غزة تحت المطر.. 70 ألف خيمة تغرق والنازحون يواجهون كارثة إنسانية جديدة وسط هدنة هشة
لم تعد الحرب وحدها مصدر الخطر الذي يهدد حياة سكان قطاع غزة، بعدما تحولت الأمطار الغزيرة والمنخفضات الجوية إلى جبهة جديدة من المعاناة التي تطارد مئات الآلاف من النازحين الذين وجدوا أنفسهم مضطرين إلى مواجهة فصل الشتاء داخل خيام مهترئة، تفتقر إلى أبسط شروط الحماية من البرد والمياه والرياح. ففي الوقت الذي كان ينتظر فيه الفلسطينيون أن يشكل وقف إطلاق النار بداية لمرحلة التعافي والعودة التدريجية إلى الحياة الطبيعية، جاءت الأمطار الأخيرة لتكشف مجددا حجم الكارثة التي خلفتها الحرب، وتظهر أن النجاة من القصف لم تعد تعني بالضرورة النجاة من الموت أو التشرد أو الأمراض.
وخلال الساعات الأولى من المنخفض الجوي الذي ضرب القطاع، تحولت مخيمات النزوح إلى مساحات واسعة من المياه والوحل، وغرقت عشرات الآلاف من الخيام التي تؤوي عائلات فقدت منازلها خلال العمليات العسكرية، لتجد نفسها أمام خسارة جديدة تضاف إلى ما تعرضت له من نزوح متكرر وتدمير للممتلكات وانقطاع الخدمات الأساسية. وأعلنت السلطات المحلية في غزة أن نحو 70 ألف خيمة تعرضت للغرق خلال أول يوم من المنخفض الجوي، في كارثة تهدد عشرات آلاف الأسر، وتعيد إلى الواجهة هشاشة الظروف التي يعيش فيها النازحون، خصوصا الأطفال والنساء وكبار السن والمرضى.
ولا تكمن خطورة المشهد في حجم الخيام التي غمرتها المياه فحسب، بل في غياب البدائل المتاحة أمام العائلات المتضررة. فبالنسبة إلى كثير من النازحين، لم تعد الخيمة مجرد مكان مؤقت للإقامة، وإنما أصبحت المنزل الوحيد المتبقي بعد تدمير الأحياء السكنية التي كانوا يعيشون فيها. وعندما تغمرها المياه، يفقد أفراد الأسرة فراشهم وملابسهم وأغطيتهم وما تبقى لديهم من مقتنيات، ويصبح السؤال الأكثر إلحاحا بالنسبة إليهم هو أين سيمضون ليلتهم التالية، وكيف سيتمكنون من حماية أطفالهم من البرد في ظل غياب مساكن بديلة ومراكز إيواء مجهزة.
وتكشف هذه التطورات أن الأزمة الإنسانية في غزة لم تعد محصورة في تداعيات العمليات العسكرية المباشرة، بل أصبحت مرتبطة أيضا بانهيار البيئة المعيشية وانعدام القدرة على مواجهة الكوارث الطبيعية. فالأمطار التي يفترض أن تكون ظاهرة موسمية عادية تحولت إلى تهديد واسع النطاق، بسبب تدمير البنية التحتية، وتضرر شبكات الصرف الصحي، وتراكم الركام، ونقص المعدات والمواد اللازمة لتجهيز أماكن إيواء آمنة.
وبذلك يجد سكان القطاع أنفسهم أمام معادلة قاسية: حرب دمرت المنازل ومرافق الحياة، وهدنة لم تتحول بعد إلى إعادة إعمار فعلية، وشتاء يكشف أن ما تبقى من مقومات الحياة لا يوفر الحماية الكافية لمئات الآلاف من البشر.
70 ألف خيمة تحت المياه.. الكارثة تتجاوز حدود المخيمات
حجم الأضرار التي خلفها المنخفض الجوي يعكس مدى هشاشة أوضاع النازحين في مختلف مناطق القطاع. فغرق نحو 70 ألف خيمة خلال الساعات الأولى من الأمطار يعني أن الكارثة لم تعد مرتبطة بحالات فردية أو بمخيمات محدودة، وإنما امتدت إلى تجمعات سكانية واسعة، يعيش فيها مئات الآلاف في ظروف استثنائية منذ اندلاع الحرب في أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وفي الوقت الذي كانت فيه العائلات تحاول حماية ما تبقى من ممتلكاتها باستخدام الأغطية البلاستيكية وقطع القماش والأدوات البسيطة، كانت المياه تتسرب إلى داخل الخيام من الأرضيات والجوانب، فيما عجزت كثير من الأسر عن نقل الأطفال أو الأمتعة إلى أماكن أكثر ارتفاعا بسبب غياب وسائل النقل والإمكانات.
ولم تتوقف الأضرار عند غرق الخيام، إذ أفادت السلطات المحلية بانهيار عشرات الجدران والأسقف المتصدعة بفعل الأمطار، ما تسبب في وقوع إصابات، بينها حالات خطيرة. ويعكس ذلك خطرا إضافيا يواجه السكان الذين اضطروا إلى الإقامة بالقرب من مبان مدمرة أو داخل منازل متضررة جزئيا، في ظل عدم توافر أماكن آمنة يمكن الانتقال إليها.
وتكتسب هذه الحوادث أهمية خاصة لأن المباني المتصدعة تمثل تهديدا مستمرا حتى في غياب القصف، إذ يمكن أن تؤدي الأمطار المتواصلة إلى إضعاف أساساتها وجدرانها، وتزيد من احتمالات انهيار أجزاء منها فوق السكان الذين لجأوا إليها بحثا عن حماية أفضل من الخيام.
كما أن تراكم المياه في الشوارع والأزقة، واختلاطها بمخلفات الحرب ومياه الصرف الصحي، يزيد من تعقيد الوضع الصحي والبيئي، خصوصا في المناطق المكتظة التي تفتقر إلى أنظمة تصريف فعالة. وفي ظل غياب المعدات الثقيلة والآليات اللازمة لفتح الطرق وإزالة الأنقاض، تصبح عمليات التدخل والإنقاذ أكثر صعوبة، ويجد السكان أنفسهم محاصرين بالمياه والركام في الوقت نفسه.
