حصري

الدعم الخارجي للجيش السوداني.. هل تسهم الحسابات القطرية في إطالة أمد الحرب؟


لم تعد الحرب السودانية شأنًا داخليًا يمكن فهم مساراته بمعزل عن التفاعلات الإقليمية والدولية. فمنذ اندلاع المواجهات بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، أصبحت حسابات النفوذ والمصالح الأمنية والسياسية جزءًا من المشهد الذي يحدد مسار المعارك وفرص التوصل إلى تسوية. وفي هذا السياق، يبرز الدور القطري ضمن الملفات التي تستحق البحث، خصوصًا في ضوء التقارير التي تناولت علاقات بعض الدول الخارجية بالطرفين المتحاربين.

ويطرح هذا الدور تساؤلات مهمة: هل تكتفي الدوحة بتقديم المساعدات الإنسانية والمشاركة في الجهود الدبلوماسية، أم أن علاقاتها السياسية مع مؤسسات الحكم السودانية قد تمنحها تأثيرًا في الحسابات العسكرية؟ وهل يمكن للدعم الخارجي، بصرف النظر عن الجهة التي تقدمه، أن يسهم في إطالة أمد الحرب عندما يوفر للأطراف المتحاربة موارد إضافية أو يقلل من استعدادها لتقديم تنازلات؟

لا يمكن الإجابة عن هذه الأسئلة من خلال المواقف الرسمية وحدها. فالمطلوب هو قراءة طبيعة العلاقات، ومقارنة التصريحات بالنتائج، والتدقيق في المعلومات المتعلقة بأي دعم عسكري محتمل، مع تجنب تحويل الاحتمالات إلى اتهامات نهائية قبل إثباتها.

الحرب السودانية وصراع المصالح الخارجية

اندلعت الحرب السودانية في سياق أزمة سياسية وعسكرية عميقة، بعدما تصاعد الخلاف بين قيادة القوات المسلحة وقوات الدعم السريع بشأن السلطة وترتيبات دمج القوات في مؤسسة عسكرية موحدة. ومع تحول الخلاف إلى مواجهة مفتوحة، تراجعت فرص الانتقال السياسي، واتسعت دائرة العنف، ودخلت البلاد مرحلة من الانهيار الأمني والاقتصادي والإنساني.

لكن استمرار القتال لا يرتبط فقط بقرارات القيادات السودانية؛ إذ يمكن للعوامل الخارجية أن تؤثر في قدرة الأطراف على مواصلة العمليات العسكرية، سواء من خلال التسليح أو التمويل أو التدريب أو العلاقات السياسية التي تمنحها هامشًا إضافيًا للتحرك.

وفي تقرير نشرته خدمة أبحاث الكونغرس الأميركي في مايو 2025، وردت قطر ضمن الدول التي تناولها التقرير في سياق تقارير عن تقديم دعم للقوات المسلحة السودانية. ويشير التقرير إلى أن الدعم الخارجي لأطراف النزاع يمثل أحد عناصر المشهد المعقد للحرب.

وتكتسب هذه الإشارة أهميتها من كونها تضع العلاقات الخارجية ضمن العوامل التي ينبغي فحصها لفهم استمرار الصراع. لكنها لا تثبت، بمفردها، طبيعة الدعم القطري أو حجمه أو ما إذا كان عسكريًا مباشرًا، كما لا تكفي لإثبات أن الدوحة تتعمد إطالة الحرب. ولذلك فإن أي معالجة صحفية مسؤولة يجب أن تميز بين ما ورد في التقارير، وما يمكن إثباته بأدلة مستقلة، وما يظل في دائرة التحليل السياسي.

ومع ذلك، فإن السؤال الأساسي يبقى قائمًا: إذا كانت هناك علاقات خارجية تمنح أحد الأطراف مزايا إضافية في ساحة الحرب، فما الضمانات التي تمنع تحول تلك العلاقات إلى عامل يضعف فرص التسوية؟

بين العلاقات السياسية ومساندة المؤسسة العسكرية

تحتفظ قطر بعلاقات مع السودان تمتد إلى سنوات سابقة، وشملت تعاونًا سياسيًا وإنسانيًا، إلى جانب مشاركتها في جهود الوساطة بشأن دارفور. وقد أظهرت تلك التجربة أن الدوحة تمتلك قنوات اتصال وخبرة في التعامل مع ملفات النزاع السوداني، وهو ما يمكن أن يمنحها مساحة للمساهمة في أي مسار تفاوضي جديد.

