتطوير أقاليمها، وتعمل في الوقت نفسه على استكمال تثبيت مكاسبها الدولية، بما يحفظ للسكان حقهم في التنمية أثناء السعي إلى التسوية.
أما الغاية السياسية، فيحددها البلاغان في الطي النهائي للنزاع على أساس الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، وهي غاية تحتاج إلى متابعة دبلوماسية تستثمر التأييد الدولي وتدفعه نحو خطوات أكثر أثرا. وفي إطار هذه القراءة، يرتبط عدل السلام بحل الحكم الذاتي المغربي الذي يصون وحدة المملكة ويتيح تدبير الشؤون المحلية في إطار السيادة الوطنية، بينما تستدعي استدامته مؤسسات فاعلة وتنمية متواصلة وإجماعا وطنيا يسند هذا المسار.
وتكمن قوة مفهوم السلام الملكي العادل والدائم في تفسير هذا الترابط بين الإرادة السيادية والمسؤولية الدولية، وبين حماية المواطن وبناء مستقبله، تحت قيادة الملك محمد السادس التي تجمع وضوح الوجهة ودقة المتابعة، فالحزم واليقظة والالتزام بالسلام تعمل ضمن مقاربة واحدة، تهيئ شروط التقدم نحو تسوية تنهي النزاع، وتحفظ للمغرب وحدته وأمنه، ولأقاليمه الجنوبية استقرارها وآفاقها التنموية.