وتظهر هذه الصورة أن حجم الكارثة لا يقاس بعدد الخيام المتضررة وحده، بل بما يترتب على ذلك من فقدان المأوى والخصوصية والأمان، وبما يفرضه على العائلات من موجات نزوح جديدة داخل القطاع نفسه، الذي يعاني أصلا من محدودية المساحات المتاحة للإقامة.
فالعائلة التي انتقلت من شمال غزة إلى وسطها، أو من مدينة غزة إلى مناطق الجنوب، قد تجد نفسها مضطرة مرة أخرى إلى تغيير مكانها بسبب غرق الخيمة، من دون أن تملك ضمانات بأن المكان الجديد سيكون أفضل أو أكثر أمنا.
الدفاع المدني يطلق نداء استغاثة.. 1500 بلاغ تكشف عجز المؤسسات عن مواجهة الشتاء
في مواجهة حجم الأضرار، وجد جهاز الدفاع المدني نفسه أمام أزمة تفوق قدراته التشغيلية، بعدما تلقى أكثر من 1500 بلاغ استغاثة خلال ساعات من سكان يطلبون المساعدة إثر غرق خيامهم وتسرب المياه إلى أماكن إقامتهم. وقال المتحدث باسم الدفاع المدني محمود بصل إن الطواقم تعمل من دون معدات أو إمكانيات كافية، وإنها لا تستطيع مواجهة تداعيات المنخفض الجوي بمفردها.
ويكشف هذا الرقم حجم الفجوة بين الاحتياجات المتزايدة للسكان والقدرات المتاحة للاستجابة. فتلقي أكثر من 1500 بلاغ خلال فترة زمنية قصيرة يعني أن فرق الإنقاذ مطالبة بالتعامل مع مئات الحالات في مناطق متباعدة، بينما تعاني من نقص المركبات والوقود والمضخات والمعدات الثقيلة، فضلا عن تضرر الطرق وصعوبة الوصول إلى المخيمات التي تحولت إلى مساحات موحلة.
وتزداد خطورة الوضع عندما يتعلق الأمر بعائلات تضم أطفالا حديثي الولادة أو مرضى وكبار سن وأشخاصا من ذوي الإعاقة، إذ لا تستطيع هذه الفئات التعامل بسهولة مع المياه المتراكمة أو الانتقال من مكان إلى آخر، كما أن تعرضها المباشر للبرد والرطوبة قد يؤدي إلى مضاعفات صحية خطيرة.
ولا يقتصر دور الدفاع المدني في مثل هذه الظروف على سحب المياه من الخيام أو فتح الطرق المغلقة، بل يشمل إنقاذ العالقين، وإجلاء العائلات من المباني المتصدعة، وتقييم مخاطر انهيار المنشآت، والتعامل مع الحوادث الناجمة عن تضرر شبكات الكهرباء والصرف الصحي. وهي مهام تحتاج إلى منظومة متكاملة من المعدات والآليات والكوادر والوقود، لا إلى جهود محدودة تعتمد على الوسائل اليدوية.
وتشير تقارير رويترز إلى أن السلطات البلدية والدفاع المدني يواجهان صعوبة في التعامل مع المنخفض بسبب نقص الوقود وتدمير المعدات، بما في ذلك الجرافات والمركبات المستخدمة في ضخ المياه. كما أن انهيار ثلاث منازل مهجورة خلال الأمطار، وفقا للدفاع المدني، يوضح أن الخطر لا يقتصر على الخيام، وإنما يمتد إلى المباني التي أضعفتها الحرب.
وكانت دعوة محمود بصل المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية إلى التدخل العاجل بمثابة تحذير من أن الأزمة تجاوزت قدرة المؤسسات المحلية على احتوائها. فحين تصبح فرق الإنقاذ عاجزة عن الاستجابة لعدد كبير من نداءات الاستغاثة، لا يعود الأمر مجرد نقص في المعدات، بل يتحول إلى تهديد مباشر لحياة السكان الذين لا يملكون وسيلة أخرى لطلب المساعدة.
وتبرز هنا ضرورة توفير آليات تدخل سريعة، تشمل مضخات المياه وشاحنات شفط الصرف الصحي والجرافات والوقود والمعدات اللازمة لإصلاح الطرق وشبكات التصريف. كما أن الاستجابة لا ينبغي أن تقتصر على معالجة الأضرار بعد وقوعها، بل يجب أن تشمل إجراءات وقائية تمنع تكرار غرق المخيمات مع كل موجة مطر جديدة.
الأمم المتحدة تحذر.. مئات آلاف النازحين في مناطق معرضة للفيضانات
لم تكن المخاطر التي كشفها المنخفض الجوي مفاجئة بالكامل بالنسبة إلى المنظمات الإنسانية، إذ سبق أن حذرت تقارير أممية من أن مئات الآلاف من الفلسطينيين يعيشون في مواقع نزوح معرضة للغرق خلال موسم الأمطار.
ففي تقرير صادر عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في 25 سبتمبر/أيلول 2026، أشار المكتب إلى وجود 451 موقعا للنزوح في قطاع غزة مصنفة ضمن المناطق عالية الخطورة من حيث التعرض للفيضانات، ويقيم فيها نحو 464 ألفا و402 شخص.
وهذا الرقم يكشف أن أزمة الأمطار لم تكن مجرد احتمال موسمي، بل خطرا معروفا كان يحتاج إلى استعدادات استثنائية قبل دخول فصل الشتاء. فقد دعت المنظمات الإنسانية إلى تقييم مواقع النزوح، وتحديد الأماكن التي يمكن تنفيذ أعمال تصريف المياه والحماية فيها، إلى جانب إعداد خطط لنقل العائلات بصورة طوعية وآمنة من المواقع التي لا يمكن حمايتها من الفيضانات.
لكن الفجوة بين التحذيرات والاستجابة على الأرض ظلت واسعة، وهو ما جعل المنخفض الأخير يكشف محدودية الإجراءات المتخذة قياسا بحجم التهديد. فوجود أكثر من 464 ألف شخص في مواقع معرضة للفيضانات يعني أن أي موجة مطر واسعة قد تتحول إلى أزمة نزوح جديدة، حتى في المناطق التي لم تتعرض مباشرة للقصف خلال الأيام السابقة.
