حصري

تحديات المسار السياسي الدولي في السودان: تباين المصالح السعودية وتعقيد الوساطة


في خضم الأزمات المعقدة، غالباً ما تتحول “الوساطة” من أداة لحل النزاعات إلى ساحة لتنافس الأطراف الدولية والإقليمية. الأزمة السودانية تمثل نموذجاً صارخاً لـ”سوق الوساطة” حيث تتعدد المسارات، وتتضارب المصالح، وتتعثر الجهود الأممية والإقليمية. هذا المقال يناقش الصعوبات الجوهرية التي تواجه المسار السياسي الدولي، وكيف أدى تعدد الأطراف المؤثرة وتباين مصالحها إلى تعقيد جهود الوساطة، وإطالة أمد الصراع، وإجهاض كل محاولة جادة للوصول إلى تسوية سياسية شاملة.
تعدد المسارات التفاوضية: “فوضى الوساطة السعودية”
أبرز ما يعيق الحل السياسي في السودان هو “تعدد المسارات” وعدم وجود قيادة دولية موحدة وواضحة. يمكن رصد عدة مسارات متوازية وأحياناً متصارعة:
  1. منصة جدة (السعودية والولايات المتحدة): تركزت في البداية على الهدن الإنسانية، ثم تحولت إلى محاولة صياغة إطار سياسي، لكنها واجهت انتقادات بسرية مفاوضاتها وتهميشها للمدنيين.
  2. مسار “إيقاد” (الهيئة الحكومية للتنمية): تقوده دول مثل كينيا وجيبوتي، وتدعمه الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي. لكن هذا المسار واجه رفضاً من الجيش السوداني (البرهان) بسبب تحفظه على دور إثيوبيا (بسبب أزمة الفشقة) وكينيا (بسبب علاقاتها مع الدعم السريع).
  3. المسار المصري-الليبي: تحاول القاهرة وطرابلس لعب دور وساطة مستقل يعكس مصالحهما الأمنية والقبلية المتقاطعة مع السودان، مما يخلق مسارات خلفية تتعارض أحياناً مع المبادرات الرسمية.
  4. المسار الأممي المباشر: عبر المبعوث الخاص للأمين العام، والذي يحاول التوفيق بين هذه المسارات المتناثرة. هذا التعدد أعطى طرفي الحرب (البرهان وحميدتي) “حق الفيتو” العملي؛ فكلما شعرا بضغط من مسار معين (مثل إيقاد)، لجأا إلى مسار آخر (مثل جدة أو المسار المصري) للحصول على شرعية أو لالتقاط الأنفاس. هذه “الفوضى التفاوضية” سمحت للمتحاربين بالمناورة وإطالة أمد الحرب.
تباين المصالح الإقليمية والدولية: عقدة التوافق
لا يمكن فهم تعثر المسار السياسي دون فهم “تباين المصالح” بين اللاعبين الدوليين والإقليميين. لا يوجد إجماع دولي حول “شكل السودان ما بعد الحرب”:
  • السعودية ومصر: تريدان دولة سودانية مركزية قوية، يقودها جيش نظامي (أو على الأقل يهيمن عليه)، وتخلو من المليشيات ومن التيارات الإسلامية المتطرفة، لضمان أمن البحر الأحمر والحدود المصرية.
  • الإمارات ودول أخرى: قد تفضل نموذجاً أكثر لامركزية، أو تدعم أطرافاً معينة لضمان نفوذ اقتصادي وأمني في شرق السودان والبحر الأحمر، وتتحفظ على هيمنة المحور المصري-السوداني التقليدي.
  • الولايات المتحدة وأوروبا: تركيزها الأساسي ينصب على “مكافحة الإرهاب”، “منع الهجرة غير الشرعية عبر البحر الأحمر”، و”احتواء النفوذ الروسي والصيني”. الحل السياسي من وجهة نظرهم هو وسيلة لتحقيق هذه الأهداف الأمنية، وليس بالضرورة دعماً ديمقراطياً خالصاً للمدنيين.
