حصري

البرلمان الأوروبي يصعّد الضغط على الإخوان المسلمين ويضع بروكسل أمام خيارات قانونية وأمنية جديدة


يدخل ملف جماعة الإخوان المسلمين مرحلة أوروبية جديدة مع مناقشة البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ الحاجة إلى استراتيجية مشتركة لمواجهة ما تصفه بعض القوى السياسية بـ”التغلغل الإسلامي” ونفوذ شبكة الإخوان المسلمين، بالتزامن مع التصويت المقرر في 8 أكتوبر 2026. ويأتي هذا التحرك بعد أشهر من تصاعد الأسئلة البرلمانية الأوروبية والمواقف الوطنية التي دعت إلى تقييم الشبكات المرتبطة بالجماعة وتشديد الرقابة على مصادر تمويلها، ما يشير إلى أن القضية تتحول تدريجياً من ملف سياسي مثير للجدل إلى أحد الملفات التي تتطلب استجابة مؤسساتية أوروبية.

وتؤكد الوثائق الرسمية للبرلمان الأوروبي أن الإجراء رقم 2026/2868(RSP) يتناول “الحاجة إلى استراتيجية للاتحاد الأوروبي لمواجهة التغلغل الإسلامي ونفوذ شبكة الإخوان المسلمين”، وأن التصويت في الجلسة العامة مقرر في 8 أكتوبر.

وتكمن أهمية هذا التحرك في أنه يضع المفوضية الأوروبية والدول الأعضاء أمام مجموعة من الأسئلة التي لا يمكن حسمها بخطاب سياسي واحد. فإذا كان الهدف هو مواجهة نشاط متطرف أو إرهابي، فما الأدلة التي تثبت ذلك؟ وإذا كان الهدف هو مواجهة نفوذ سياسي أيديولوجي، فما الحدود بين التأثير السياسي المشروع وبين النشاط الذي يستحق تدخل الدولة؟ وإذا كان التركيز على التمويل، فما الآلية التي يمكن من خلالها منع الأموال العامة من الوصول إلى الجهات غير المؤهلة دون التضييق على المنظمات المدنية المشروعة؟

وتبدو هذه الأسئلة أكثر إلحاحاً بسبب اختلاف مواقف الدول الأوروبية من جماعة الإخوان المسلمين. ففي حين تتبنى بعض الحكومات مقاربة شديدة الحذر أو إجراءات قانونية ضد فروع أو مؤسسات مرتبطة بها، لا يوجد حتى الآن موقف أوروبي موحد يساوي بين الجماعة بأكملها وبين التنظيمات المدرجة على قائمة الإرهاب. ولهذا فإن النقاش في البرلمان الأوروبي قد يكون محاولة لتقليص الفجوة بين السياسات الوطنية المختلفة.

وتطالب مجموعة المحافظين والإصلاحيين الأوروبيين بموقف أكثر صرامة، يصل إلى إدراج جماعة الإخوان المسلمين وشبكتها ضمن قائمة الاتحاد الأوروبي للمنظمات الإرهابية، مع تشديد الرقابة على المنظمات المرتبطة بها ومصادر تمويلها ووصولها إلى المؤسسات والأموال العامة.

أما حزب الشعب الأوروبي، فقد ركز في موقفه على ضرورة حماية المال العام من الوصول إلى الجهات التي يعتبرها مرتبطة بشبكات إسلامية سياسية، مع التأكيد على الفصل بين الإسلام كدين والإسلام السياسي كأيديولوجيا. كما دعا إلى تعزيز الشفافية بشأن المستفيدين النهائيين من الأموال الأوروبية وتدقيق الجهات التي تتلقى الدعم.

وتكشف هذه المواقف عن اتجاهين رئيسيين داخل البرلمان. الاتجاه الأول يرى أن السنوات الماضية أظهرت وجود ثغرات في التعامل مع بعض الشبكات الأيديولوجية، وأن الوقت حان لسد هذه الثغرات من خلال قواعد مالية وأمنية أكثر صرامة. أما الاتجاه الثاني فيخشى أن يؤدي استخدام مفهوم “الإسلام السياسي” بصورة واسعة إلى توسيع نطاق الرقابة الحكومية ليشمل النشاط المدني والديني المشروع.

وقد ظهر هذا الانقسام في التغطية الأوروبية للملف. فبينما رأت مصادر مؤيدة للإجراءات أن البرلمان أمام فرصة تاريخية لتعزيز الرقابة على نفوذ الإخوان المسلمين، حذرت أصوات أخرى من أن بعض المقترحات قد تضع مؤسسات إسلامية ومدنية تحت الاشتباه دون أدلة كافية.

