سياسة

نواف سلام يتحرك دولياً لخفض التصعيد وترتيب مرحلة ما بعد اليونيفيل


يكثف رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام تحركاته الدبلوماسية في نيويورك، مستغلاً اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة لحشد دعم دولي يساهم في خفض التصعيد في لبنان ومنع انزلاق المنطقة إلى جولة جديدة من المواجهات، بالتوازي مع الدفع نحو تعزيز سيادة الدولة اللبنانية ودعم مؤسساتها.

وقال سلام، عبر حسابه الرسمي على «فيسبوك»، إنه عقد الأربعاء والخميس سلسلة لقاءات على هامش اجتماعات الجمعية العامة، شملت مشاركته في قمة أميركية متعددة الأطراف بحضور دول مجلس التعاون الخليجي ومصر والأردن وسوريا وتركيا، إلى جانب ترؤسه الاجتماع الرفيع المستوى «ما بعد الأزمات»، الذي نظم بدعوة مشتركة من لبنان والاتحاد الأوروبي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي.

تحرك لاحتواء التصعيد

وتركزت اتصالات رئيس الحكومة اللبنانية مع مسؤولين وقادة من الولايات المتحدة ودول عربية وأوروبية على سبل منع اتساع رقعة المواجهات، والدفع نحو ترتيبات تحترم سيادة لبنان وتوقف الاعتداءات الإسرائيلية، وصولاً إلى الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية.

ويربط سلام هذا المسار بملف داخلي أكثر اتساعاً، يقوم على استعادة الدولة قرار الحرب والسلم وحصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية.

وفي هذا السياق، يبرز مستقبل قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان «اليونيفيل» كأحد الملفات الأساسية في تحرك بيروت داخل الأمم المتحدة، مع اقتراب انتهاء مهمتها نهاية العام.

ترتيبات لما بعد «اليونيفيل»

وتسعى الحكومة اللبنانية إلى تجنب تحول انتهاء مهمة «اليونيفيل» إلى فراغ أمني في الجنوب، وتدفع باتجاه استمرار وجود دولي يتولى مهام المراقبة والإفادة والتواصل، على أن يتم تنظيم أي صيغة جديدة بموجب قرار صادر عن مجلس الأمن.

وأكد سلام أن بيروت بدأت التحضير للمرحلة المقبلة، مشيراً إلى وجود أفكار متداولة بشأن قوة أوروبية، سواء كانت فرنسية أو إيطالية أو من دولة أخرى، لكنه شدد على أن موقف لبنان يتمثل في ضرورة أن تعمل أي قوة دولية في الجنوب تحت مظلة قرار من مجلس الأمن.

وتكتسب هذه المسألة أهمية في ظل استمرار التوتر على الحدود الجنوبية، إذ تراهن الحكومة اللبنانية على وجود آلية دولية واضحة للمراقبة والاتصال تساعد على احتواء أي تصعيد وتمنع نشوء فراغ أمني بعد انتهاء مهمة القوة الأممية.

الاقتصاد في صلب التحرك الدبلوماسي

ولا يقتصر تحرك سلام على الملف الأمني، إذ يسعى أيضاً إلى توسيع شبكة العلاقات العربية والإقليمية والدولية للبنان وربط الدعم الخارجي بمسار الإصلاح الداخلي وإعادة بناء مؤسسات الدولة.

وتناولت لقاءاته ملفات اقتصادية واستثمارية، إلى جانب مشاريع الربط الإقليمي في مجالات الطاقة والكهرباء والنقل والبنية التحتية، فضلاً عن الاستفادة من الخبرات الدولية في تحديث الإدارة ورقمنة الخدمات الحكومية.

كما حملت لقاءاته مع مسؤولين عرب، بينهم الرئيس السوري أحمد الشرع ورئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي وولي عهد الكويت الشيخ صباح خالد الحمد الصباح ومسؤولون خليجيون، بعداً إقليمياً يهدف إلى توسيع دائرة الدعم للبنان وتعزيز علاقاته مع محيطه العربي.

صفحة جديدة مع سوريا

وفي لقائه مع الرئيس السوري أحمد الشرع، دفع سلام باتجاه إعادة بناء العلاقات اللبنانية-السورية على أساس الثقة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية والمصالح المشتركة.

كما بحث الجانبان مشاريع للربط الإقليمي في مجالات الكهرباء والطاقة والسكك الحديدية، إلى جانب استكمال مراجعة الاتفاقات الثنائية تمهيداً لاجتماع اللجنة العليا المشتركة بين البلدين.

ويضع سلام هذه التحركات ضمن مسارين متوازيين لبناء «لبنان جديد»: الإصلاح الداخلي واستعادة السيادة. ومن خلال الجمع بين المسارين، تحاول الحكومة اللبنانية تعزيز قدرة الدولة على إدارة الملف الأمني داخلياً، بالتوازي مع الحصول على دعم دولي يساهم في احتواء التوتر على حدودها.

وتعكس كثافة الاتصالات اللبنانية في نيويورك رغبة بيروت في تحويل الدعم الدولي من مواقف سياسية عامة إلى ترتيبات عملية، سواء في ما يتعلق بخفض التصعيد، أو بمستقبل الوجود الدولي في الجنوب، أو بدعم مسار الإصلاح الاقتصادي والإداري.

وفي هذا الإطار، يبدو ملف ما بعد «اليونيفيل» أحد أبرز الاختبارات المطروحة أمام الحكومة اللبنانية، في وقت تسعى فيه إلى تثبيت دور الدولة باعتبارها الجهة الأساسية المسؤولة عن الأمن والعلاقات الإقليمية، ومنع تحول انتهاء المهمة الأممية إلى فراغ يمكن أن يزيد هشاشة الوضع في الجنوب.

زر الذهاب إلى الأعلى