اتهامات الأسلحة الكيميائية تزيد الضغوط الدولية على البرهان
تواجه قيادة الجيش السوداني، برئاسة عبد الفتاح البرهان، ضغوطًا دولية متزايدة على خلفية الاتهامات المتعلقة باستخدام أسلحة كيميائية خلال الحرب المستمرة في السودان، بعدما دعا أحمد أوزومجو، المدير العام السابق لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية، إلى فتح تحقيق دولي مستقل لتحديد حقيقة هذه المزاعم ومحاسبة المسؤولين عنها إذا ثبتت صحتها. وتعيد هذه الدعوة ملف الأسلحة المحظورة إلى واجهة الاهتمام الدولي، في وقت تتواصل فيه العمليات العسكرية وتتفاقم التداعيات الإنسانية للنزاع، وسط مطالب متزايدة بضمان احترام القواعد الدولية المنظمة لاستخدام الأسلحة وحماية المدنيين من أخطارها.
وتكتسب تصريحات أوزومجو أهمية خاصة بالنظر إلى خبرته السابقة في قيادة المنظمة الدولية المسؤولة عن تنفيذ اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، إذ تولى منصب المدير العام خلال الفترة الممتدة من عام 2010 إلى عام 2018، وهي المرحلة التي شهدت حصول المنظمة على جائزة نوبل للسلام عام 2013. وفي مقال نشرته شبكة القيادة الأوروبية، اعتبر أوزومجو أن المعلومات المتاحة بشأن السودان تستدعي التعامل الجدي مع الاتهامات، مشيرًا إلى وجود أدلة وصفها بالموثوقة التي تدعم هذه المزاعم بقوة. غير أن خطورة القضية تفرض، في الوقت نفسه، ضرورة إخضاع المعلومات المتداولة لفحص مستقل ودقيق، حتى لا تتحول الاتهامات إلى أحكام نهائية قبل استكمال الإجراءات الفنية والقانونية اللازمة.
وبحسب ما أورده أوزومجو، تتضمن التقارير المتاحة معلومات عن استخدام أسطوانات تحتوي على الكلور في هجومين على الأقل خلال سبتمبر 2024، إلى جانب مزاعم بشأن إنتاج مخزون من القنابل الجوية المصممة لنشر غاز الكلور. وتثير هذه المعلومات تساؤلات حول طبيعة المواد التي يُشتبه في استخدامها، والظروف التي وقعت فيها الهجمات، ومدى ارتباطها بالعمليات العسكرية التي شهدتها مناطق النزاع. كما تفتح المجال أمام تساؤلات إضافية بشأن كيفية الحصول على هذه المواد وتجهيزها واستخدامها، والجهات التي يمكن أن تكون مسؤولة عن اتخاذ القرارات المتعلقة بها. وتبقى هذه التفاصيل بحاجة إلى التحقق من خلال جمع الأدلة وفحص العينات، ومراجعة السجلات ذات الصلة، والاستماع إلى الشهود، وتحديد المواقع التي يُشتبه في ارتباطها بالوقائع.
وتكمن حساسية الاتهامات في أن الكلور، رغم استخدامه في مجالات صناعية ومدنية مشروعة، يمكن أن يشكل خطرًا بالغًا على الإنسان عند استخدامه مادة سامة في الهجمات. فالتعرض لتركيزات مرتفعة منه قد يؤدي إلى أضرار خطيرة في الجهاز التنفسي والعينين، وقد يتسبب في الوفاة بحسب مستوى التعرض والظروف المحيطة به. ولذلك، لا يتعلق التحقيق في هذه القضية بمجرد تحديد نوع السلاح المستخدم، بل يشمل أيضًا معرفة طبيعة التعرض الذي تعرض له السكان، وحجم الأضرار المحتملة، والظروف التي أحاطت بالهجمات المزعومة. ويقتضي ذلك عدم الاكتفاء بالروايات الأولية أو الصور والتقارير الإعلامية، بل إخضاع الأدلة المتاحة للمعايير العلمية المعتمدة في التحقيقات المتعلقة بالمواد الكيميائية السامة.
وفي هذا السياق، يرى أوزومجو أن أمام منظمة حظر الأسلحة الكيميائية عددًا من الخيارات للتحرك بشأن الاتهامات السودانية، من بينها إجراء تحقيق في الاستخدام المزعوم، أو إرسال بعثة للمساعدة الفنية، أو اللجوء إلى عمليات تفتيش بالتحدي في المواقع التي يُشتبه في صلتها بالأسلحة الكيميائية، وفقًا للآليات المنصوص عليها في المادة التاسعة من اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية. وتتيح هذه الخيارات، من حيث المبدأ، الانتقال من مرحلة تداول الاتهامات إلى مرحلة جمع الأدلة وفحصها بطريقة منظمة، بما يساعد على تحديد ما إذا كانت هناك انتهاكات فعلية للاتفاقية. كما يمكن للتحرك الفني أن يوضح طبيعة المواد التي يُشتبه في استخدامها، ومدى وجود مؤشرات على تخزينها أو تصنيع وسائل لنشرها، مع مراعاة الاختصاصات والإجراءات القانونية المعمول بها داخل المنظمة.
