ترامب يواجه العاصفة.. هل يضحي بوزير حربه لإنقاذ مستقبله السياسي؟
تتزايد الضغوط داخل الإدارة الأميركية والحزب الجمهوري على وزير الحرب بيت هيغسيث، مع تصاعد الدعوات إلى تحميله مسؤولية تداعيات الحرب على إيران والخسائر الانتخابية التي مني بها الجمهوريون في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، وسط تقارير عن احتمال إقالته أو إخضاعه للمساءلة البرلمانية، رغم تأكيد الرئيس دونالد ترامب تمسكه به واستمراره في منصبه.
وقال ترامب، الأربعاء، إن هيغسيث سيبقى في منصبه، واصفا أداءه بأنه “جيد جدا”، لكنه أقر في الوقت نفسه بأن الحرب على إيران ساهمت في الخسائر التي مني بها حزبه انتخابيا، في موقف يعكس التناقض بين دفاعه العلني عن وزيره والتساؤلات داخل إدارته بشأن المسؤولية عن تداعيات الحرب.
وكشفت تقارير نشرتها صحف وشبكات أميركية أن ترامب بدأ يستطلع آراء مستشاريه بشأن مستقبل هيغسيث، خلال اجتماعات واتصالات، من دون أن يتخذ قرارا نهائيا بشأن إقالته.
وذكرت شبكة “سي بي إس نيوز” أن بعض مساعدي البيت الأبيض يتوقعون تحميل قيادات عسكرية جزءا من المسؤولية عن نتائج الحرب، فيما طُرح اسم حاكم فلوريدا رون ديسانتيس كمرشح محتمل لخلافة وزير الحرب.
وبحسب تقرير لشبكة “سي إن إن”، يتجه عدد من الجمهوريين وحلفاء الرئيس إلى تحميل هيغسيث قسطا كبيرا من المسؤولية عن الحرب، متهمين إياه بالمبالغة في تقدير فرص تحقيق نصر سريع، وعدم تقديم صورة دقيقة بشأن المخاطر والتكاليف والجدول الزمني للعمليات العسكرية.
ونقلت الشبكة عن مسؤول كبير سابق في البنتاغون قوله إن الحرب كانت إلى حد كبير جهدا قادته وزارة الحرب، باعتبار أن هيغسيث اختار اللجوء إلى العمل العسكري لمعالجة ملف من ملفات السياسة الخارجية. كما نقلت عن جمهوريين أن الوزير بالغ في تقدير قدرة الولايات المتحدة على حسم المواجهة مع إيران بسرعة وسهولة.
وأفادت صحيفة “وول ستريت جورنال” بأن هيغسيث كان الصوت الأبرز داخل الإدارة الأميركية الداعي إلى مواصلة الحرب، خلافا لنائب الرئيس جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو ومسؤولين آخرين دعوا إلى فتح مسار للمفاوضات.
وأضافت، نقلا عن مصادر مطلعة، أن عددا من مستشاري البيت الأبيض حمّلوه مسؤولية إقناع ترامب بأن الحرب ستكون قصيرة، وهي تقديرات وافق الرئيس على أساسها المضي في العمليات العسكرية.
ويرى منتقدون داخل الحزب الجمهوري أن الوزير كان من أبرز المدافعين عن شن الحرب، وأنه شجع ترامب على المضي فيها من دون استراتيجية خروج واضحة، قبل أن تتحول تداعياتها إلى عبء انتخابي على الجمهوريين.
ونقلت “سي إن إن” عن جمهوري مقرب من البيت الأبيض قوله إن هيغسيث يتحمل المسؤولية إذا كان الرئيس يريد محاسبة أحد، مضيفا أن الوزير كان منذ البداية إما مخطئا أو غير صادق بشأن تقديراته، وكلا الأمرين غير مقبول.
وامتدت الخلافات إلى داخل البنتاغون، حيث تتزايد الاتهامات بشأن التقديرات العسكرية التي قدمت إلى ترامب قبل الحرب وخلالها. وأفادت صحيفة “واشنطن بوست” بأن هيغسيث ورئيس هيئة الأركان المشتركة دان كين وقائد القيادة المركزية الأميركية براد كوبر قدموا، في مراحل مختلفة، تقديرات متفائلة بشأن مسار العمليات، من دون إبراز كاف للمخاطر والتكاليف المحتملة.