وتزداد صعوبة إيجاد مواقع بديلة بسبب الكثافة السكانية المرتفعة، واتساع رقعة الدمار، ومحدودية الأراضي الآمنة، فضلا عن القيود المفروضة على حركة السكان والمواد والمعدات. كما أن نقل الأسر من منطقة إلى أخرى لا يحل المشكلة بالضرورة، إذا كانت المواقع البديلة تفتقر بدورها إلى شبكات الصرف الصحي أو الأرضيات المرتفعة أو وسائل الحماية من الرياح والأمطار.
وتؤكد هذه المعطيات أن التعامل مع موسم الشتاء في غزة يتطلب أكثر من توزيع الخيام والأغطية، لأن المشكلة مرتبطة بطبيعة مواقع الإيواء نفسها، وبغياب البنية الأساسية التي تسمح باستيعاب تجمعات بشرية كبيرة في ظروف مناخية صعبة.
ومن هنا، فإن التحذيرات الأممية السابقة تطرح تساؤلات بشأن مدى فاعلية خطط الاستعداد الشتوي، وما إذا كانت القيود على دخول المواد والمعدات ونقص التمويل قد حالت دون تنفيذ التدخلات المطلوبة في الوقت المناسب.
تقرير أممي يكشف حجم النقص.. 121 ألف خيمة و1.7 مليون فراش مطلوبة
تكشف الأرقام التي أوردها مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في تقريره الصادر في 5 نوفمبر/تشرين الثاني 2026 عن فجوة كبيرة بين احتياجات السكان وما هو متوفر بالفعل داخل القطاع.
فبحسب تقديرات مجموعة تنسيق قطاع المأوى، كان سكان غزة يحتاجون، حتى الأول من نوفمبر، إلى نحو 121 ألف خيمة، و561 ألف غطاء بلاستيكي واقٍ، و57 ألف مجموعة إيواء طارئة، إضافة إلى 1.7 مليون فراش، إلى جانب عشرات الآلاف من المستلزمات المنزلية الأساسية الأخرى.
في المقابل، لم تكن المخزونات المتاحة داخل القطاع تتجاوز نحو 2800 خيمة و76 ألف غطاء بلاستيكي و4993 فراشا، فيما لم تتوفر أي مجموعات إيواء طارئة من النوع الذي يحتاج إلى مواد بناء غير متاحة. أما الإمدادات التي جرى شراؤها وكانت تنتظر السماح بإدخالها، فشملت نحو 2000 خيمة و71 ألف غطاء بلاستيكي و3100 مجموعة إيواء، دون توفر مراتب إضافية ضمن تلك الشحنات.
وتوضح هذه الأرقام أن المشكلة لا تتعلق فقط بوقوع المنخفض الجوي، بل بوجود عجز حاد في مستلزمات الإيواء قبل وصول الأمطار أصلا. فحتى لو لم تتعرض الخيام الموجودة للغرق، فإن المخزون المتاح لا يكفي لتلبية الاحتياجات الأساسية للنازحين الذين يعيشون في مساكن مؤقتة ومتضررة.
والأكثر إثارة للقلق أن الإمدادات التي كانت قيد الشراء أو التجهيز لدى المنظمات الإنسانية لم تكن مضمونة الوصول في الوقت المناسب، بسبب نقص التمويل وطول إجراءات الشراء والقيود على إدخال المواد وتأخر الموافقات. وقد حذر التقرير الأممي من أن جزءا من هذه الإمدادات قد لا يصل إلا خلال النصف الثاني من فصل الشتاء، ما يجعل الأشهر الأولى منه فترة شديدة الخطورة بالنسبة إلى السكان.
كما قدر التقرير فجوة التمويل اللازمة لتلبية متطلبات الاستعداد للشتاء بنحو 186.5 مليون دولار، من إجمالي احتياجات تقدر بنحو 267.9 مليون دولار. وهذا يعني أن الاستجابة الإنسانية لا تواجه فقط عقبات لوجستية وإدارية، وإنما تعاني أيضا من نقص مالي كبير يهدد قدرتها على توفير الحد الأدنى من الحماية.
وتبرز أهمية هذه الأرقام في أنها تقدم صورة أكثر دقة عن حجم الأزمة، وتوضح أن الخيام التي غرقت ليست سوى جزء من مشكلة أوسع تتعلق بنقص مواد الإيواء والتدفئة والنوم والحماية من المياه.
فالفراش الذي يغرق لا يمكن تعويضه بسهولة في ظل نقص المراتب، والغطاء الذي يتلف لا يمكن استبداله إذا لم تتوفر كميات كافية من الأغطية البلاستيكية، والعائلة التي تفقد خيمتها لا تجد بالضرورة خيمة أخرى تنتظرها في مركز التوزيع.
وبذلك يتحول كل منخفض جوي إلى اختبار قاس لقدرة المنظمات الإنسانية على توفير المستلزمات الأساسية، ويصبح تأخر إدخال المساعدات عاملا يزيد من حجم الخسائر الإنسانية.
200 ألف كرفان.. مطلب عاجل يصطدم بتعثر إعادة الإعمار
من أبرز المطالب التي عادت إلى الواجهة عقب غرق الخيام، توفير وحدات سكنية جاهزة يمكن أن تشكل بديلا أكثر أمانا من الخيام البلاستيكية التي لا توفر الحماية الكافية من الأمطار والبرد والرياح.
وقال مصطفى قزعاط، عضو مجلس بلدية غزة والمسؤول في لجنة الطوارئ بالقطاع، إن غزة تحتاج بصورة عاجلة إلى نحو 200 ألف كرفان لإيواء النازحين، إلى جانب إدخال المعدات الثقيلة لإزالة ركام المنازل والمباني المدمرة، وفتح الشوارع الرئيسية، وتوفير الكهرباء والتدفئة.
ويعكس هذا المطلب حجم الفجوة بين وقف إطلاق النار والانتقال إلى مرحلة إعادة بناء الحياة. فالهدنة التي دخلت حيز التنفيذ في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025 كان يفترض أن تفتح الطريق أمام تحسين الظروف المعيشية، وتوفير المأوى، وإزالة آثار الحرب، لكن مرور أكثر من عام على بدء سريانها لم يؤد إلى تحقيق تقدم يتناسب مع حجم الدمار والاحتياجات.