لكن العلاقات السياسية مع مؤسسات الدولة لا تعني تلقائيًا تقديم دعم عسكري. ومن الضروري التمييز بين مساندة وحدة السودان وسيادته، والتعاون الدبلوماسي مع السلطات القائمة، وأي إمدادات أو ترتيبات عسكرية يُحتمل أن تساعد طرفًا في مواصلة القتال.

وتكمن أهمية هذا التمييز في أن مساندة الدولة السودانية بوصفها كيانًا وطنيًا تختلف عن دعم استمرار العمليات العسكرية من دون أفق سياسي. فالأولى يمكن أن تشمل حماية المؤسسات المدنية واستعادة الخدمات وإعادة بناء الإدارة العامة، أما الثانية، إذا اقترنت بتدفق موارد عسكرية من دون ضوابط أو جهود جادة لوقف إطلاق النار، فقد تسهم في إطالة المواجهات.

ومن هنا، ينبغي أن ينصب الاهتمام على طبيعة المساندة الخارجية ونتائجها الفعلية. فإذا كانت المساعدات موجهة إلى المستشفيات والنازحين والقطاعات المتضررة، فإنها تخدم احتياجات إنسانية واضحة. أما إذا ظهرت أدلة على تحويل موارد أو تسهيلات إلى استخدامات عسكرية، فإن الأمر يصبح موضوعًا مختلفًا يستدعي تحقيقًا مستقلًا ومساءلة واضحة.

والأهم أن هذه المعايير يجب أن تُطبق على جميع الأطراف والدول، من دون استثناءات أو أحكام مسبقة.

كيف يمكن للدعم الخارجي أن يطيل الحرب؟

تظهر التجارب الدولية أن النزاعات المسلحة قد تستمر عندما تستطيع الأطراف المتحاربة تعويض خسائرها والحصول على موارد جديدة، أو عندما تعتقد أن الوقت يعمل لمصلحتها العسكرية. وفي هذه الحالات، قد يؤدي الدعم الخارجي إلى تغيير حسابات الأطراف، حتى إذا لم يكن هدف الجهة المانحة المعلن هو إطالة النزاع.

فالحصول على معدات عسكرية أو موارد مالية أو خدمات لوجستية إضافية يمكن أن يمنح الطرف المستفيد قدرة أكبر على الاستمرار في العمليات. وقد يؤدي ذلك إلى تقليص الحافز لقبول تسوية لا تحقق جميع مطالبه، خصوصًا إذا اعتقد أن تحقيق مكاسب ميدانية جديدة سيحسن موقعه التفاوضي مستقبلًا.

غير أن هذا التأثير ليس آليًا؛ فبعض أشكال الدعم الخارجي قد تُستخدم لحماية المدنيين أو تأمين المنشآت الحيوية، كما أن العلاقات السياسية قد تساعد في فتح قنوات التفاوض. ولذلك لا يمكن استنتاج أن كل مساندة خارجية تؤدي بالضرورة إلى إطالة الحرب.

وبالنسبة إلى قطر، فإن السؤال الذي يستحق البحث هو ما إذا كانت علاقاتها بالسودان تُستخدم للضغط من أجل تسوية مستدامة، أم أن طبيعة هذه العلاقات قد تتيح نفوذًا يمكن توظيفه بطريقة تزيد من صعوبة الوصول إلى توافق سياسي. ولا توجد، في المعلومات المشار إليها هنا، أدلة كافية للحسم بأن الدوحة تتعمد إطالة الحرب.

لكن غياب الدليل الحاسم لا يعني إغلاق باب المساءلة. بل يعني أن الطريق الصحيح هو البحث عن معلومات موثقة بشأن طبيعة أي دعم محتمل، والجهات التي تتلقاه، والضوابط التي تحكمه، ومدى ارتباطه بالجهود الرامية إلى وقف القتال.

