أوروبا

رسالة ردع لموسكو.. بريطانيا تدفع بثلاث غواصات نووية إلى البحر


كشفت صحيفة “ذا تايمز” البريطانية عن وجود 3 غواصات من أصل 4 تشكل أسطول الردع النووي البريطاني في عرض البحر، إحداها على الأقل مسلحة بصواريخ باليستية تحمل رؤوسا نووية، في تحرك وصفته مصادر بحرية بأنه غير معتاد.

وبحسب الصحيفة، يُرجح أن الغواصتين الأخريين تجريان اختبارات بحرية استعدادا للعمليات، فيما امتنعت البحرية الملكية البريطانية عن تأكيد طبيعة مهام الغواصات، مستندة إلى اعتبارات أمنية.  

أما الغواصة الرابعة من فئة “فانغارد”، وهي “إتش إم إس فيكتورياس”، فتخضع حاليا لأعمال صيانة شاملة في قاعدة ديفونبورت البحرية.

ونقلت “ذا تايمز” عن مصدر في البحرية البريطانية وصفه وجود ثلاث غواصات نووية في البحر في الوقت نفسه بأنه “أمر غير معتاد”، من دون تقديم تفسير لهذا الانتشار.

كما أعرب مسؤول بحري سابق رفيع المستوى عن دهشته من وجود الغواصات الثلاث في عرض البحر، معتبرا ذلك مؤشرا إيجابيا على تحسن الأوضاع، وقال إن هذا التطور قد يسهم في تقليص مدة الدوريات وتحسين ظروف عمل أطقم الغواصات.

لكنه استبعد أن يكون التحرك مرتبطا بإرسال رسائل استراتيجية، في إشارة إلى التوترات المتصاعدة مع روسيا. ووفقا للصحيفة، يعود آخر انتشار معروف لثلاث غواصات من هذا الأسطول في البحر إلى أكثر من خمس سنوات.

يأتي هذا التطور بعدما واجه الأسطول البريطاني النووي مشكلات في الجاهزية التشغيلية خلال السنوات الأخيرة؛ إذ انخفض عدد الغواصات القادرة على العمل فعليا إلى اثنتين، نتيجة خضوع الغواصتين الأخريين لأعمال الإصلاح والصيانة.

وأدى ذلك إلى إطالة مدد الدوريات البحرية؛ إذ وصلت إحدى الدوريات الأخيرة إلى 205 أيام بعيدا عن القاعدة، فيما استمرت كل واحدة من الدوريات التسع الأخيرة أكثر من خمسة أشهر، وفقا لما أوردته الصحيفة نقلا عن موقع “نافي لوكاوت” المتخصص في الشؤون البحرية.

ونقلت الصحيفة عن توم شارب، الذي أمضى 25 عاما في البحرية الملكية البريطانية وتولى قيادة أربع سفن حربية، قوله إن ارتفاع الجاهزية التشغيلية للغواصات سيكون تطورا إيجابيا، مضيفا أن وجود غواصتين في البحر ليس أمرا غير مألوف؛ إذ تكون إحداهما عادة في دورية ردع نووي مستمرة، بينما تجري الأخرى اختبارات بحرية.

وأوضح شارب أن الغواصات تخضع عادة لاختبارات في البحر للتحقق من جاهزيتها قبل تسليحها بصواريخ “ترايدنت”.

وصُممت غواصات “فانغارد” في الأصل للعمل لمدة 25 عاما، لكنها ستقترب من عمر 40 عاما بحلول موعد استبدالها بغواصات فئة “دريدنوت”، المتوقع دخولها الخدمة مطلع العقد المقبل.

ويتألف أسطول الغواصات البريطاني إجمالا من تسع غواصات، بينها خمس من فئة “أستيوت” الهجومية التي تعمل بالطاقة النووية. غير أن تقريرا أعده روبرت كلارك، مسؤول ملف الدفاع في شركة “878 ريسيرش”، أفاد بأن أيا من غواصات هذه الفئة لم يكن متاحا للتشغيل طوال صيف عام 2026.

وأوصى التقرير الحكومة البريطانية بالالتزام ببناء 12 غواصة هجومية جديدة لتحل محل أسطول “أستيوت”.

