بدعم حملة الزيدي.. الصدر يكسر الغياب ويعود إلى المشهد
دعا زعيم التيار الوطني الشيعي، الصدري سابقا، خلال خطبة موحدة أُقيمت في بغداد وعدد من المحافظات اليوم الجمعة، أنصاره إلى تنظيم وقفات سلمية دعماً لحملة رئيس الوزراء علي فالح الزيدي ضد الفساد، مؤكدا أن “الإجراءات الأخيرة أرعبت الكثيرين”، محذرا في الآن نفسه من محاولات التأثير على الحكومة بعد حملة المداهمات والاعتقالات التي استهدفت شخصيات سياسية ورجال أعمال ومسؤولين بشبهة التورط في قضايا فساد.
ويبدو أن الصدر اختار مكافحة الفساد لتكون بوابة عودته التدريجية إلى المشهد السياسي العراقي، من خلال قيادته تحركا شعبيا واسعاً لدعم الزيدي في حملته، في خطوة تحمل دلالات تتجاوز مجرد تأييد حكومي إلى إعادة تموضع سياسي يركز على قضية تحظى بإجماع شعبي وتمنح الزعيم الشيعي مساحة للتأثير من خارج المؤسسات الرسمية.
ويعد هذا التحرك أول ظهور لافت للصدر منذ فترة من الابتعاد النسبي عن العمل السياسي اليومي، ما يعكس رغبته في العودة عبر ملف يحظى بحساسية كبيرة لدى الشارع العراقي، بعيداً عن الاصطفافات التقليدية والخلافات الحزبية.
ويرى مراقبون أن زعيم التيار الشيعي يدرك أن مكافحة الفساد تمثل القضية الأكثر حضوراً في المزاج الشعبي العراقي، لذلك اختار أن يجعلها عنوان المرحلة الجديدة لتحركاته السياسية، مقدماً نفسه كداعم لأي جهود تستهدف استعادة هيبة الدولة ومحاسبة المتورطين في هدر المال العام.
وتعكس خطبة الصدر استمرار الخطاب الإصلاحي الذي تبناه منذ سنوات، إذ شدد على أن تياره “كان وما زال داعياً للإصلاح”، وحمّل الفاسدين مسؤولية استهداف المصلحين، داعياً إلى الوقوف خلف رئيس الوزراء باعتباره “جندي الإصلاح”، ومشيداً في الوقت نفسه بدور القضاء ورئاسة البرلمان والقوات الأمنية في دعم الحملة.
ويمنح هذا الموقف حكومة الزيدي غطاءً سياسياً وشعبياً مهماً في مواجهة شبكات النفوذ التي قد تتضرر من استمرار التحقيقات والإجراءات القضائية.
ولا يبدو أن دعم الصدر للحكومة يمثل انخراطاً كاملاً في مشروعها السياسي، بقدر ما يعكس مساندة مشروطة بمدى استمرارها في ملاحقة ملفات الفساد.
فبحسب ممثل الصدر، صلاح العبيدي، فإن زعيم التيار الصدري كان قد أعلن منذ تشكيل الحكومة أنه سيمنحها مهلة لتقييم أدائها، خصوصاً في ملف مكافحة الفساد، قبل أن يعتبر أن التطورات الأخيرة تمثل تحولاً نوعياً بعد الإطاحة بشخصيات نافذة وضبط أموال ضخمة، مع تأكيده أن الحكومة لا تزال مطالبة بخطوات إضافية لتعزيز مسار الإصلاح.
ويشير هذا الخطاب إلى أن الصدر يحاول الاحتفاظ بموقع “الرقيب” على أداء السلطة التنفيذية، بحيث يمنحها الدعم عندما تتبنى أجندة الإصلاح، ويحتفظ في الوقت نفسه بإمكانية ممارسة الضغط عليها إذا تراجعت عن هذا المسار.
وأظهرت الوقفات التي نُظمت في بغداد وعدد من المحافظات قدرة التيار الصدري على استعادة حضوره التنظيمي وتحريك قواعده الشعبية خلال وقت قصير، فيما أكد العبيدي أن التفاعل مع الدعوة لم يقتصر على أنصار التيار، بل شمل شرائح مجتمعية مختلفة تؤيد استمرار الحرب على الفساد.
ويحاول الصدر من خلال هذا الحراك توجيه رسالة بأن معركة مكافحة الظاهرة لم تعد قضية حكومية فحسب، بل تحولت إلى مطلب شعبي واسع يحتاج إلى غطاء جماهيري يحول دون تراجعها تحت ضغط القوى المتضررة.
ومن جانبه، أكد القيادي السابق في التيار الصدري صباح الساعدي أن الوقفة جاءت دعماً للحكومة في حملتها الأخيرة، مشدداً على أن “لا أحد فوق القانون”، وأن الحملة ينبغي أن تستمر لتشمل جميع المتورطين دون استثناء أو تمييز على أساس الانتماءات السياسية.
ويعزز هذا الموقف خطاب الصدر القائم على ضرورة تعميم المحاسبة وعدم اقتصارها على خصوم سياسيين، وهو ما قد يرفع سقف التوقعات الشعبية بشأن المرحلة المقبلة.
وكان رئيس الوزراء علي فالح الزيدي قد وصف حملة الاعتقالات التي انطلقت فجر الأحد الماضي بأنها “المرحلة الأولى” من خطة أوسع لاسترداد الأموال العامة، في حين أكدت هيئة النزاهة الاتحادية أن جميع أوامر القبض تُنفذ بإشراف القضاء ووفق الأطر القانونية، مع استمرار فتح ملفات جديدة قد تطال شخصيات أخرى داخل العراق وخارجه.
ويضع دعم التيار الشيعي الحكومة أمام اختبار حقيقي، إذ يمنحها زخماً سياسياً وشعبياً للاستمرار في ملاحقة ملفات الفساد، لكنه في المقابل يرفع سقف التوقعات بشأن قدرتها على توسيع التحقيقات وعدم التراجع أمام الضغوط.
وفي المحصلة، تبدو عودة مقتدى الصدر إلى واجهة المشهد من بوابة مكافحة الفساد مؤشراً على مرحلة سياسية جديدة، يسعى فيها الزعيم الشيعي إلى استعادة دوره المؤثر عبر قضية جامعة تحظى بتأييد شعبي واسع، فيما تراهن حكومة الزيدي على أن يتحول هذا الدعم إلى رصيد سياسي يساعدها في مواصلة واحدة من أكثر المعارك تعقيداً في العراق، وهي تفكيك شبكات الفساد واستعادة ثقة الشارع بمؤسسات الدولة.