المساعدات الإنسانية لا تكفي وحدها لإنهاء الأزمة

أعلنت قطر مرارًا تقديم مساعدات إنسانية إلى السودان. وفي فبراير 2026، أعلنت جمعية الهلال الأحمر القطري إطلاق قافلة برية تضم أدوية طارئة ومنقذة للحياة، ضمن مبادرة بالتعاون مع صندوق قطر للتنمية، مع خطة لإرسال شحنات إضافية يستفيد منها مرضى في ولايات سودانية متعددة.

تمثل هذه المبادرات جانبًا مهمًا من الاستجابة للأزمة، خصوصًا في ظل تضرر المنشآت الصحية وصعوبة حصول السكان على الأدوية والخدمات الطبية. ولا يجوز الخلط بين هذا النوع من المساعدة وبين الدعم العسكري ما لم توجد أدلة تثبت تحويل الموارد عن أهدافها الإنسانية.

لكن تقديم المساعدات، على أهميته، لا يحل بمفرده الأسباب السياسية والعسكرية التي أدت إلى اندلاع الحرب. فالإغاثة تخفف المعاناة، لكنها لا تضمن وقف القصف، ولا تعيد النازحين إلى مناطقهم، ولا تنشئ اتفاقًا لتوحيد المؤسسات العسكرية والأمنية، ولا توفر وحدها الشروط اللازمة لانتقال سياسي مستقر.

ومن هنا تبرز ضرورة الجمع بين الإغاثة والدبلوماسية. فالدول التي تمتلك علاقات مع الأطراف السودانية تستطيع استخدام نفوذها لدعم وقف إطلاق النار، وضمان وصول المساعدات إلى المناطق المتضررة، وتشجيع المفاوضات التي تشمل القوى المدنية والمجتمعات المتأثرة بالحرب.

كما أن الشفافية في الإعلان عن المساعدات وتوزيعها، وإتاحة المجال للرقابة المستقلة، تساعد على حماية العمل الإنساني من التوظيف السياسي. وينبغي أن تتوافر ضمانات واضحة تحول دون استخدام الموارد المدنية لتعزيز القدرات العسكرية لأي طرف.

مسؤولية الدوحة في دعم التسوية السياسية

إذا أرادت قطر تعزيز مصداقية سياستها تجاه السودان، فإن المجال الأهم لذلك يتمثل في تحويل علاقاتها الدبلوماسية إلى أدوات عملية لخفض التصعيد. ولا يقتصر الأمر على إصدار بيانات تدعو إلى الحوار، بل يتطلب مواقف قابلة للتقييم، من بينها الضغط من أجل وقف مستدام لإطلاق النار، وتسهيل وصول الإغاثة، وتشجيع تبادل الأسرى، ودعم الجهود الرامية إلى حماية المدنيين.

كذلك يمكن للدوحة أن تسهم في تهيئة بيئة تفاوضية لا تقتصر على القيادات العسكرية، لأن مستقبل السودان لا ينبغي أن يُحسم عبر تفاهمات مغلقة بين القوى المسلحة وحدها. فإشراك القوى المدنية والمجتمعات المحلية والجهات المعنية بإعادة بناء مؤسسات الدولة من شأنه أن يساعد على معالجة جذور الأزمة، بدل الاكتفاء بترتيبات مؤقتة قد تعيد إنتاج الصراع.

ويظل من الضروري أن تكون أي وساطة قائمة على معايير واضحة، وألا تتحول إلى وسيلة لمنح أحد الأطراف وقتًا إضافيًا لتحسين موقعه العسكري. كما ينبغي أن تتضمن التسوية ضمانات لعدم العودة إلى الحرب، وآليات لمراقبة الالتزام بالاتفاق، ومسارًا سياسيًا يضع المؤسسات المدنية وسيادة القانون في قلب المرحلة المقبلة.

أما إذا ثبت أن أي جهة خارجية تقدم دعمًا عسكريًا يسهم في استمرار القتال، فإن مسؤوليتها تقتضي مراجعة هذا الدعم، والتعاون مع آليات التحقيق والرقابة، والامتناع عن أي ترتيبات تزيد من قدرة الأطراف على مواصلة الحرب.