وأضافت الصحيفة أن كين وكوبر قد يواجهان بدورهما ضغوطا ومساءلة، بل إن بعض المسؤولين يتوقعون أن يكون القائدان أكثر عرضة للاستهداف من وزير الحرب، في إطار البحث عن مسؤولين عسكريين يتحملون تبعات الإخفاقات.
وتتزامن هذه الخلافات مع تحركات في الكونغرس لفتح مسار مساءلة ضد هيغسيث. وقالت “سي إن إن” إن مجلس النواب قد يصوت الأسبوع المقبل على عزله، بعدما قدم النائب الجمهوري توماس ماسي ثماني مواد اتهام تمهيدا لمساءلته، على خلفية شن الحرب على إيران من دون تفويض من الكونغرس.
ودعا السيناتور الديمقراطي مارك كيلي إلى رحيل وزير الحرب في أقرب وقت، محذرا من أن عدم إقدام ترامب على إقالته قد يدفع الجمهوريين في مجلس النواب إلى التحرك لعزله. وفي المقابل، نقلت الشبكة عن مصدر مقرب من هيغسيث أنه يتوقع البقاء في منصبه، وأنه مستعد لمواجهة أي محاولة لإبعاده.
ولا تقتصر الضغوط على احتمال الإقالة، إذ يستعد الديمقراطيون لاستخدام أغلبيتهم الجديدة في الكونغرس لتوسيع الرقابة على البنتاغون، وفتح تحقيقات بشأن إدارة الحرب والقرارات العسكرية، بما في ذلك إقالة عدد من كبار الضباط. وقد تشمل التحقيقات أيضا الضربات التي نفذتها القوات الأميركية، والسياسات التي اتبعتها الوزارة خلال العمليات.
وتعكس الأرقام الانتخابية حجم تأثير الحرب في الناخبين؛ إذ أظهر استطلاع أجرته شبكة “إيه بي سي نيوز” أن 34% اعتبروا الحرب على إيران عاملا حاسما في تصويتهم، مقابل 49% أشاروا إلى تكاليف المعيشة و55% إلى الفساد الحكومي.
وتحدثت تقارير أميركية عن كلفة عسكرية تجاوزت 47 مليار دولار حتى منتصف أكتوبر/تشرين الأول، بينها نحو 30 مليار دولار للذخائر وحدها، فضلا عن تداعيات الحرب على أسعار الطاقة واستنزاف مخزونات عسكرية باهظة قد يستغرق تعويضها سنوات. وكان هيغسيث قد أعلن في أبريل/نيسان تحقيق “نصر تاريخي وساحق” على إيران، غير أن المواجهات استمرت لأشهر وخلفت قتلى وجرحى في صفوف القوات الأميركية.
ورغم تصاعد التكهنات بشأن مستقبله، أكد المتحدث باسم البنتاغون شون بارنيل أن هيغسيث ملتزم بقيادة الوزارة حتى نهاية ولاية ترامب، ولن يتراجع أمام ما وصفه بمحاولات سياسية لإطلاق تحقيقات لا تستند إلى مخالفات. كما قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض آنا كيلي إن الرئيس يتمتع بثقة كاملة في وزير الحرب، مشيدة بأدائه والعمليات العسكرية.
وتكشف هذه التطورات عن صراع داخل المعسكر الجمهوري بشأن توزيع المسؤولية عن الحرب وتداعياتها، بين مسؤولين يدفعون باتجاه تحميل وزير الحرب والقيادات العسكرية جانبا من الإخفاقات، وآخرين يرون أن القرار السياسي النهائي كان بيد ترامب.
ومع أن الرئيس يواصل الدفاع علنا عن هيغسيث، فإن تعدد التسريبات بشأن مستقبله، وتداول أسماء لخلافته، واحتمال التصويت على عزله، واتساع دائرة الانتقادات داخل البنتاغون، تشير إلى أن تداعيات الحرب مرشحة للتحول إلى ملف مساءلة سياسية وعسكرية طويلة، لا تقتصر على وزير الحرب وحده.