وتأتي المسألة القانونية في مقدمة التحديات. فإدراج منظمة على قائمة الإرهاب الأوروبية ليس مجرد إعلان سياسي، بل قرار ذو تبعات مباشرة على أصول المنظمة وتمويلها ونشاطها وعلاقاتها. ولهذا فإن الانتقال من قرار البرلمان إلى تصنيف قانوني يحتاج إلى المرور بالمؤسسات والإجراءات المختصة.

ومن الضروري في هذا السياق ألا يُفهم التصويت البرلماني على أنه إدراج تلقائي لجماعة الإخوان المسلمين في قائمة الإرهاب. فالملف الرسمي يصف الإجراء بأنه قرار بشأن موضوع راهن، بينما تشير التقارير الأوروبية إلى أن البرلمان يمكن أن يضغط سياسياً باتجاه إجراءات لاحقة.

وقد سبق للبرلمان الأوروبي أن شهد في عام 2026 أسئلة موجهة إلى المفوضية بشأن هذا الموضوع. ففي فبراير، سأل عدد من النواب عن إمكانية بدء إجراءات إدراج الحركة وقادتها، مستندين إلى قرار صادر عن الجمعية الوطنية الفرنسية. وفي مارس، طُرحت أسئلة أخرى حول إمكانية إطلاق مسار قانوني لتقييم إدراج الجماعة وقادتها.

وهذا يعني أن التصويت الحالي لا يأتي من فراغ، وإنما يمثل مرحلة جديدة في مسار بدأ يتشكل خلال الأشهر الماضية. ويبدو أن الضغط السياسي يتجه نحو ثلاثة مسارات متوازية: زيادة التدقيق في التمويل، وتقييم الشبكات والعلاقات التنظيمية، ودراسة المسار القانوني المحتمل للتصنيف.

ومن منظور أمني، يرى مؤيدو هذه الإجراءات أن خطر بعض التنظيمات لا ينبغي قياسه فقط بقدرتها على تنفيذ أعمال عنف، وإنما أيضاً بقدرتها على بناء شبكات نفوذ واستقطاب وتأثير طويلة الأمد. ويستند هذا الطرح إلى أن التنظيمات الأيديولوجية قد تعمل عبر مؤسسات متعددة بعضها سياسي وبعضها اجتماعي أو ثقافي، بما يجعل التعرف إلى الروابط التنظيمية أكثر صعوبة.

لكن هذه الفكرة تحتاج إلى قدر كبير من الدقة. فوجود شبكة من الجمعيات أو المؤسسات لا يعني بالضرورة أنها شبكة تنظيمية موحدة، كما أن العلاقات الشخصية أو المهنية لا تكفي وحدها لإثبات الارتباط. ولذلك فإن الأجهزة والمؤسسات الأوروبية ستكون مطالبة ببناء ملفات تعتمد على معلومات موثقة وقابلة للتدقيق.

وإذا تم اعتماد استراتيجية أوروبية، فقد تتضمن إنشاء آليات مشتركة لتحليل المخاطر، وتبادل المعلومات بين الدول الأعضاء، وتعزيز الرقابة على التمويل. وتحسين تتبع الأموال العابرة للحدود. كما يمكن أن تشمل مراجعة شروط الحصول على المنح الأوروبية وفرض إفصاح أكثر تفصيلاً عن مصادر التمويل والشركاء والمستفيدين النهائيين.

وقد يكون لهذا المسار تأثير على عمل آلاف المنظمات غير الحكومية في أوروبا، وهو ما يجعل ضمانات حقوق الإنسان جزءاً أساسياً من أي تشريع أو سياسة جديدة. فالاتحاد الأوروبي لا يستطيع حماية الديمقراطية من خلال إضعاف حرية التنظيم أو التعبير التي تشكل إحدى ركائز النظام الديمقراطي.

ولهذا فإن معيار “السلوك” ينبغي أن يكون أكثر أهمية من معيار “الهوية”. فإذا ثبت أن مؤسسة ما تمول نشاطاً غير قانوني أو تشارك في غسل الأموال أو تمويل الإرهاب أو التحريض على العنف، فإن التدخل القانوني يصبح مبرراً. أما إذا كانت المؤسسة تعمل في مجال اجتماعي أو ديني بصورة قانونية، فلا ينبغي أن تصبح عضوية أفرادها أو معتقداتهم سبباً للعقوبة.

ويكتسب هذا الفصل أهمية خاصة لأن النقاش الأوروبي يجري في ظل مخاوف من تصاعد الاستقطاب بين المجتمعات المسلمة وبعض المؤسسات السياسية الأوروبية. وأي سياسة لا تراعي هذه الحساسية يمكن أن تمنح الجماعات المتطرفة مادة دعائية تزعم أن أوروبا تستهدف المسلمين بدلاً من استهداف التنظيمات المتطرفة.