وتشكل الكرفانات، في هذه المرحلة، حلا انتقاليا مهما، لأنها توفر مستوى أفضل من الحماية مقارنة بالخيام، وتسمح للعائلات بالحفاظ على قدر من الخصوصية والاستقرار، خصوصا إذا جرى تجهيزها بوسائل عزل مناسبة وتوصيلات آمنة للمياه والكهرباء والصرف الصحي.
لكن إدخال هذه الوحدات لا يمكن أن يتم بمعزل عن توفير الأراضي المناسبة وترتيب مواقع الإيواء، وضمان وصول المعدات اللازمة لتثبيتها وصيانتها، إضافة إلى توفير الوقود والخدمات الأساسية. فالكرفان من دون بنية تحتية قد يتحول إلى مأوى مؤقت آخر يعاني من مشكلات المياه والصرف الصحي وانعدام الكهرباء.
وتقول السلطات المحلية إن إسرائيل لم تسمح منذ إعلان الهدنة بإدخال الكرفانات، واكتفت بالسماح بدخول أعداد محدودة من الخيام. وفي المقابل، قالت الهيئة الإسرائيلية المسؤولة عن تنسيق المساعدات، المعروفة باسم «كوغات»، إنها كثفت جهود تحسين الظروف الصحية في غزة قبل موسم الأمطار، بالتنسيق مع منظمات دولية، وأعلنت إدخال شاحنات إضافية لشفط المياه والصرف الصحي.
وهذا التباين بين الروايتين يعكس الخلاف المستمر حول طبيعة القيود المفروضة على الإمدادات الإنسانية، ومدى كفاية الإجراءات التي يجري اتخاذها لمواجهة احتياجات السكان. وتؤكد الوقائع الميدانية أن ما توفر حتى الآن لا يتناسب مع حجم الاحتياجات، خصوصا في ظل تضرر شبكات المياه والصرف الصحي ونقص مواد الإيواء والمعدات الثقيلة.
ولا تقتصر أهمية إدخال الكرفانات على مواجهة المنخفض الحالي، بل تتصل أيضا بمستقبل مئات الآلاف من العائلات التي لا تستطيع العودة إلى منازلها بسبب تدميرها أو تعرضها لأضرار تجعلها غير صالحة للسكن.
فاستمرار الاعتماد على الخيام يعني إبقاء السكان في دائرة الهشاشة، حيث تصبح كل موجة مطر أو رياح قوية سببا محتملا لفقدان المأوى، بينما يفترض أن تشكل مرحلة ما بعد وقف إطلاق النار بداية انتقال من الإغاثة الطارئة إلى توفير مساكن أكثر استقرارا.
بنية تحتية مدمرة.. لماذا تتحول الأمطار إلى فيضانات واسعة؟
تتجاوز أزمة غزة مسألة ضعف الخيام، إذ ترتبط بصورة مباشرة بحجم الدمار الذي طال البنية التحتية خلال الحرب، وخصوصا شبكات الصرف الصحي وتصريف مياه الأمطار والطرق ومحطات الضخ.
ففي الظروف الطبيعية، تعتمد المدن على منظومة متكاملة لتصريف مياه الأمطار، تشمل قنوات وشبكات تحت الأرض ومحطات ضخ ومجاري مائية، إلى جانب صيانة دورية تمنع انسداد المصارف وتراكم المياه في الشوارع. لكن هذه المنظومة تعرضت لأضرار واسعة في القطاع، وأصبحت أجزاء كبيرة منها غير قادرة على أداء وظائفها بصورة طبيعية.
ومع وجود أعداد كبيرة من النازحين في مخيمات مؤقتة، تتضاعف المشكلة، لأن كثيرا من مواقع الإيواء أقيمت في مناطق لا تتوفر فيها تجهيزات مناسبة لتصريف المياه، أو على أراض منخفضة تتجمع فيها الأمطار بسهولة.
كما أن الركام الناتج عن تدمير المباني يعيق حركة المياه ويؤثر في إمكانية وصول الآليات إلى المناطق المتضررة. وفي بعض المواقع، لا يمكن إصلاح شبكات التصريف دون إزالة الأنقاض أو توفير معدات حفر وضخ وقطع غيار غير متاحة بالكميات المطلوبة.
وكان تقرير الأمم المتحدة الصادر في 5 نوفمبر قد حذر بالفعل من أن أنظمة ضخ مياه الفيضانات والصرف الصحي تواجه أعطالا متزايدة، وأن نقص زيوت المحركات وقطع الغيار ومستلزمات الصيانة يهدد استمرار خدمات المياه والصرف الصحي.
وأشار التقرير إلى أن نحو 50 في المئة فقط من المركبات المستخدمة في إدارة النفايات لا تزال تعمل، ما يضع ضغطا إضافيا على القدرات المتبقية، في وقت تحتاج فيه المدن إلى عمليات تنظيف وصيانة مكثفة لمواجهة موسم الأمطار.
وهذا يعني أن التعامل مع المياه المتراكمة لا يمكن أن يعتمد على جهود الدفاع المدني وحده، بل يتطلب إعادة تشغيل منظومة البلديات والمرافق الخدمية، وتوفير الوقود وقطع الغيار والمعدات اللازمة لصيانة محطات الضخ وشبكات الصرف.
كما أن استمرار تراكم النفايات في المناطق السكنية يزيد من مخاطر تلوث المياه وانتشار الحشرات والقوارض، خصوصا عندما تختلط مياه الأمطار بالمخلفات ومياه الصرف الصحي.
وبالتالي فإن المنخفض الجوي الأخير لم يخلق أزمة جديدة من الصفر، بل كشف هشاشة بنية تحتية تضررت خلال الحرب، ولم تحصل بعد على الموارد اللازمة لاستعادة قدرتها على حماية السكان.
