بعد تسوية ديونه.. ماسبيرو أمام مهمة استعادة بريق الإعلام المصري
قررت الحكومة المصرية تسوية ديون الهيئة الوطنية للإعلام «ماسبيرو»، في خطوة تتجاوز معالجة أزمة مالية تراكمت على مدى عقود، لتفتح الباب أمام إعادة بناء واحدة من أبرز مؤسسات الإعلام العربي وأكثرها ارتباطاً بتاريخ القوة الناعمة المصرية.
وأُغلق بموجب الاتفاق ملف مديونيات الهيئة البالغة 88.3 مليار جنيه، مع إعفائها من فوائد وغرامات التأخير المتراكمة. ولا تقتصر أهمية الخطوة على تحسين الوضع المالي للمؤسسة، بل تمنحها فرصة لإعادة ترتيب أولوياتها والتركيز على تحديات أكثر إلحاحاً، في مقدمتها استعادة الجمهور وتعزيز التأثير والقدرة على المنافسة في سوق إعلامية شديدة التغير.
ووصفت الهيئة الوطنية للإعلام تسوية الديون بأنها «نهاية لأكبر أزمة في تاريخ ماسبيرو»، خصوصاً في ظل المنافسة المتزايدة من القنوات الفضائية الخاصة والمنصات الرقمية.
ويضم ماسبيرو نحو 20 قناة تلفزيونية، من بينها القناة الأولى والثانية والفضائية المصرية، إلى جانب قطاع الأخبار وقنوات النيل المتخصصة والقنوات الإقليمية، فضلاً عن شبكة واسعة من المحطات الإذاعية.
ويمثل ماسبيرو أحد أبرز رموز الحضور الإعلامي والثقافي المصري في العالم العربي. فمن شاشاته وإذاعاته انطلقت شخصيات وبرامج وأعمال درامية وفنية أسهمت على مدى عقود في تشكيل الوجدان العربي، ورسخت مكانة القاهرة باعتبارها مركزاً رئيسياً للإنتاج الإعلامي والثقافي.
غير أن التحولات الكبيرة التي شهدها سوق الإعلام، مع صعود الفضائيات الخاصة والمنصات الرقمية، بالتزامن مع أزمات مالية وإدارية متراكمة، أضعفت قدرة المؤسسة على مواكبة المنافسة والحفاظ على حضورها السابق.
وأكدت الحكومة المصرية أن تسوية الديون تستهدف تعزيز المركز المالي للهيئة وتمكينها من أداء أدوارها، فيما اعتبر رئيس الهيئة الوطنية للإعلام أحمد المسلماني أن الخطوة من شأنها تسريع الوصول إلى الاستدامة المالية وفتح المجال أمام تطوير المحتوى وتحسين جودته.
معركة ما بعد الديون
وتفرض المرحلة المقبلة تحديات أكبر من مجرد معالجة الوضع المالي، إذ تحتاج المؤسسة إلى إعادة هيكلة شاملة، وتحديث بنيتها التكنولوجية، وتطوير المحتوى، واستقطاب الكفاءات الشابة، وإعادة بناء علاقتها مع الجمهور.
فالمنافسة الإعلامية لم تعد تقتصر على القنوات التلفزيونية، وإنما أصبحت تدور بين منظومات إعلامية متكاملة تمتلك منصات رقمية وشبكات إنتاج واسعة، وتنتج محتوى سريعاً ومتعدد الصيغ وقادراً على الوصول إلى الجمهور عبر أكثر من وسيلة.
وفي ظل صعود إمبراطوريات إعلامية عربية نجحت خلال السنوات الماضية في بناء نفوذ إقليمي واسع، لن يكون من السهل على ماسبيرو استعادة موقعه اعتماداً على تاريخه ورمزيته فقط، بل يحتاج إلى مشروع إعلامي حديث يجمع بين المهنية والجاذبية والقدرة على المنافسة.
ويمتلك ماسبيرو، في المقابل، مقومات يمكن البناء عليها، أبرزها أرشيفه التاريخي الضخم، وشبكة قنواته وإذاعاته، وخبراته المتراكمة، ومكانته المؤسسية.
ويمكن تحويل هذا الرصيد إلى منتجات إعلامية قابلة للتوزيع عبر المنصات الرقمية، وإعادة تقديم الأرشيف المصري في صيغ حديثة تستهدف الأجيال الجديدة والجمهور العربي.
كما يستطيع الإعلام الرسمي بناء نموذج مختلف عن القنوات الخاصة، عبر التركيز على إعلام الخدمة العامة والمحتوى الثقافي والتنويري، إلى جانب الأخبار والتحقيقات والوثائقيات والدراما والبرامج التي تستثمر في الهوية المصرية.
استعادة القوة الناعمة
ولا تقتصر أهمية إعادة بناء ماسبيرو على الجانب المالي أو الإعلامي، إذ يحمل المشروع بعداً سياسياً وثقافياً مرتبطاً بمفهوم القوة الناعمة المصرية.
فمصر تمتلك رصيداً ثقافياً وتاريخياً وفنياً كبيراً، كما تحتفظ بموقع محوري في عدد من ملفات المنطقة، من غزة والسودان وليبيا إلى قضايا الأمن الإقليمي.
غير أن تحويل هذا الرصيد إلى تأثير إقليمي يتطلب مؤسسات إعلامية قادرة على مخاطبة الجمهور العربي والدولي بأساليب حديثة، تجمع بين سرعة الوصول وجودة المحتوى والمهنية.
وفي حال نجاح عملية التطوير، يمكن لماسبيرو أن يصبح جزءاً من منظومة أوسع للدبلوماسية الإعلامية المصرية، من خلال تقديم المحتوى المصري إلى الخارج وتعزيز حضور القاهرة في المشهد الإعلامي العربي.
كما يمكن للمؤسسة أن تستعيد دور مصر كمركز إقليمي للإنتاج الإعلامي والثقافي، مستفيدة من قوة الدراما المصرية والإنتاج الوثائقي والفني والإذاعي.
نهاية أزمة وبداية اختبار
وتبدو تسوية ديون ماسبيرو بمثابة إزالة أحد أكبر العوائق التي أثقلت المؤسسة لعقود، لكنها في الوقت نفسه تضعها أمام اختبار جديد: هل تستطيع تحويل الانفراج المالي إلى نهضة إعلامية حقيقية؟
وتوجه العاملون في الهيئة الوطنية للإعلام بالشكر إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي عقب إعلان الحكومة إنهاء أكبر مديونية في تاريخ ماسبيرو، والبالغة 88.3 مليار جنيه لصالح بنك الاستثمار القومي.
وقال الإعلامي رامي رضوان، خلال برنامج «من ماسبيرو»، إن العاملين بالهيئة يعيشون حالة من الفرح والارتياح بعد التخلص من أعباء المديونية التي استمرت لعشرات السنوات وأثقلت كاهل المؤسسة.
وفي النهاية، فإن التخلص من الديون قد يكون بداية النهاية لأزمة مالية تاريخية، لكنه لن يكون كافياً وحده لاستعادة ماسبيرو لمكانته. فالرهان الحقيقي سيكون على الإدارة الحديثة، والتكنولوجيا، وجودة المحتوى، والقدرة على فهم الجمهور الجديد ومنافسته على المنصات التي أصبحت تشكل المشهد الإعلامي العالمي.