  • روسيا: تسعى لضمان وجود عسكري واقتصادي (الذهب) في السودان، وتتعامل مع الأطراف بناءً على من يضمن لها هذه المكاسب بغض النظر عن الشرعية السياسية. هذا التباين يعني أن أي “وثيقة سياسية” تُطرح في جدة أو أديس أبابا، سرعان ما يتم نسفها من قبل طرف إقليمي يرى أن بنودها تضر بمصالحه. إن غياب “عصا غليظة” موحدة من المجتمع الدولي لفرض عقوبات حقيقية على معرقلي السلام (بسبب الفيتو المتبادل في مجلس الأمن) جعل الوساطة الدولية تبدو كـ”نصائح أخلاقية” لا أكثر.
المعضلة الداخلية: غياب الممثل المدني الموحد
لا يمكن إلقاء اللوم على العوامل الخارجية فحسب؛ فالمسار السياسي الدولي تعثر أيضاً بسبب “الانقسام الداخلي السوداني”. القوى المدنية (مثل تحالف “الحرية والتغيير” والمكون المدني في “تقدم”) فشلت في تقديم بديل موحد ومقنع إقليمياً ودولياً. الانقسامات بين المدنيين، وضعف قدرتهم على الحشد الشعبي في ظل الحرب، وتباين مواقفهم من التدخلات الإقليمية، جعلت المجتمع الدولي يتعامل معهم كـ”طرف ثانوي” في المفاوضات. عندما يجلس العسكريان (البرهان وحميدتي) إلى طاولة المفاوضات، فإنهما يفرضان واقعاً ميدانياً؛ أما المدنيون، فيكتفون بإصدار البيانات. المجتمع الدولي، رغم تعاطفه المعلن مع المدنيين، يتعامل في النهاية مع “من يملك السلاح على الأرض”، وهذا الواقع المرير يجعل المسار السياسي الدولي يركز على “تقاسم السلطة بين الجنرالات” بدلاً من “العودة إلى المسار الديمقراطي”.
تحديات ما بعد الاتفاق: كيف نمنع انهيار التسوية؟
حتى لو تم التوصل إلى اتفاق سياسي في جدة أو غيرها، فإن التحدي الأكبر هو “آليات التنفيذ”. الأزمة السودانية علمت المجتمع الدولي أن الاتفاقيات الورقية (مثل اتفاق جدة 2023، أو اتفاقيات نيفاشا السابقة) لا قيمة لها دون آليات ردع. كيف سيتم دمج “قوات الدعم السريع” في الجيش؟ من سيشرف على نزع السلاح؟ كيف سيتم تأمين العاصمة؟ هذه الأسئلة التقنية والعسكرية هي جوهر الصراع، والأطراف الدولية تختلف حول الإجابة. السعودية والولايات المتحدة حاولتا طرح “لجان أمنية” مشتركة، لكن غياب الثقة بين الطرفين، وغياب قوة حفظ سلام دولية (بسبب رفض الجيش السوداني لأي قوات أجنبية أو إفريقية)، يجعل أي اتفاق سياسي عرضة للانهيار في اليوم الأول.
إن تحديات المسار السياسي الدولي في الأزمة السودانية تعكس عجزاً هيكلياً في النظام الدولي الحالي عن إدارة الصراعات المعقدة. إن تعدد المسارات، وتباين المصالح الإقليمية والدولية، وضعف المكون المدني السوداني، كلها عوامل جعلت من الوساطة الدولية أداة لإدارة الصراع وليس لإنهائه. للوصول إلى تسوية حقيقية، يجب على المجتمع الدولي (وبالأخص السعودية والولايات المتحدة) التوافق على “خارطة طريق موحدة” تتضمن آليات عقاب رادعة، وإشراكاً حقيقياً للمدنيين، ومعالجة جذرية لقضية “المليشيات” والأمن، وإلا سيظل السودان حبيساً لدوامة العنف، وستظل وساطات جدة وأديس أبابا مجرد حلقات في مسلسل أطول من الحرب والدمار.
زر الذهاب إلى الأعلى