الأمراض والأوبئة.. الخطر الذي قد يستمر بعد انحسار الأمطار
إذا كانت الخيام الغارقة تمثل الجانب الأكثر وضوحا من الكارثة، فإن تداعياتها الصحية قد تكون أكثر خطورة على المدى المتوسط، خصوصا أن تعرض السكان للمياه الباردة والرطوبة في أماكن مكتظة وغير مجهزة يخلق بيئة مناسبة لانتشار الأمراض.
فالأرضيات المبتلة والفراش الرطب والملابس المبللة، إلى جانب غياب وسائل التدفئة، تزيد من احتمالات الإصابة بالتهابات الجهاز التنفسي والأمراض الجلدية، وقد تؤدي إلى تفاقم الحالات الصحية لدى الأشخاص الذين يعانون أمراضا مزمنة.
ويكون الأطفال أكثر عرضة للمخاطر، خصوصا الرضع الذين لا يستطيعون تنظيم حرارة أجسامهم بكفاءة، والذين يحتاجون إلى بيئة دافئة وجافة لحمايتهم من المضاعفات الصحية. كما أن كبار السن والمرضى والأشخاص الذين يعانون ضعف المناعة يواجهون مخاطر إضافية عند التعرض لفترات طويلة للبرد والرطوبة.
أما اختلاط مياه الأمطار بمياه الصرف الصحي، فيفتح الباب أمام مخاطر التلوث والأمراض المرتبطة بالمياه غير الآمنة، خصوصا في المناطق التي تعاني أصلا نقصا في خدمات النظافة وجمع النفايات وتوفير المياه الصالحة للاستخدام.
وقد حذر تحالف منظمات المجتمع المدني الفلسطيني من مخاطر انتشار الأمراض والأوبئة بين السكان، مطالبا بتدخل دولي عاجل للضغط من أجل إدخال المساعدات الإنسانية دون قيود.
وتكتسب هذه التحذيرات أهمية خاصة في ظل ضعف الخدمات الصحية وتضرر عدد من المرافق الطبية، ونقص الوقود والمواد اللازمة لتشغيل الأجهزة الطبية ومعدات حفظ الأدوية واللقاحات.
ولا يتعلق الخطر هنا بظهور مرض واحد محدد، بل بتراكم مجموعة من العوامل التي تضعف المناعة وتزيد فرص انتقال العدوى، مثل الاكتظاظ وسوء التغذية ونقص المياه النظيفة وغياب الصرف الصحي الملائم.
كما أن العائلات التي تفقد أغطيتها وفراشها قد تضطر إلى النوم على أرضيات رطبة أو مشاركة مساحة ضيقة مع أسر أخرى، ما يزيد من صعوبة تطبيق الإجراءات الصحية الأساسية.
وتشير البيانات الأممية إلى أن وحدات حديثي الولادة والرعاية الخاصة للأطفال كانت تعمل فوق طاقتها خلال سبتمبر/أيلول، إذ وصلت نسبة إشغال وحدات حديثي الولادة إلى 151 في المئة، فيما بلغت نسبة إشغال وحدات الرعاية الخاصة بالأطفال 199 في المئة. وهذا يوضح حجم الضغط الواقع على الخدمات الصحية التي يفترض أن تستقبل حالات قد تتأثر بشكل أكبر بموجات البرد والأمراض الموسمية.
ومن هنا، فإن الاستجابة الصحية للمنخفض يجب ألا تقتصر على معالجة المصابين أو تقديم الأدوية بعد ظهور الأعراض، بل ينبغي أن تشمل توفير ملابس شتوية وأغطية جافة ومواد للنظافة ومياه آمنة، وتحسين ظروف الإيواء، وتوسيع قدرة المراكز الصحية على استقبال الأطفال والمرضى.
فالوقاية في هذه الحالة ليست إجراء إضافيا، بل جزء أساسي من إنقاذ الأرواح، لأن منع تعرض العائلات للبرد والمياه الملوثة أقل كلفة وأكثر فاعلية من التعامل مع موجات واسعة من الأمراض بعد انتشارها.
الأطفال والنساء.. الفئات الأكثر هشاشة أمام الشتاء
تتخذ الكارثة الإنسانية أبعادا أكثر قسوة عندما يتعلق الأمر بالأطفال والنساء، الذين يتحملون قسطا كبيرا من آثار النزوح وفقدان المأوى. فالطفل الذي يعيش داخل خيمة لا توفر الحماية من المطر والبرد لا يواجه فقط خطر الإصابة بالأمراض، بل يعيش أيضا حالة مستمرة من انعدام الأمان، بعد أن فقد المنزل والمدرسة والبيئة الاجتماعية التي كانت تمنحه شعورا بالاستقرار.
وتكشف شهادات الأمهات في مخيمات النزوح حجم المأساة اليومية. فقد قالت أم محمد الهرش، البالغة 45 عاما، إنها لم تتمكن من إنقاذ الفراش والملابس بعدما غمرت المياه خيمتها غرب مدينة غزة، مؤكدة أن معاناة العائلة تتكرر مع كل فصل شتاء.
أما مريم عودة، البالغة 34 عاما، والتي تقيم مع أطفالها في دير البلح، فتصف حالة العجز التي تعيشها الأمهات أمام أطفالهن، قائلة إن أبناءها يسألونها أين سينامون في تلك الليلة، بينما لا تجد جوابا تستطيع أن تطمئنهم به.
هذه الشهادات تختصر جانبا من المعاناة التي لا تظهر دائما في الإحصاءات، لأن الخيمة التي تغرق لا تعني فقط فقدان مكان للنوم، وإنما تعني انهيار ما تبقى من الحياة الخاصة للعائلة. فالملابس والكتب والأدوية والأغطية وأدوات الطهي تتحول إلى ممتلكات مبللة أو تالفة، ويصبح على الأسرة أن تبدأ من جديد بموارد تكاد تكون معدومة.
كما أن النساء يتحملن أعباء إضافية في ظل غياب المرافق الصحية الملائمة، وصعوبة توفير المياه النظيفة، وانعدام الخصوصية داخل المخيمات المكتظة. وتزداد هذه الصعوبات بالنسبة إلى الحوامل والأمهات اللواتي يعتنين بأطفال حديثي الولادة، خصوصا عندما تتعرض الخيام للغرق ولا تتوفر وسائل تدفئة آمنة.
