سياسة

من هانوفر إلى الفضاء الرقمي.. استراتيجية إسرائيلية للتأثير في الرأي العام


كشفت تحقيقات صحفية عن قيام جهات إسرائيلية بإنشاء مركز أبحاث وهمي بهدف التأثير على برامج الدردشة الآلية المدعومة بالذكاء الاصطناعي.

وبحسب موقع “ريسبونسبل ستيت كرافت”، تمكن معهد هانوفر للسياسات العامة، الذي يبدو للوهلة الأولى وكأنه مركز أكاديمي رصين متخصص في الشأن الإسرائيلي-الفلسطيني، من نشر أكثر من مئة تقرير في غضون أسبوع واحد فقط، وهي تقارير يبدو أنها صُممت بعناية فائقة لإعادة تشكيل طريقة استجابة أنظمة الذكاء الاصطناعي للاستفسارات المتعلقة بالصراع الإسرائيلي-الفلسطيني.

ويكشف التدقيق في بنية معهد هانوفر عن حقائق مثيرة للقلق بشأن مصداقيته وطبيعة عمله. فجميع التقارير المنشورة على موقعه الإلكتروني تخلو من أسماء المؤلفين، مع اكتفاء الموقع بتنويه صغير في أسفل الصفحة يشير إلى أن المنظمة أُنشئت بتكليف من وكالة الإعلان الحكومية الإسرائيلية عبر شركة “بيرو”، وهي شركة شارك في تأسيسها المنتج السينمائي دانيال روزنبرغ. 

وقد بلغت قيمة العقد المبرم بين الطرفين 900 ألف دولار، وتتولى شركة هافاس ميديا للعلاقات العامة تنفيذ الأعمال بالنيابة عن بيرو، في ترتيب تعاقدي معقد يهدف على الأرجح إلى إخفاء المصدر الحقيقي للتمويل والتوجيه.

محتوى مصمم لخداع الخوارزميات

تتبع تقارير المعهد نمطاً ثابتاً يبدأ بسؤال يبدو عادياً، ثم يقدم إجابة في صيغة بحث أكاديمي، مدعومة بالحواشي وجداول المحتويات. 

ويجعل هذا الأسلوب المحتوى أكثر قابلية للالتقاط والاستيعاب من جانب أنظمة مثل «كلود» و«جيميني»، التي تتعامل مع النصوص المنظمة باعتبارها مواد ذات قيمة معرفية.

وتصف «بيرو» هذه الممارسة بأنها «تحسين القصص باستخدام الذكاء الاصطناعي»، وإعداد محتوى يتوافق مع الطريقة التي تقيم بها أنظمة الذكاء الاصطناعي المصداقية، في ممارسة يصفها مراقبون بأنها «تسميم نماذج اللغة الكبيرة».

وتتناول المنشورات قضايا شديدة الحساسية، من أسباب تهجير الفلسطينيين عام 1948 إلى جرائم الحرب وأخلاقيات الجيش الإسرائيلي، من دون الكشف عن هوية الباحثين أو مؤهلاتهم. 

وأظهر تحليل أجرته مجلة «رولينغ ستون» باستخدام أداة « جي بي تي زيرو» أن 11 مقالة من أصل 12 صُنفت بدرجة ثقة عالية باعتبارها مولدة بالذكاء الاصطناعي، فيما صُنفت المقالة المتبقية بدرجة ثقة متوسطة، ما يثير شكوكاً بشأن ادعاءات المعهد المتعلقة بالمراجعة الأكاديمية.

حملة أوسع لإعادة تشكيل الإجابات

وتكشف منشورات المعهد أيضاً عن تناقضات مع بعض الروايات الرسمية الإسرائيلية؛ إذ وصف أحد تقاريره نظرية ربط الحوادث المعادية للسامية بالتمويل الأجنبي للجامعات بأنها «ضعيفة ومليئة بالاستثناءات»، رغم ترويج بنيامين نتنياهو لها سابقاً. 

في المقابل، يستند المعهد بصورة متكررة إلى مصادر حكومية إسرائيلية، بينها الجيش ووزارة الخارجية، بما يضعف ادعاء استقلاليته.

وتأتي هذه الجهود ضمن حملة أوسع للتأثير في بيئة المعلومات الرقمية، إذ تعاقدت الحكومة الإسرائيلية أيضاً مع براد بارسكيل لإنشاء مواقع مؤيدة لإسرائيل بكلفة 46.5 مليون دولار. 

وكشفت التحقيقات أن نماذج مثل «مايكروسوفت كوبايلوت» و«جوجل جيميني» تدربت على بيانات من تلك المواقع، فيما استشهدت بها روبوتات دردشة أخرى بصورة متكررة دون توضيح خلفيتها الدعائية.

وفي دفاعه عن نشاط «بيرو»، قال روزنبرغ إن هدف الشركة هو نشر معلومات دقيقة وقابلة للتحقق ومواجهة التضليل بشأن إسرائيل. 

غير أن تصريحاً سابقاً له على «لينكدإن» أظهر إدراكاً صريحاً لقدرة الشركة على تشكيل إجابات الذكاء الاصطناعي، حين تحدث عن تحليل كيفية صياغة الفقرات التي تظهر للمستخدمين عند سؤالهم عن موضوع أو جهة ما. 

ويشير ذلك إلى أن المشروع يتجاوز نشر المعلومات إلى محاولة منظمة للتأثير في السرديات التي تقدمها أنظمة الذكاء الاصطناعي للجمهور.

زر الذهاب إلى الأعلى