وعلى عكس غواصات “أستيوت”، المصممة لتعقب الأهداف ومهاجمتها بصواريخ “توماهوك” المجنحة وطوربيدات “سبيرفيش”، تتمثل المهمة الأساسية لغواصات “فانغارد” في تجنب اكتشافها والبقاء في مواقع تتيح لها تنفيذ ضربة نووية انتقامية عند الضرورة.

وتستطيع هذه الغواصات الاختفاء تحت سطح البحر لأشهر، مع اتباع مسارات مدروسة لتجنب رصدها من الغواصات والسفن المعادية.

يتزامن الانتشار البحري مع تصاعد الاهتمام الأوروبي بالقدرات النووية، في ظل التوتر مع روسيا وتزايد المخاوف بشأن مستقبل الالتزامات الأمنية الأمريكية تجاه حلفاء واشنطن الأوروبيين.

ففي الأسبوع الماضي، شاركت مقاتلات بريطانية وفرنسية في أول تدريب مشترك يحاكي تنفيذ ضربة نووية، خلال طلعات جوية فوق البحر المتوسط.

وقالت باريس إن التدريب شمل القدرات النووية الفرنسية المحمولة جوا، في خطوة تعكس تنامي التعاون الدفاعي بين البلدين. وكان الجانبان قد اتفقا في يوليو/تموز 2025 على تعزيز التعاون في مجال الترسانتين النوويتين، استجابة للتهديدات المتزايدة التي تواجه أوروبا وحالة عدم اليقين بشأن الحليف الأمريكي.  

وفي سياق متصل، دعا وزير الدفاع البريطاني ويس ستريتينغ المواطنين إلى الاستعداد لحالات الطوارئ وتخزين بعض الإمدادات تحسبا لأزمات محتملة، مثل الهجمات السيبرانية أو الظواهر الجوية القاسية.

كما حذر رئيس هيئة الأركان العامة للجيش البريطاني، الجنرال رولاند ووكر، من أن الظروف الدولية الراهنة تنطوي على مخاطر شديدة، وأن البلاد قد تحتاج إلى قواتها المسلحة لخوض حرب.

وقال ووكر في تصريحات سابقة خلال الشهر الجاري إن الاستعداد للقتال عاد إلى صلب التفكير الوطني البريطاني، وإن المرحلة التي لم تكن البلاد مضطرة فيها إلى التفكير في الصراعات المسلحة قد انتهت.

وتشير الصحيفة إلى أن بريطانيا تعتمد في ردعها النووي البحري على صواريخ “ترايدنت 2 دي 5” التي تطلق من غواصات “فانغارد”؛ وهو ما يمنحها قدرة على تنفيذ ضربة نووية، لكنه يجعل خياراتها أقل تنوعا مقارنة في روسيا.  

وتصف الصحيفة العقيدة النووية البريطانية بأنها أقرب إلى خيار تشغيل أو عدم تشغيل، في إشارة إلى اعتمادها على الصواريخ الباليستية الاستراتيجية، مقابل امتلاك روسيا مجموعة أوسع من الخيارات النووية، تشمل الأسلحة التكتيكية ذات القوة التدميرية الأقل نسبيا.

وتعتزم بريطانيا شراء 12 طائرة من طراز “إف-35 إيه”، يُتوقع وصولها بحلول نهاية العقد الحالي، وهي طائرات قادرة على حمل القنابل النووية الأمريكية من طراز “بي 61″، التي يمكن تجهيزها بقدرات تدميرية أقل تتيح استخدامها ضمن سيناريوهات الأسلحة النووية التكتيكية.

وأكد متحدث باسم وزارة الدفاع البريطانية أن الردع النووي يمثل حجر الزاوية في الأمن القومي للبلاد، ويوفر الحماية لبريطانيا وحلفائها في حلف شمال الأطلسي على مدار الساعة.

وأضاف أن بريطانيا تظل الحليف الأوروبي الوحيد الذي يلتزم باستخدام ردعه النووي لحماية الحلف، مشيرا إلى أن جميع أعضائه يستفيدون بالفعل من هذه المظلة النووية.
 

زر الذهاب إلى الأعلى