بؤر استيطانية تتمدد وعنف يتصاعد.. كيف أعادت حكومة نتنياهو تشكيل خريطة الضفة الغربية؟
من مساكن مؤقتة أُقيمت على تلة إلى مستوطنة تحظى باعتراف الحكومة الإسرائيلية، تلخص “إيش كودش” مساراً أوسع يعيد تشكيل الضفة الغربية؛ إذ يتزامن تمدد البؤر الاستيطانية مع تصاعد الاعتداءات على الفلسطينيين، في تغييرات قد يستمر أثرها بعد رحيل الحكومة التي أقرتها.
وبحسب تحقيق لشبكة “سي إن إن”، تأسست البؤرة عام 2000 بصورة مخالفة للقانونين الإسرائيلي والدولي، ثم اتسعت تدريجياً، في حين تحولت إلى منطلق لاعتداءات استهدفت قريتي قصرة وجالود المجاورتين.
وفي ديسمبر/كانون الأول 2025، أقرت الحكومة الإسرائيلية وضعها بأثر رجعي، واحتفل وزير المالية بتسلئيل سموتريتش بالخطوة مع سكانها. لكن الاعتداءات على القرى المحيطة تصاعدت لاحقاً، وظهرت بؤر جديدة قرب المستوطنة.
توسع بوتيرة متسارعة
ولا تمثل “إيش كودش” حالة منفردة؛ فوفق البيانات التي يعرضها التحقيق، أُنشئت 267 بؤرة أو مستوطنة إضافية منذ تشكيل حكومة بنيامين نتنياهو في ديسمبر/كانون الأول 2022، فيما أقرت الحكومة وضع 104 مستوطنات.
ويشير التحقيق إلى أن وتيرة التوسع زادت عشرة أضعاف مقارنة بالمتوسط السنوي خلال الفترة بين عامي 1967 و2022، حين أُقيمت أكثر من 320 مستوطنة وبؤرة.

ومع الانتشار الجغرافي، اتسع نطاق العنف.
ووفق مشروع بيانات مواقع النزاع المسلح وأحداثه “أكليد”، وقعت 49% من حوادث عنف المستوطنين خلال العام الجاري ضمن مسافة ثلاثة كيلومترات من بؤر زراعية أُنشئت هذا العام.
وشملت الاعتداءات مهاجمة المزارعين والرعاة، وتدمير أشجار الزيتون، ونهب المحاصيل والماشية. ومنذ بدء موسم قطف الزيتون في 27 سبتمبر/أيلول، وثقت منظمة “يش دين” الحقوقية الإسرائيلية أكثر من 530 حادثة مرتبطة بعنف المستوطنين والجنود.
سلطة إدارية تدعم التمدد
ويربط التحقيق هذا التوسع بإعادة توزيع الصلاحيات داخل المؤسسات الإسرائيلية، خصوصاً منح سموتريتش، إلى جانب وزارة المالية، منصباً وزارياً داخل وزارة الدفاع يتيح له الإشراف على جوانب أساسية من إدارة الضفة.
وبموجب هذه الترتيبات، انتقلت صلاحيات إدارية وقانونية من قيادات عسكرية إلى موظفين مدنيين داعمين للاستيطان.
وتزامن ذلك، بحسب التحقيق، مع تراجع ملاحقة البناء غير المرخص للمستوطنين وتصاعد هدم المنازل الفلسطينية وتجريف المزارع.
أما وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، المسؤول عن الشرطة، فسهّل امتلاك المدنيين الإسرائيليين الأسلحة، وقاد توزيع عشرات الآلاف من البنادق على المستوطنين وفرق الأمن المدنية، بدعوى منع تكرار هجمات السابع من أكتوبر/تشرين الأول.
ومن جهته، أنهى وزير الدفاع يسرائيل كاتس استخدام الاعتقال الإداري بحق المستوطنين اليهود، في حين استمر تطبيقه على الفلسطينيين.
ويشير التحقيق إلى مطالبات داخل الجيش بإعادة تفعيل هذا الإجراء ضد المستوطنين مع تصاعد الاعتداءات.

في المقابل، يصف نتنياهو مرتكبي الاعتداءات بأنهم أقلية متطرفة، في حين يشير التحقيق إلى أن العنف كثيراً ما مهّد لتوسع البؤر التي تحركت حكومته لاحقاً لإقرار وضعها.
تغييرات تتجاوز الانتخابات
ومع اقتراب انتخابات 27 أكتوبر/تشرين الأول، تتجاوز تداعيات هذه السياسات حسابات بقاء الحكومة؛ فالمستوطنات والطرق والصلاحيات المستحدثة تترك آثاراً طويلة الأمد، وتزيد صعوبة إقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافياً.
ويلخص سموتريتش هذا التوجه بتصريح أدلى به في أغسطس/آب 2025، قائلاً: “هم سيتحدثون عن حلم فلسطيني، أما نحن فسنواصل بناء واقع يهودي. وهذا الواقع هو الذي سيقضي نهائياً على فكرة قيام دولة فلسطينية”.
