سياسة
الانعكاسات السلبية للتقاطع والخصومة القطرية-السعودية على المشهد السوداني
يمتد النفوذ الخليجي في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر كظاهرة جيوسياسية واقتصادية بالغة الأهمية، وتتصدر المملكة العربية السعودية ودولة قطر المشهد في هذا الإطار. ورغم أن البلدين يشتركان في الروابط الثقافية والدينية مع السودان، إلا أن تاريخ العلاقة الخليجية-السودانية شهد تقلبات حادة انعكست سلباً على الاستقرار الداخلي للسودان. إن التداخل بين المصالح الاقتصادية، والأمن القومي، والخصومات السياسية التاريخية بين الرياض والدوحة، قد حول السودان إلى ساحة لتدشين التحالفات وتفكيكها. وقد أسهم هذا الدور المزدوج في إضعاف مؤسسات الدولة السودانية، وتغذية اقتصاد الحرب، وإفشال مسارات الانتقال الديمقراطي، مما يجعل من الضروري تفكيك كيفية تأثير هذا التقاطع والخصومة على تدهور الأوضاع في السودان.
المقاربة السعودية: الأمن الاقتصادي والعمق الاستراتيجي
تنظر المملكة العربية السعودية إلى السودان كعمق استراتيجي يمتد عبر البحر الأحمر، وكشريك محتمل في الأمن الغذائي والاستثمار الزراعي. وقد تجلى الدور السعودي بشكل واضح في استضافة مفاوضات “جدة” بين الأطراف السودانية المتحاربة، بالاشتراك مع الولايات المتحدة. ومع ذلك، فإن السلبية في الدور السعودي تكمن في “أسلمة الأزمة” وتحويلها إلى مسألة أمنية بحتة. فقد تعاملت الرياض مع الأزمة السودانية، خاصة في مراحلها الأولى، من منظور يركز على حماية المصالح السعودية في البحر الأحمر ومكافحة التيارات التي تعتبرها تهديداً لأمنها الإقليمي.
هذا التوجه الأمني أدى إلى إغفال الجذور السياسية والاجتماعية للأزمة السودانية. فقد ركزت مبادرات الرياض على “وقف إطلاق النار” كهدف شكلي، دون معالجة جذرية لمسألة إصلاح قطاع الأمن والعسكر، أو دمج القوى المدنية في عملية صنع القرار. علاوة على ذلك، فإن الاستثمارات السعودية الضخمة الموعودة في السودان غالباً ما تم التلويح بها كـ “جزرة” اقتصادية لإطراف النزاع، مما عزز من اقتصاد الحرب وجعل بعض القادة العسكريين ينظرون إلى الدعم الخارجي كمصدر للثراء الشخصي والنفوذ، بدلاً من خدمة الدولة. كما أن التقارب السعودي مع بعض النخب العسكرية السودانية خلق حالة من عدم التوازن، حيث شعرت قوى سودانية أخرى بأنها مستبعدة، مما غذى الشعور بالغبن ودفعها للبحث عن بدائل خارجية.
المقاربة القطرية: القوة الناعمة والتوظيف السياسي
في المقابل، تعتمد الدوحة في تعاملها مع السودان على أدوات “القوة الناعمة”، والإعلام، والتاريخ الطويل من الدعم المالي والسياسي لتيارات بعينها. تاريخياً، كانت قطر الملاذ الآمن للعديد من القيادات السياسية السودانية، وخاصة من تيار الإسلام السياسي، وهو ما خلق حالة من الاحتقان الدائم مع قطاعات واسعة من الشعب السوداني التي ربطت بين الدوحة وفترات القمع السياسي في السودان.