وفي المقابل، فإن عدم اتخاذ إجراءات عند وجود أدلة موثقة على استغلال مؤسسات أو أموال عامة لصالح شبكات متطرفة قد يؤدي أيضاً إلى نتائج خطيرة، لأنه يضعف ثقة المواطنين في قدرة المؤسسات الديمقراطية على حماية نفسها.

وهكذا يصبح الحل في بناء سياسة مزدوجة: حزم في مواجهة المخالفات، وانفتاح في التعامل مع النشاط المدني المشروع. ويمكن لهذه المقاربة أن تضع حدوداً واضحة أمام التنظيمات التي تتجاوز القانون، وفي الوقت نفسه تمنع تحول الإجراءات الأمنية إلى مواجهة شاملة مع مجتمع ديني بأكمله.

كما أن البعد الخارجي للملف لا يمكن تجاهله. فجماعة الإخوان المسلمين شبكة ذات تاريخ وامتدادات دولية، والنقاش الأوروبي حولها يتقاطع مع سياسات دول أخرى اتخذت إجراءات مختلفة تجاه الحركة. ولذلك فإن أي قرار أوروبي يمكن أن تكون له تداعيات على علاقات الاتحاد الأوروبي مع دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، خصوصاً الدول التي تعتبر الجماعة تهديداً أمنياً أو سياسياً.

وقد يؤدي أي تصعيد أوروبي إلى زيادة التنسيق مع دول ترى أن لديها خبرة طويلة في مراقبة شبكات الإسلام السياسي، لكنه قد يؤدي أيضاً إلى خلافات حول المعايير المستخدمة لتحديد التنظيمات والجهات المرتبطة بها. ولهذا ستكون أوروبا مطالبة بالحفاظ على استقلال قرارها القانوني، وعدم تحويل الملف إلى أداة في صراعات سياسية خارجية.

ومن ناحية أخرى، قد تشكل قضية الإخوان المسلمين اختباراً أوسع لقدرة الاتحاد الأوروبي على صياغة سياسة مشتركة تجاه التطرف. فالاتحاد يمتلك أدوات في مكافحة الإرهاب وتمويله وغسل الأموال، لكنه يواجه تحديات عندما يتعلق الأمر بالشبكات الأيديولوجية التي تعمل في المساحات القانونية وتستخدم مؤسسات مدنية أو سياسية للوصول إلى الجمهور.

ومن هنا قد يكون التصويت في البرلمان الأوروبي بداية لمرحلة طويلة من البحث عن أدوات جديدة. وربما لا يكون القرار النهائي هو الأهم، بقدر ما سيأتي بعده من إجراءات تشريعية ومؤسساتية. فإذا دفعت المناقشة المفوضية والدول الأعضاء إلى تطوير آليات مشتركة للشفافية والرقابة، فستكون لها آثار تتجاوز جماعة الإخوان المسلمين إلى جميع الشبكات التي تعمل عبر الحدود الأوروبية.

أما إذا انحصر التصويت في مواجهة سياسية بين الكتل، فقد لا يؤدي إلى تغيير جوهري في السياسة الأوروبية، وقد يستمر الخلاف بين الدول والتيارات السياسية بشأن طبيعة التهديد وحدود الاستجابة.

وفي جميع الحالات، أصبح واضحاً أن قضية الإخوان المسلمين لم تعد ملفاً هامشياً في النقاش الأوروبي. فوجودها على جدول أعمال البرلمان الأوروبي، وطرح مشاريع قرارات بشأنها، ووجود مطالب بإدراجها على قائمة الإرهاب وتشديد الرقابة على التمويل، كلها مؤشرات على انتقال الملف إلى مستوى أعلى من الاهتمام المؤسسي.

وتبقى النتيجة الأكثر أهمية مرتبطة بالمرحلة التي ستلي التصويت. فإذا أُقر القرار، فإن الأنظار ستتجه إلى المفوضية الأوروبية ومجلس الاتحاد والدول الأعضاء لمعرفة ما إذا كانت التوصيات ستتحول إلى سياسات عملية. وإذا لم يحصل المشروع على الدعم المطلوب، فسيستمر النقاش على الأرجح من خلال مبادرات وطنية وأسئلة برلمانية جديدة.

وفي الحالتين، فإن أوروبا تواجه تحدياً لا يتعلق فقط بالإخوان المسلمين، وإنما بطبيعة قدرتها على حماية نظامها الديمقراطي من التنظيمات التي قد تستغل مؤسساتها، مع الحفاظ في الوقت نفسه على الحريات التي تمنح الديمقراطية معناها. وبين الأمن والقانون والتمويل وحقوق الإنسان، سيحدد هذا النقاش جزءاً مهماً من شكل السياسة الأوروبية تجاه الإسلام السياسي والشبكات العابرة للحدود في المرحلة المقبلة.

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى