من الأنفاق إلى السماء.. تايوان تعيد هندسة دفاعاتها لمواجهة أي حرب
يُعيد الجيش التايواني صياغة عقيدته الدفاعية تدريجياً، مع تركيز متزايد على إبطاء أي تقدم معادي وتعطيله واستنزافه باستخدام شبكة تحصينات.
ففي نفق «هسوهشان»، الذي يشكل شريان نقل رئيسياً يربط ييلان على الساحل الشرقي للجزيرة بمنطقة تايبيه، تدربت القوات خلال مناورات «هان كوانغ» الأخيرة، على إغلاق النفق وعرقلة استخدامه من جانب أي قوة معادية تحاول التقدم نحو العاصمة.
ويعكس هذا السيناريو، بحسب موقع “مليتري ووتش” المعنية بأمور الدفاع، تحولاً أوسع في التفكير العسكري التايواني، من الاعتماد بصورة أساسية على الاشتباكات التقليدية لصد الغزو، إلى دفاع متعدد الطبقات يقوم على التأخير والاستنزاف.
وتمنح جغرافية تايوان القوات المدافعة ميزة طبيعية يمكن تعزيزها عبر دمج التضاريس والبنية التحتية في الخطط العسكرية. فسيطرة قوة معادية على منطقة في شمال شرق الجزيرة قد تتيح لها استخدام الممرات الرئيسية للتحرك باتجاه المراكز السياسية والعسكرية المحيطة بتايبيه.

ومن هذا المنظور، لم يعد الطريق السريع مجرد بنية تحتية ينبغي حمايتها، بل أصبح جزءاً من ميدان المعركة نفسه.
الأنفاق ونقاط الاختناق كسلاح دفاعي
خلال مناورات «هان كوانغ»، أقامت القوات حواجز متعددة داخل النفق وتدربت على تنفيذ إصلاحات طارئة واتخاذ إجراءات تهدف إلى تعطيل حركة القوات والمركبات.
ويمكن للأنفاق والجسور والتقاطعات وممرات الجبال أن تتحول إلى نقاط اختناق تجبر القوة المتقدمة على التوقف أو تغيير مسارها، بينما يمنح كل تأخير إضافي المدافعين وقتاً لحشد الاحتياطيات، وإعادة تموضع الأسلحة، وتنفيذ هجمات مضادة.
ويمثل تدريب الأنفاق جزءاً من تحول أوسع في المناورات التايوانية؛ فبدلاً من التركيز على التصدي لهجوم برمائي قرب السواحل فقط، تتدرب القوات بصورة متزايدة على مرحلة ما بعد نجاح الخصم في إنشاء موطئ قدم داخل الجزيرة.
ويصف المعهد البحري الأمريكي هذا النهج بأنه انتقال نحو «الدفاع المتعمق»، يقوم على شن حملة متدرجة من التأخير والاستنزاف تمتد من الساحل إلى المراكز الحضرية الرئيسية.
دفاع شامل من المدنيين إلى المسيّرات
وشهدت مناورات هذا العام تركيزاً غير مسبوق على تعزيز صمود المجتمع المدني، من خلال تدريبات على الإجلاء، وإنشاء مرافق طبية تحت الأرض، وتوزيع الإمدادات، ومحاكاة انقطاع خدمات الإنترنت عبر الهاتف المحمول.

وشارك أكثر من 20 ألف جندي احتياطي في التدريبات، بالتوازي مع دمج المصانع المدنية وموارد أخرى ضمن منظومة الدفاع الأوسع.
في الوقت نفسه، يتزايد حضور الطائرات المسيّرة في العقيدة العسكرية التايوانية. فقد عرض الجيش خلال مناورات «هان كوانغ» طائرات هجومية مسيّرة متوسطة الحجم مطورة محلياً، قادرة على العمل فوق ساحة المعركة وتوفير قدرة هجومية بعيدة المدى بتكلفة أقل نسبياً.
وتكتسب هذه الأنظمة أهمية خاصة في نموذج الدفاع اللامركزي، إذ تتيح استهداف القوات المهاجمة من مسافات آمنة دون تعريض الطائرات المقاتلة مرتفعة التكلفة للمخاطر في كل مواجهة، بما يعزز استراتيجية تقوم على استنزاف الخصم وإبطاء تقدمه بدلاً من الرهان على معركة حاسمة واحدة، وفق التقرير.