أما الأطفال، فيجدون أنفسهم أمام ظروف تتجاوز قدرتهم على الاستيعاب. فبعد سنوات من الحرب والخوف والنزوح، أصبح المطر بالنسبة إلى كثير منهم مصدرا جديدا للقلق، بدلا من أن يكون مجرد ظاهرة طبيعية مرتبطة بفصل الشتاء.
ولا يمكن تجاهل التأثير النفسي لهذه التجربة، لأن استمرار الانتقال من مأوى إلى آخر، وفقدان الممتلكات، والخوف من انهيار المباني أو غرق الخيام، كلها عوامل تعمق الشعور بعدم الاستقرار، وقد تؤثر في النوم والتعلم والسلوك والصحة النفسية.
وتشير تقديرات أممية سابقة إلى أن نحو 650 ألف طفل في غزة قد يحتاجون إلى دعم خاص للحماية خلال فصل الشتاء، فيما تعمل مئات المساحات المخصصة للأطفال في خيام أو منشآت مؤقتة معرضة بدورها للأمطار والرياح والبرد.
وبالتالي فإن توفير المأوى ليس مجرد استجابة لاحتياج مادي، بل هو أيضا ضرورة لحماية الطفولة ومنع تفاقم الآثار النفسية والاجتماعية للحرب والنزوح.
هدنة أكتوبر 2025.. لماذا لم تتحول إلى بداية للتعافي؟
يأتي المنخفض الجوي في وقت يعيش فيه قطاع غزة وقفا لإطلاق النار دخل حيز التنفيذ في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025، بعد عامين من الحرب التي اندلعت عقب الهجوم الذي شنته حركة حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وكان الاتفاق، الذي تم التوصل إليه بوساطة مصرية وقطرية وأميركية، يفترض أن يشكل مدخلا لوقف العمليات العسكرية، وتخفيف الأزمة الإنسانية، وإطلاق مسار لإعادة إعمار القطاع، وإيجاد ترتيبات سياسية وأمنية تسمح بإنهاء حالة الحرب.
لكن التطورات اللاحقة أظهرت أن الانتقال من وقف إطلاق النار إلى الاستقرار لا يزال متعثرا، وأن الهدنة لم تنجح في معالجة جذور الأزمة الإنسانية أو توفير الظروف الضرورية لعودة السكان إلى منازلهم.
فوفقا لتقرير رويترز المنشور في 7 نوفمبر/تشرين الثاني، لا يزال التقدم في إعادة الإعمار محدودا، وسط تعثر المفاوضات بشأن نزع سلاح حماس وانسحاب القوات الإسرائيلية، التي تواصل السيطرة على أجزاء واسعة من القطاع، مع استمرار القيود على حركة السكان والإمدادات.
وهذا التعثر ينعكس بصورة مباشرة على حياة المدنيين، لأن غياب التقدم في الملفات السياسية والأمنية يؤخر بدوره تنفيذ المشاريع المتعلقة بإعادة بناء المنازل والبنية التحتية، ويجعل المساعدات الإنسانية الوسيلة الأساسية التي يعتمد عليها السكان للبقاء.
كما أن استمرار الضربات والعمليات العسكرية، رغم وقف إطلاق النار، يضيف حالة من عدم اليقين إلى الوضع الإنساني، ويصعب على المنظمات الدولية التخطيط لبرامج طويلة الأمد لإعادة التأهيل والإعمار.
وفي ظل هذه الظروف، تبدو الهدنة بالنسبة إلى كثير من النازحين وكأنها أوقفت جانبا من الخطر المباشر، لكنها لم توفر لهم بعد الحد الأدنى من مقومات الحياة الطبيعية.
فالعائلة التي نجت من القصف لا تزال عاجزة عن العودة إلى منزلها، والطفل الذي لم يعد يسمع أصوات الانفجارات بصورة مستمرة يواجه الآن خطر البرد والأمراض، والمريض الذي كان ينتظر تحسن الخدمات الصحية يجد نفسه أمام نقص الأدوية والوقود وصعوبة الوصول إلى العلاج.
ومن هنا، فإن المنخفض الجوي كشف أن نجاح أي اتفاق لوقف إطلاق النار لا يمكن قياسه فقط بانخفاض العمليات العسكرية، بل يجب أن يقاس أيضا بقدرته على تحسين الظروف المعيشية للسكان، وإعادة الخدمات الأساسية، وتوفير المأوى الآمن، وفتح الطريق أمام التعافي الاقتصادي والاجتماعي.
فالهدنة التي لا يصاحبها تحسن ملموس في حياة المدنيين تظل معرضة لفقدان قيمتها الإنسانية، خصوصا عندما يجد النازحون أنفسهم أمام أزمات كان من الممكن الحد من آثارها من خلال الاستعداد المبكر وتوفير المواد اللازمة.
إسرائيل والمساعدات الإنسانية.. الخلاف يتجاوز الخيام إلى مستقبل إعادة الإعمار
يعيد المنخفض الجوي فتح ملف القيود المفروضة على دخول المساعدات والمواد الأساسية إلى قطاع غزة، وهو ملف ظل أحد أبرز نقاط الخلاف بين السلطات الإسرائيلية والجهات الفلسطينية والمنظمات الإنسانية منذ بدء الحرب.
فبينما تؤكد السلطات المحلية أن إدخال أعداد محدودة من الخيام لا يكفي لتلبية احتياجات مئات الآلاف من النازحين، تطالب بإدخال الكرفانات والمعدات الثقيلة ومواد البناء ووسائل التدفئة، تقول الجهات الإسرائيلية إنها اتخذت إجراءات لتحسين الظروف الصحية والاستعداد لموسم الأمطار، بالتنسيق مع المؤسسات الدولية.
وفي هذا السياق، أعلنت هيئة «كوغات» الإسرائيلية إدخال أربع شاحنات إضافية لشفط المياه خلال الأسبوع الأول من نوفمبر، عبر اللجنة الدولية للصليب الأحمر، لتنضم إلى ثماني شاحنات أخرى دخلت خلال الشهر السابق، بهدف دعم عمليات ضخ مياه الصرف الصحي وجمع النفايات وإصلاح البنية التحتية للمياه والصرف الصحي.