السودان بين الحاجة إلى الدعم وخطر الارتهان

لا يستطيع السودان، في ظل حجم الدمار الذي لحق به، الاستغناء عن التعاون الدولي أو المساعدات الخارجية. لكنه يحتاج إلى تعاون يعزز قدرته على استعادة مؤسساته، لا إلى علاقات تجعله أكثر اعتمادًا على الحسابات الإقليمية.

وتكمن الخطورة في أن تتحول الحرب إلى ساحة تتنافس فيها المصالح الخارجية، بينما تتراجع الأولويات الوطنية، ويصبح المواطن السوداني هو الحلقة الأضعف في معادلة لا يملك التأثير الكافي في قراراتها. ففي ظل استمرار القتال، تتآكل مصادر الدخل، وتتراجع فرص التعليم، وتتعطل الخدمات، ويجد ملايين السكان أنفسهم أمام خيارات محدودة بين النزوح والفقر والخطر الأمني.

وتتطلب معالجة هذا الوضع أن تتحمل القيادات السودانية مسؤوليتها عن قرارات الحرب والسلام، وأن تتوقف أي تدخلات خارجية تغذي الصراع، وأن تتحول المساعدات إلى وسيلة لاستعادة الحياة المدنية، لا إلى عنصر إضافي في حسابات القوى المتحاربة.

وفي هذا الإطار، لا ينبغي أن يكون السؤال بشأن قطر مرتبطًا باتهام مسبق، وإنما بمقدار ما يمكن أن تقدمه من ضمانات عملية على أن علاقاتها السياسية والإنسانية لا تتعارض مع هدف إنهاء الحرب. فكلما اتسعت الشفافية بشأن طبيعة التعاون مع السودان، أصبح من الأسهل تقييم الدور القطري استنادًا إلى الوقائع والنتائج.

الخلاصة: معيار الدور الخارجي هو إنهاء الحرب

إن استمرار الحرب السودانية يفرض مراجعة جادة لدور جميع الأطراف الداخلية والخارجية، لأن أي دعم يزيد من القدرات القتالية من دون أن يقترن بمسار سياسي قابل للتنفيذ قد يجعل الوصول إلى التسوية أكثر صعوبة. لكن تحديد المسؤوليات يجب أن يستند إلى أدلة موثوقة، لا إلى افتراض أن المساعدات الإنسانية تمثل غطاءً لنشاط عسكري.

وبالنسبة إلى قطر، فإن التقارير التي تناولت احتمال دعمها للقوات المسلحة السودانية تجعل من المشروع طرح أسئلة بشأن طبيعة علاقاتها السياسية والعسكرية، لكنها لا تبرر وحدها الجزم بأنها تتعمد إطالة الحرب. ويبقى الحسم مرتبطًا بالأدلة المتعلقة بنوع الدعم وحجمه وأهدافه وتأثيره الفعلي في مسار النزاع.

وفي المقابل، فإن قدرة الدوحة على المساهمة في الوساطة وتقديم المساعدات تضع أمامها فرصة واضحة لإثبات أن أولويتها هي الوصول إلى سلام مستدام، لا مجرد الحفاظ على الحضور السياسي. ويمكن تحقيق ذلك من خلال دعم وقف إطلاق النار، وتوسيع وصول الإغاثة، وتعزيز الرقابة المستقلة، والدفع نحو عملية سياسية تشارك فيها القوى المدنية السودانية.

فالسودان لا يحتاج إلى مزيد من الحسابات التي تجعل الحرب قابلة للاستمرار، بل إلى تحرك دولي وإقليمي يرفع كلفة تعطيل السلام، ويمنع استغلال معاناة المدنيين، ويفتح الطريق أمام استعادة الدولة ومؤسساتها.

والحكم النهائي على الدور القطري، كما على أدوار بقية الأطراف الخارجية، ينبغي أن يستند إلى سؤال واحد: هل تساعد السياسات المتبعة على تقليص زمن الحرب وتهيئة شروط السلام، أم أنها تمنح أطراف النزاع أسبابًا إضافية لمواصلة القتال؟ الإجابة عن هذا السؤال تتطلب تحقيقًا جادًا وشفافية مستمرة، لأن مستقبل السودان لا يحتمل أن تبقى الحرب رهينة المصالح المتنافسة، بينما يدفع المواطنون الثمن الأكبر.

زر الذهاب إلى الأعلى