حصري
الاختراق الكبير.. كواليس الوثائق المسربة حول سلاح الكلور في السودان
في الوقت الذي تصب فيه الأنباء الدولية جل اهتمامها على جبهات القتال المفتوحة والمواجهات المباشرة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، تدور في الكواليس حرب من نوع آخر؛ حرب صامتة وقودها صفقات تجارية معقدة وعقود استيراد غامضة تعبر القارات لتصل في النهاية إلى مخازن ومستودعات الأسلحة. هذا التحقيق يتتبع خطوط الإمداد السري وشبكات المشتريات الدولية التي مكنت المؤسسة العسكرية من التزود بـالمواد الكيميائية ثنائية الاستخدام – وعلى رأسها غاز الكلور الصناعي – وتوظيفها كأدوات حسم ميداني في معارك الخنادق والتحصينات الحضرية.
الغطاء المدني: هندسة التمويه التجاري
تبدأ الرحلة من حقيقة فيزيائية وقانونية بسيطة: غاز الكلور ليس مادة محظورة بذاتها بموجب القوانين التجارية الدولية، فهو عنصر أساسي وعام في صناعات حيوية لا يمكن لأي دولة الاستغناء عنها، لاسيما قطاع تصفية مياه الشرب وتنقيب الذهب وتصنيع المنظفات. من هذه الثغرة التنظيمية، نسجت شبكات المشتريات التابعة لإدارة الأسلحة والذخيرة بوزارة الدفاع السودانية استراتيجية تمويه بالغة التعقيد تعتمد على “واجهات مدنية” لتمرير الشحنات الضخمة دون إثارة رادارات الرقابة الدولية.
وتشير الوثائق الفنية المسربة من المكاتب اللوجستية في الخرطوم إلى أن طلبات الشراء لا تصدر باسم القوات المسلحة أو التصنيع الحربي، بل يتم إسنادها إلى شركات استيراد محلية خاصة أو هيئات تابعة لولاية الخرطوم والولايات الأخرى تحت بند “مستلزمات الطوارئ لإصلاح محطات المياه المتضررة من القتال”. هذه المناورة تمنح الشحنات حصانة أخلاقية وقانونية مبدئية، مما يجعل أي محاولة لتعطيلها من قبل الأطراف الدولية تبدو وكأنها مساهمة في تفاقم الأزمة الإنسانية وحرمان المدنيين من ماء الشرب النقية.
الممرات الإقليمية وشركات الواجهة
لا تتحرك الشحنات مباشرة من المصانع الكبرى إلى ميناء بورتسودان، بل تمر عبر محطات ترانزيت وسيطة في عواصم إقليمية وعالمية لقطع خيوط التتبع العسكري. وتكشف البيانات الملاحية وسجلات التبادل التجاري عن نشاط مكثف لشركات واجهة تم تأسيسها برساميل غامضة في مراكز تجارية حرة بالإقليم، حيث تعمل هذه الكيانات كمشترٍ أول للكلور والغازات الصناعية المسالة من دول مصنّعة كبرى، بما في ذلك شركات آسيوية وهندية خضعت بعض خطوطها اللوجستية مؤخراً لمراقبة دقيقة من قبل جهات دولية.
بعد وصول الشحنات إلى الموانئ الوسيطة، يتم تغيير بوالص الشحن (Bill of Lading) وإعادة تسمية الجهة المستفيدة النهائية (End-User)، لتبحر السفن مجدداً نحو الساحل السوداني. وبمجرد تفريغ الأسطوانات والحاويات في ميناء بورتسودان، تتولى هيئات ومؤسسات مرتبطة بقطاع التصنيع العسكري استلامها مباشرة، ليتم نقلها تحت حراسة مشددة إلى مراكز تجميع مخصصة، بعيداً عن أعين الرقابة المحلية ومفتشي وزارة الصحة أو البيئة.
العقوبات الأمريكية واستهداف شبكات التمويل
هذه الهندسة اللوجستية المعقدة لم تكن بعيدة تماماً عن أعين أجهزة الاستخبارات الغربية. ففي سبتمبر 2026، فرضت وزارة الخزانة الأمريكية حزمة عقوبات متتالية استهدفت بشكل مباشر كيانات وشخصيات متورطة في تسيير هذه الشبكات السرية. العقوبات لم تقتصر على القادة العسكريين، بل طالت شركات واجهة وتنظيمات متخصصة في توريد المتفجرات والمواد الكيميائية والمعدات العسكرية الحساسة التي تخدم المجهود الحربي.
ورغم أن هذه العقوبات جمدت أصولاً مالية وحظرت التعامل مع عدة أسماء بارزة في منظومة المشتريات العسكرية، إلا أن بنية الشبكة أثبتت مرونة عالية؛ إذ تعتمد على خلايا تجارية عنقودية، بمجرد احتراق شركة أو وضعها على قوائم الحظر، يتم نقل الأنشطة والاعتمادات المستندية إلى كيان تجاري جديد مسجل بأسماء مغمورة، مما يضع جهود المراقبة الدولية في حلقة مفرغة من الملاحقة المستمرة.
من البراميل المدنية إلى القذائف الحربية
الخطوة الأكثر خطورة في سلسلة التوريد هذه تقع داخل المنشآت العسكرية السودانية، وتحديداً في مرافق التصنيع الحربي القريبة من مناطق الاشتباك. هناك، تخضع أسطوانات الكلور الصناعي المستوردة لعمليات “تحوير تقني” (Weaponization). يتم نقل الغاز المسال تحت ضغط عالٍ إلى مقذوفات مدفعية مفرغة وقنابل محلية الصنع مصممة للانفجار عند الارتطام، لتتحول المادة التي كانت مخصصة لإنقاذ الحياة عبر التطهير، إلى سلاح يزهق الأرواح بالاختناق وتآكل الأنسجة التنفسية في ساحة المعركة.
إن نجاح الجيش السوداني في الحفاظ على تدفق هذه المواد رغم الحصار الاقتصادي والوضع الدبلوماسي المعقد، يكشف عن ثغرة عميقة في منظومة الرقابة الدولية على المواد ثنائية الاستخدام. ويبقى السؤال الصحفي والإنساني المطروح: إلى متى ستظل التجارة الدولية بغطاءاتها المدنية عاجزة عن منع تحويل الكلور التجاري إلى أداة للموت الصامت في أحياء الخرطوم ومحيط مصفاة الجيلي؟