لكن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، لا تبدو كافية أمام حجم الاحتياجات الميدانية، خصوصا أن المشكلة تتطلب إدخال أعداد كبيرة من وحدات الإيواء ومواد العزل والتدفئة، إلى جانب معدات إزالة الركام وإعادة تشغيل شبكات الخدمات.
كما أن إدخال المعدات لا ينفصل عن الخلاف السياسي بشأن مستقبل القطاع، إذ تربط إسرائيل بدء إعادة الإعمار الكامل بترتيبات تتعلق بمستقبل حماس وسلاحها والسيطرة الأمنية على غزة، بينما تعتبر الأطراف الفلسطينية أن استمرار القيود على مواد البناء والمعدات يعرقل معالجة الكارثة الإنسانية ويحول دون عودة الحياة إلى المناطق المدمرة.
وهكذا يصبح المدنيون عالقين بين تعقيدات التفاوض السياسي والواقع الإنساني المتدهور، إذ لا يستطيع النازح انتظار التوصل إلى اتفاق نهائي بشأن مستقبل الحكم في القطاع حتى يحصل على فراش جاف أو مأوى يحميه من الأمطار.
وتتمثل المشكلة الأساسية في أن المساعدات الطارئة وإعادة الإعمار ليستا مسارين يمكن تأجيل أحدهما إلى حين حسم الآخر. فالسكان يحتاجون إلى الخيام والبطانيات والمياه النظيفة والمضخات الآن، كما يحتاجون إلى إعادة بناء المنازل والمستشفيات والمدارس وشبكات الصرف الصحي حتى لا تتكرر الأزمة مع كل فصل شتاء.
وبالتالي فإن استمرار ربط إدخال مواد الإيواء والمعدات الضرورية بالتعقيدات السياسية يترك مئات الآلاف أمام مخاطر يمكن الحد منها من خلال ترتيبات إنسانية عاجلة، لا ينبغي أن تكون رهينة للمفاوضات المتعلقة بمستقبل القطاع.
المجتمع الدولي أمام اختبار جديد.. بيانات التضامن لا تكفي لإنقاذ النازحين
مع اتساع الأضرار، ارتفعت المطالبات الموجهة إلى المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية للتدخل العاجل، خصوصا بعد إعلان الدفاع المدني عجزه عن الاستجابة لجميع البلاغات التي تلقاها.
وحذر تحالف منظمات المجتمع المدني الفلسطيني من أن الظروف الحالية تهدد حياة مئات الآلاف من سكان القطاع، داعيا إلى الضغط من أجل إدخال المساعدات الإنسانية دون قيود، وتوفير المستلزمات الضرورية لحماية النازحين من الأمطار والبرد.
كما دعت السلطة الفلسطينية المجتمع الدولي إلى اتخاذ إجراءات فورية، معتبرة أن المأساة التي يعيشها السكان ترتبط بتدهور الظروف المعيشية واستمرار القيود على دخول المساعدات، وعدم تنفيذ الالتزامات المرتبطة بوقف إطلاق النار.
وتضع هذه المطالب المجتمع الدولي أمام مسؤولية تتجاوز إصدار البيانات والتعبير عن القلق، لأن حجم الاحتياجات يتطلب تحركا عمليا يشمل ضمان دخول الإمدادات الإنسانية، وتوفير التمويل اللازم، وتأمين وصول فرق الإغاثة إلى المناطق الأكثر تضررا.
وفي هذا الإطار، لا بد من إعطاء الأولوية لعدد من التدخلات العاجلة:
-
توفير خيام مقاومة للمياه والرياح، ومواد عزل وأغطية بلاستيكية ذات جودة مناسبة.
-
إدخال المراتب والأغطية والملابس الشتوية ومستلزمات حماية الأطفال والرضع.
-
توفير مضخات المياه وشاحنات شفط الصرف الصحي والجرافات والمعدات الثقيلة.
-
إعادة تشغيل محطات الضخ وإصلاح شبكات الصرف الصحي وتصريف مياه الأمطار.
-
إنشاء مراكز إيواء مؤقتة مجهزة بوسائل التدفئة والخدمات الصحية.
-
نقل العائلات من المناطق المنخفضة والمواقع المعرضة للفيضانات إلى أماكن أكثر أمانا.
-
دعم المستشفيات والمراكز الصحية بالأدوية والوقود والمستلزمات الطبية.
-
توفير تمويل مستدام للمنظمات الإنسانية حتى تتمكن من تنفيذ برامج الشتاء دون انقطاع.
كما أن هناك حاجة إلى آلية تنسيق أكثر فاعلية بين الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والجهات المحلية، لضمان وصول المساعدات إلى الأسر الأكثر تضررا، وتجنب تكرار التوزيع في مناطق معينة على حساب مخيمات أخرى.
وتبرز أهمية هذا التنسيق في ظل محدودية الموارد، لأن نجاح الاستجابة لا يعتمد فقط على حجم المساعدات التي تدخل القطاع، بل على سرعة توزيعها، وتحديد الأولويات، وضمان وصولها إلى الفئات الأكثر هشاشة.
ولا يمكن كذلك إغفال مسؤولية الأطراف المعنية بوقف إطلاق النار عن ضمان احترام الالتزامات الإنسانية، وتسهيل وصول المساعدات وحماية المدنيين، لأن استمرار الأزمة لا يهدد فقط الظروف المعيشية، بل يضعف فرص تثبيت الهدنة وتهيئة البيئة اللازمة لأي عملية سياسية مستقبلية.
الشتاء قد يضاعف النزوح.. ما السيناريوهات المقبلة في غزة؟
في ظل المعطيات الحالية، يبدو أن المنخفض الجوي الأخير قد يكون بداية لاختبار طويل لقدرة القطاع على مواجهة موسم الشتاء، وليس مجرد حادثة مناخية عابرة يمكن تجاوزها بعد انحسار الأمطار.
فالاحتياجات الكبيرة، وضعف البنية التحتية، ونقص معدات الطوارئ، وتراجع المخزونات الإنسانية، كلها عوامل تجعل أي موجة مطر جديدة قادرة على إحداث أضرار إضافية، خصوصا إذا استمر الاعتماد على الخيام باعتبارها وسيلة الإيواء الرئيسية.
ويمكن تصور ثلاثة مسارات محتملة خلال المرحلة المقبلة.
السيناريو الأول: استمرار الاستجابة المحدودة وتفاقم الأضرار.
ويقوم هذا الاحتمال على استمرار دخول كميات محدودة من المساعدات، مع بقاء القيود على المعدات الثقيلة ومواد الإيواء، وعدم توفير التمويل الكافي للمنظمات الإنسانية.
وفي هذه الحالة، ستظل العائلات تعتمد على وسائل بدائية لحماية خيامها، مثل رفع الأغطية ووضع أكياس الرمل حولها ومحاولة فتح مجار صغيرة لتصريف المياه. لكن هذه الحلول لا توفر حماية حقيقية عندما تكون الأمطار غزيرة أو متواصلة.
وقد يؤدي تكرار المنخفضات إلى موجات نزوح جديدة داخل القطاع، وزيادة أعداد الأسر التي تفقد ممتلكاتها، مع ارتفاع مخاطر الأمراض والإصابات المرتبطة بالبرد والرطوبة.
السيناريو الثاني: تدخل إنساني واسع قبل اشتداد الشتاء.
ويفترض هذا المسار استجابة دولية أكثر جدية، تشمل إدخال الخيام والمراتب والكرفانات ومواد التدفئة، إلى جانب توفير المعدات اللازمة لإعادة تشغيل شبكات الصرف الصحي ومضخات المياه.
كما يتطلب تخصيص تمويل طارئ للمنظمات الإنسانية، وتسريع إجراءات إدخال الإمدادات التي تنتظر الموافقات، وتوفير ضمانات تسمح للفرق الميدانية بالعمل في المناطق الأكثر تضررا.
ومن شأن هذا المسار أن يقلص الخسائر المحتملة، ويمنح العائلات المتضررة فرصة للانتقال إلى أماكن أكثر أمنا قبل وصول موجات جديدة من الأمطار.
السيناريو الثالث: ربط الاستجابة الإنسانية بتقدم المفاوضات السياسية.
وهو السيناريو الأكثر تعقيدا، لأنه يجعل حجم المساعدات وإعادة الإعمار مرتبطين بالتوصل إلى تفاهمات بشأن مستقبل السيطرة الأمنية والإدارية على القطاع، ونزع سلاح حماس والانسحاب الإسرائيلي.
وفي ظل استمرار الخلافات بين الأطراف، قد يؤدي هذا المسار إلى إطالة أمد الوضع الانتقالي، بحيث تبقى الخيام هي البديل الأساسي للمنازل المدمرة، بينما تتأخر مشاريع إعادة الإعمار وإصلاح البنية التحتية.
وهذا الاحتمال يحمل مخاطر إنسانية كبيرة، لأن الشتاء لا ينتظر نتائج المفاوضات، والاحتياجات الأساسية للسكان لا يمكن تأجيلها حتى يتم التوصل إلى تسوية سياسية شاملة.
من كارثة الأمطار إلى سؤال إعادة بناء غزة
في النهاية، تكشف الأمطار الغزيرة التي أغرقت نحو 70 ألف خيمة في قطاع غزة أن المأساة الإنسانية لم تنته بانحسار العمليات العسكرية أو دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ. فالحرب تركت وراءها واقعا مدمرا، لا تزال آثاره تطارد السكان في تفاصيل حياتهم اليومية، من فقدان المنازل إلى نقص المياه والكهرباء، وصولا إلى العجز عن مواجهة منخفض جوي يفترض أن يكون حدثا موسميا عاديا.
والأكثر خطورة أن هذه الكارثة جاءت في وقت كانت فيه التحذيرات الأممية بشأن مخاطر الشتاء واضحة، سواء فيما يتعلق بمئات الآلاف من النازحين الموجودين في مناطق معرضة للفيضانات، أو النقص الكبير في الخيام والمراتب ومواد الإيواء، أو العجز المالي واللوجستي الذي يواجه المنظمات الإنسانية.
وبذلك لم تعد القضية مجرد أزمة ناجمة عن الأمطار، بل أصبحت مؤشرا على تعثر الانتقال من مرحلة الحرب إلى مرحلة التعافي، وعلى استمرار الفجوة بين التعهدات السياسية والاحتياجات الفعلية للسكان.
فوقف إطلاق النار الذي لا يرافقه توفير المأوى وإعادة تشغيل البنية التحتية وتأمين الخدمات الصحية والمياه النظيفة، لن يكون كافيا لإنهاء معاناة المدنيين، كما أن المساعدات الغذائية وحدها لا تستطيع حماية العائلات من البرد أو منع انهيار المباني المتصدعة أو معالجة مخاطر الصرف الصحي.
وتحتاج غزة اليوم إلى استجابة تتعامل مع الأزمة باعتبارها حالة طوارئ إنسانية متعددة الأبعاد، لا تقتصر على توزيع المساعدات، بل تشمل توفير مساكن انتقالية، وإعادة تأهيل شبكات الخدمات، وإزالة الركام، وتأمين مواقع النزوح، وتوفير وسائل التدفئة والرعاية الصحية.
كما أن استمرار وجود مئات الآلاف في خيام معرضة للأمطار والرياح يطرح تساؤلات بشأن جدوى الحديث عن مرحلة ما بعد الحرب، إذا لم تترافق مع خطوات ملموسة تضمن للناس حقهم في السكن والحماية والعيش بكرامة.
ففي غزة، لم يعد السؤال بالنسبة إلى آلاف العائلات متى ستنتهي الحرب فقط، بل كيف ستنجو من شتاء جديد، وأين ستنام إذا غمرت المياه خيامها مرة أخرى، ومن سيحمي أطفالها بعدما لم تعد المنازل موجودة، ولم تعد الخيام قادرة على أداء أبسط وظيفة، وهي حمايتهم من المطر؟
ويبقى الاختبار الحقيقي أمام المجتمع الدولي والأطراف الراعية للهدنة هو الانتقال من إدارة الكارثة إلى معالجة أسبابها، لأن ترك النازحين لمواجهة الشتاء داخل خيام متهالكة يعني أن الحرب، حتى في ظل وقف إطلاق النار، تواصل إنتاج مآسٍ جديدة بوسائل مختلفة.
