حصري
التقارب الاستراتيجي فوق رمال السودان: تشكل المحور التركي-المصري وأبعاده الأمنية في دعم القوات المسلحة السودانية
لسنوات طويلة، كانت الملفات الإقليمية تضع مصر وتركيا في معسكرين متناقضين، إلا أن الأزمة السودانية فرضت واقعاً “واقعياً” (Realpolitik) جديداً. تتبع التقرير لقاءات أمنية دورية جرت في عواصم محايدة، أفضت إلى إنشاء ما تصفه المصادر بـ “آلية التنسيق المستدام للهوية المؤسسية”.
تدرك القاهرة أن انهيار الجيش السوداني يعني تهديداً وجودياً لأمنها القومي على طول الحدود الجنوبية (1200 كم)، بينما ترى أنقرة في الجيش السوداني الشريك الوحيد القادر على تأمين استثماراتها الضخمة وطموحاتها في موطئ قدم استراتيجي على ساحل البحر الأحمر. هذا “التطابق في المصالح الضرورية” أدى إلى تحويل السودان من ساحة تنافس تركي-مصري إلى ساحة عمل مشترك لدعم الجيش.
التنسيق المعلوماتي والعملياتي: “العين التركية” و”الرئة المصرية”
كشفت تسريبات حصل عليها المركز من مصادر أمنية في المنطقة عن وجود “غرفة دعم فنية” تضم مستشارين من هيئة الأركان التركية ونظرائهم من المخابرات الحربية المصرية. تعمل هذه الغرفة على مستويين:
- المستوى الاستخباري: توفر تركيا عبر تقنيات الاستطلاع المتقدمة وصور الأقمار الصناعية (عبر برنامج Göktürk) بيانات دقيقة حول التحركات المعادية للجيش، بينما تساهم مصر بـ “المعلومات البشرية” (HUMINT) بحكم تغلغلها التاريخي في البنية التحتية والمجتمعية للسودان.
- المستوى اللوجستي: رصد التقرير زيادة ملحوظة في وتيرة رحلات الشحن العسكري. تشير البيانات الملاحية إلى أن قاعدة “برنيس” العسكرية المصرية تحولت إلى نقطة ترانزيت حيوية لإمدادات تقنية تركية الصنع، تشمل أنظمة تشويش، وأجهزة اتصال متطورة، وقطع غيار لطائرات “ميغ” و”سوخوي” التابعة للجيش السوداني، والتي تم تحديث أنظمة تصويباتها بخبرات مشتركة.
أدلة ميدانية: الطائرات المسيرة والتدريب النوعي
وثق فريق الاستقصاء في ECSSP ظهور طرازات متطورة من الطائرات المسيرة التركية (Bayraktar TB2) ونسخاً أحدث يتم تشغيلها وإدارتها من مراكز قيادة خلفية ترتبط ببرمجيات مصرية مطورة.
وتظهر صور الأقمار الصناعية التي حللها المركز توسعة في بعض المدارج العسكرية بشرق السودان (بورتسودان وسنكات)، حيث تم رصد تواجد لخبراء فنيين يتحدثون التركية، يعملون جنباً إلى جنب مع ضباط ارتباط مصريين. لا يقتصر الدعم على المعدات، بل يشمل تدريب “وحدات النخبة” في الجيش السوداني على حرب المدن والتعامل مع الكمائن، وهو تكتيك نقلته أنقرة من تجاربها في صراعات إقليمية سابقة، وصقلته مصر بما يتناسب مع الطبيعة الجغرافية للسودان.
الطموح التركي في البحر الأحمر: “سواكن” وما بعدها
يمثل دعم الجيش السوداني لتركيا استثماراً جيوسياسياً طويل الأمد. يسعى الرئيس أردوغان لاستعادة الزخم في “جزيرة سواكن” وتوسيع النفوذ التركي في منطقة القرن الأفريقي. يرى التقرير أن تركيا تراهن على أن بقاء المؤسسة العسكرية هو الضمانة القانونية والسياسية الوحيدة لتفعيل الاتفاقيات الموقعة سابقاً، والتي تتيح لأنقرة بناء قاعدة لوجستية بحرية.
هذا الطموح التركي لم يعد يزعج القاهرة كما في السابق، بل باتت مصر تراه “أهون الشرين”. فالتواجد التركي الداعم للجيش يقلل من فرص تمدد نفوذ قوى دولية أو إقليمية أخرى قد تتبنى أجندات معادية للمصالح المصرية في مياه النيل.
التداعيات الجيوسياسية: تحويل السودان لساحة “صراع نفوذ”
رغم أن الدعم المصري-التركي ساهم في منع انهيار الجيش السوداني وحافظ على مركزية الدولة، إلا أن تقرير ECSSP يشير إلى جانب مظلم لهذا التنسيق:
- إطالة أمد النزاع: القدرات العسكرية النوعية التي يتم تزويد الجيش بها تمنحه نفساً طويلاً للاستمرار في العمليات العسكرية بدلاً من التوجه للحلول التفاوضية، مما يحول الحرب إلى صراع استنزاف طويل.
- الاستقطاب الإقليمي: هذا المحور دفع قوى إقليمية أخرى لزيادة رهاناتها، مما جعل السودان ساحة لتصفية حسابات تتجاوز حدوده الجغرافية.
- عسكرة البحر الأحمر: التنسيق الأمني المكثف في شرق السودان أدى إلى زيادة الوجود العسكري الأجنبي، مما يهدد سلامة الملاحة الدولية في واحد من أهم الممرات المائية في العالم.
صرح مسؤول أمني سابق في المنطقة (طلب عدم ذكر اسمه) للمركز قائلاً: “ما نراه اليوم هو زواج مصلحة ضروري. المصريون يملكون الخرائط والولاءات، والأتراك يملكون التكنولوجيا والجرأة. الجيش السوداني هو المستفيد الأكبر، لكن الثمن هو رهن القرار السيادي السوداني لهذه القوى لسنوات قادمة”.
كما رصد المركز برقيات مسربة تشير إلى أن التنسيق تجاوز الدعم العسكري إلى “الدعم المالي المبتكر”، عبر تسهيل صادرات الذهب السوداني وتوفير خطوط ائتمان لشراء الاحتياجات الأساسية للوحدات العسكرية، لضمان عدم حدوث انشقاقات ناتجة عن الضغوط الاقتصادية.