في السنوات الأخيرة، حاولت قطر إعادة تموضعها كوسيط إنساني وسياسي، مستخدمة شبكاتها الإعلامية وقنواتها الدبلوماسية للتأثير على الرأي العام السوداني وصناع القرار. لكن السلبية هنا تكمن في “توظيف الأزمة إعلامياً وسياسياً”. فقد استخدمت بعض الأذرع القطرية لتلميع صورة أطراف معينة، أو لتوجيه الرواية حول الحرب بما يخدم المصالح القطرية في المنطقة. هذا التوظيف الإعلامي خلق حالة من “الانقسام المعرفي” داخل المجتمع السوداني، حيث أصبح كل طرف يصدق الرواية التي تخدمه وتبثها شبكات الإعلام المرتبطة بالدوحة، مما عمق من فجوة الكراهية بين مكونات الشعب السوداني وجعل المصالحة الوطنية أكثر صعوبة.
خصومة خفية وتأثيرها على المسار السوداني
رغم محاولات المصالحة الخليجية (مثل إعلان العلا)، إلا أن التنافس الخفي بين الرياض والدوحة لا يزال ينعكس على الساحة السودانية. ففي الوقت الذي تسعى فيه الرياض لفرض هيمنتها على الملف الأمني والسياسي السوداني عبر منصة جدة، تسعى الدوحة إلى خلق مسارات موازية، أو إلى التأثير من خلال المنظمات الدولية والوكالات الإنسانية. هذا “التنازع على الوصاية” أدى إلى تشتت الجهود الدولية والإقليمية.
فعندما تطرح الرياض رؤية لحل سياسي، تأتي التصريحات أو المواقف القطرية أحياناً لتعقد هذه الرؤية أو تشكك في نواياها، والعكس صحيح. هذا الانقسام الخليجي أعطى للأطراف السودانية المتحاربة “مساحات للمناورة” (Hedging)، حيث يمكن لكل طرف سوداني أن يلوّح بالانحياز إلى المحور القطري إذا ضاق به الخناق في المحور السعودي، أو العكس. هذه المناورات أطالت أمد الحرب، لأن كل طرف كان يعتقد أنه يمتلك ظهيراً خارجياً يمكنه من تحقيق النصر العسكري، بدلاً من الجلوس إلى طاولة compromis حقيقي.
التأثير على الاقتصاد والمجتمع السوداني
لم يقتصر الضرر على المستوى السياسي، بل امتد إلى النسيج الاقتصادي والاجتماعي. فالاستثمارات القطرية والسعودية في السودان، سواء كانت حقيقية أو وعوداً، غالباً ما تمت عبر اتفاقيات ثنائية مع النخب الحاكمة أو المتحاربة، بعيداً عن شفافية الموازنة العامة للدولة. هذا النهج عزز من الفساد، وجعل الموارد السودانية (مثل الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية) تُستغل لصالح شركات مرتبطة بالنخب الحاكمة في البلدين، دون أن يلمس المواطن السوداني العائد من هذه الاستثمارات.
علاوة على ذلك، فإن استخدام “المساعدات الإنسانية” كورقة ضغط من قبل كلا البلدين (عبر المنظمات القطرية أو البرامج السعودية) خلق حالة من “التبعية المزمنة” للمجتمع السوداني. لقد تم توظيف المساعدات أحياناً لتهدئة مناطق معينة أو معاقبة مناطق أخرى توالي أطرافاً غير مرغوب فيها، مما حول المعاناة الإنسانية إلى أداة للابتزاز السياسي.
إن التقاطع والخصومة بين الدورين السعودي والقطري في السودان يمثلان نموذجاً كلاسيكياً لكيفية تحويل الدول الصغيرة أو الهشة إلى ساحة لتجاذبات الدول الكبرى. إن التركيز السعودي على الأمن والاستثمار النخبوي، والتوظيف القطري للإعلام والقوة الناعمة والتاريخ السياسي، كلاهما أسهم في تآكل مؤسسات الدولة السودانية. ولأن السودان يحتاج إلى وقفة صادقة من الأشقاء في الخليج، فإن المطلوب هو التخلي عن النظرة الدونية للسودان كـ “مزرعة” أو “قاعدة عسكرية”، والانتقال إلى شراكة حقيقية تحترم إرادة الشعب السوداني وتدعم انتقاله الديمقراطي دون شروط مجحفة أو توظيفات إقليمية.
