إقتصاد

الحرب الإقليمية تعمّق الأزمة المالية في العراق


أقر المتحدث باسم الحكومة العراقية حيدر العبودي ليل الخميس، بوجود أزمة مالية حقيقية تمر بها البلاد، موضحا أن المتطلبات الشهرية كبيرة جداً، وآلية صرف الرواتب لن تكون كما في السابق، لاسيما مع استمرار تداعيات إغلاق مضيق هرمز على الصادرات، في إشارة تعكس حجم الضغوط التي تتعرض لها الخزينة العامة.

وتعتمد الموازنة العراقية بصورة شبه كاملة على العائدات النفطية، لذلك مع تراجع الامدادات بسبب إغلاق مضيق هرمز باتت الحكومة تواجه تحدياً غير مسبوق في تأمين السيولة اللازمة لدفع رواتب ملايين الموظفين والمتقاعدين، في وقت تتراجع فيه الإيرادات وتتزايد الالتزامات المالية.

وأكد العبودي خلال حوار تلفزيوني، أنه “سيكون هناك تأخير في الرواتب حتى تكتمل المبالغ وتوزع بالطريقة التي تتولاها وزارة المالية، وهل نحن في أزمة؟ نعم نحن في أزمة”.

وسبق أن كشف وزير الصحة، عبد الحسين الموسوي، عن أزمة مالية خانقة تعصف بقطاع الصحة، مؤكداً “فلوس ماكو” وأن الحكومة يتركز همها الأساسي من الأول إلى نهاية الشهر على تأمين الرواتب.

وأوضح الموسوي أن البنى التحتية للمستشفيات “تعبانة”، وأن شركة “كيماديا” أوقفت توريد الأدوية المتعاقد عليها مع العراق بسبب المستحقات المالية المتراكمة.

ويعتمد العراق على النفط في أكثر من 90 بالمئة من إيرادات الدولة، فيما تشكل الرواتب والأجور والحماية الاجتماعية النسبة الأكبر من الإنفاق الحكومي. ولذلك فإن أي اضطراب في تصدير النفط أو انخفاض في الإيرادات ينعكس مباشرة على قدرة الحكومة في الإيفاء بالتزاماتها الشهرية.

ورغم أن جزءاً كبيراً من صادرات العراق يتم عبر الموانئ الجنوبية في البصرة، فإن إغلاق مضيق هرمز يعرقل حركة ناقلات النفط القادمة من الخليج، ويؤثر على عمليات الشحن والتأمين البحري، كما يرفع تكاليف النقل ويؤخر وصول الشحنات إلى الأسواق العالمية.
ولا تقتصر آثار الأزمة على توقف أو تراجع الصادرات النفطية، بل تمتد إلى ارتفاع تكاليف الاستيراد، إذ يعتمد العراق على استيراد معظم احتياجاته الغذائية والدوائية والصناعية عبر الموانئ الخليجية.

ومع ارتفاع أسعار التأمين والشحن البحري بسبب المخاطر العسكرية، تتزايد الضغوط على الموازنة العامة، بينما ترتفع أسعار السلع داخل السوق العراقية، ما يضاعف الأعباء على المواطنين.

وحمل القيادي في ائتلاف الإعمار والتنمية، عدنان الدنبوس، الخميس ما أسماهم بـ”زعماء الصدفة”، الذين حكموا العراق بعد عام 2003، مسؤولية ما تمر به البلاد اليوم من ضائقة مالية وصعوبة في تأمين الرواتب نتيجة إغلاق مضيق هرمز، إذ يرى الدنبوس أن “زعماء الصدفة” لم يأخذوا بعين الاعتبار تنويع الواردات العراقية غير النفطية، والاعتماد على النفط بوصفه المصدر الأساسي للإيرادات.

 كما عبر الدنبوس، عن عتبه الشديد على “الجارة إيران”، لعدم سماحها للنفط العراقي بالمرور عبر مضيق هرمز، ومساهمتها في “خنق العراق اقتصادياً”، مشيراً إلى أن العراق يعاني منذ قرون بسبب موقعه الجغرافي.

بدوره، كشف وزير المالية العراقي فالح الساري الخميس، عن وجود عجز مالي حقيقي يعرقل استكمال صرف رواتب الموظفين والمتقاعدين ومستفيدي الرعاية الاجتماعية، مشيراً إلى أن إجمالي الالتزامات الشهرية للرواتب يبلغ نحو 7 تريليونات و800 مليار دينار أي حوالي 5.95 مليار دولار أميركي (الدولار الأميركي =1304 دينار عراقي).

وأوضح الساري، خلال مناقشات مع النائب عن “اشراقة كانون” حيدر المطيري، تناولت عدداً من الملفات المالية والاقتصادية، أن وزارة المالية صرفت خلال الأيام الماضية نحو 3 تريليونات دينار لعدد من الوزارات، فيما تتوافر حالياً سيولة تقدر بنحو تريليون ونصف التريليون دينار، تعمل الوزارة على زيادتها إلى تريليون و650 مليار دينار، تمهيداً لإطلاق رواتب المتقاعدين.

وأضاف أن الوزارة ستواصل العمل على تأمين الموارد المالية اللازمة لصرف رواتب بقية الوزارات والمؤسسات، في ظل عجز يُقدّر بنحو 3 تريليونات و300 مليار دينار.

واعتمد العراق خلال السنوات الأخيرة على موازنات توسعية تضمنت زيادة كبيرة في التوظيف الحكومي والإنفاق الاجتماعي، مستفيداً من ارتفاع أسعار النفط. لكن هذه السياسة جعلت المالية العامة أكثر هشاشة أمام أي صدمة في سوق الطاقة، إذ أصبحت الرواتب والإنفاق التشغيلي يستهلكان معظم الإيرادات، بينما تقل مساحة المناورة المالية في حالات الطوارئ.

ولا تمثل أزمة الرواتب تحدياً اقتصادياً فقط، بل تحمل أبعاداً سياسية واجتماعية واسعة، إذ يرتبط الاستقرار الداخلي في العراق إلى حد كبير بانتظام صرف رواتب أكثر من سبعة ملايين موظف ومتقاعد ومستفيد من الرعاية الاجتماعية. وأي تأخير طويل قد يفتح الباب أمام احتجاجات شعبية جديدة، خصوصاً مع ارتفاع معدلات البطالة والتضخم وتراجع القدرة الشرائية.

زر الذهاب إلى الأعلى