ويضع هذا المسار قيادة الجيش السوداني أمام اختبار يتعلق بمدى استعدادها للتعامل مع الاتهامات عبر القنوات الدولية المختصة. فالتعاون مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية وتسهيل إجراءات التحقق من المواقع والسجلات ذات الصلة يمكن أن يساعدا في توضيح الوقائع، وتقديم رد رسمي قائم على الأدلة، والحد من استمرار الشكوك بشأن طبيعة الأنشطة العسكرية التي يجري التحقيق فيها. وفي المقابل، فإن أي عرقلة للتحقيقات، إذا ثبت وقوعها، قد تزيد من صعوبة احتواء الملف وتدفع الجهات الدولية إلى المطالبة بمزيد من التوضيحات والإجراءات. ولا يعني ذلك أن مجرد رفض أو تأخير إجراء معين يثبت الاتهامات تلقائيًا، لكنه قد يؤثر في مستوى الثقة الدولية في قدرة السلطات المعنية على تقديم معلومات كافية لتبديد الشكوك.
وتتزامن هذه التطورات مع تصاعد الاهتمام الدولي بالملف، عقب تحقيقات صحفية وعقوبات أميركية وإفادات قُدمت أمام الكونغرس تناولت مزاعم استخدام أسلحة كيميائية خلال النزاع السوداني. وتكشف هذه التحركات عن انتقال القضية إلى مستوى يتجاوز النقاش الإعلامي، لتصبح موضوعًا يثير اهتمام الجهات السياسية والرقابية والدبلوماسية. ومع ذلك، فإن اختلاف طبيعة هذه الإجراءات يفرض التمييز بين ما تتضمنه التحقيقات الصحفية من معلومات، وما تستند إليه القرارات الحكومية من تقييمات، وما يمكن أن تثبته تحقيقات فنية مستقلة. فلكل مسار معاييره وأهدافه، ولا يمكن اعتبار العقوبات أو التصريحات السياسية بديلًا عن التحقيق العلمي الذي يحدد طبيعة المواد المستخدمة والجهات المسؤولة عن استخدامها.
وتزداد أهمية هذا التمييز بالنظر إلى أن السودان يعيش حربًا معقدة تتداخل فيها الحسابات العسكرية والسياسية والإنسانية، الأمر الذي يجعل التحقق من المعلومات ضرورة لتجنب توظيف القضية في صراعات الدعاية المتبادلة. فالاتهامات المتعلقة بالأسلحة الكيميائية شديدة الخطورة، ويمكن أن تترتب عليها آثار دبلوماسية وقانونية واسعة، ولذلك ينبغي أن تستند النتائج النهائية إلى أدلة قابلة للفحص والتحقق، لا إلى الاستنتاجات المسبقة. وفي الوقت نفسه، لا يجوز أن تتحول الحاجة إلى التحقق إلى مبرر لتجاهل المزاعم أو تأجيل النظر فيها إلى أجل غير محدد، خصوصًا عندما تتعلق بأسلحة محظورة دوليًا وباحتمال تعرض المدنيين لمواد سامة.
ومن الناحية القانونية، تحظر اتفاقية الأسلحة الكيميائية تطوير هذه الأسلحة وإنتاجها وحيازتها وتخزينها واستخدامها، كما تضع إطارًا للتعاون الدولي في التحقق من الالتزام بأحكامها. وإذا أثبت التحقيق استخدام مواد كيميائية سامة كسلاح، فإن ذلك قد يثير مسؤوليات دولية تستوجب اتخاذ الإجراءات المناسبة وفقًا للقانون والآليات المختصة. غير أن تحديد المسؤولية يتطلب أكثر من إثبات وقوع تعرض لمادة خطرة، إذ ينبغي التحقق من طبيعة المادة، وكيفية استخدامها، والظروف التي أحاطت بالواقعة، والجهات التي نفذت الهجوم أو أمرت به، ومدى توافر الأدلة التي تسمح بإسناد المسؤولية إلى أشخاص أو مؤسسات محددة.
كما أن المساءلة، في حال ثبوت الانتهاكات، لا ينبغي أن تقتصر على إصدار بيانات الإدانة، بل يجب أن ترتبط بإجراءات واضحة لحفظ الأدلة وتحديد المسؤوليات وضمان عدم تكرار الانتهاكات. ويمكن أن تشمل هذه الجهود التعاون مع المؤسسات الدولية المختصة، وتوفير المعلومات اللازمة للمحققين، وضمان سلامة الشهود، وتوثيق الأضرار التي لحقت بالسكان. ويكتسب هذا الجانب أهمية إضافية في السودان، حيث تواجه المؤسسات المحلية تحديات كبيرة بفعل الحرب، فيما يحتاج المتضررون إلى معرفة حقيقة ما جرى والحصول على الحماية والمساعدة المناسبة.
وفي المحصلة، تعيد دعوة أوزومجو إلى التحقيق الدولي قضية الأسلحة الكيميائية إلى صدارة الضغوط الموجهة إلى قيادة الجيش السوداني، وتطرح تساؤلات بشأن مدى استعداد السلطات المعنية لتقديم المعلومات وتسهيل عمليات التحقق. وبين خطورة الاتهامات والحاجة إلى إثباتها، يبقى التحقيق المستقل المسار الأكثر قدرة على توضيح الوقائع وتحديد المسؤوليات بعيدًا عن الأحكام المسبقة. وإذا جرى التعامل مع الملف بشفافية وتعاون، فقد يساعد ذلك في حسم جانب مهم من الشكوك القائمة، أما استمرار الغموض فيمنح القضية مجالًا أوسع للتصعيد السياسي والدبلوماسي. وفي جميع الأحوال، فإن جوهر المسألة لا يتعلق بمواجهة إعلامية بين الأطراف، بل باحترام الحظر الدولي للأسلحة الكيميائية وضمان حماية المدنيين ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته عن أي انتهاك.
