تضع حملة «أختانا يا برهان» قيادة الجيش السوداني أمام اختبار سياسي جديد، بعدما تحولت المطالبة برحيل عبد الفتاح البرهان إلى محور نقاش واسع على منصات التواصل الاجتماعي، في مشهد يعكس تصاعد الانتقادات الموجهة إلى سلطة بورتسودان في ظل استمرار الحرب وتدهور الأوضاع المعيشية. فالرسالة التي تحملها الحملة لا تتعلق فقط برفض شخص البرهان، وإنما تطرح سؤالاً أعمق حول مستقبل السلطة في السودان، ومدى قدرتها على الاستمرار في إدارة البلاد بينما تتفاقم الأزمات وتزداد كلفة الحرب على المواطنين.
ومنذ اندلاع المواجهات العسكرية في أبريل/نيسان 2023، وجد السودان نفسه أمام واقع سياسي وعسكري بالغ التعقيد، بعدما تحولت الخلافات بين الجيش وقوات الدعم السريع إلى حرب مفتوحة ألقت بظلالها على مختلف مناحي الحياة. ومع مرور الوقت، لم تعد الأزمة محصورة في المواجهات الميدانية، بل امتدت إلى الاقتصاد والخدمات والمؤسسات العامة، وأصبحت حياة ملايين السودانيين مرتبطة بتطورات الصراع ومآلاته. وفي ظل هذه الظروف، تزايدت الانتقادات الموجهة إلى قيادة الجيش بسبب استمرار الحرب وعدم التوصل إلى تسوية تنهي معاناة السكان.
سيكتب التاريخ ان البرهان كان افشل قائد مر على تاريخ السودان … وسيكتب التاريخ ان البرهان دمر بلداً جميلاً اسمه السودان … وسيكتب التاريخ ان البرهان افقر السودانيين لكي يتمسك بالسلطة.
#اختانا https://t.co/4vhqPTJ11F— SalmaⓂ️ansour (@salmamandour8) October 23, 2026
وتحمل الحملة الإلكترونية دلالة سياسية تتجاوز مضمونها اللغوي، فعبارة «أختانا» تعني في اللهجة السودانية اتركنا أو ابتعد عنا، لكنها في سياق استخدامها الحالي أصبحت تعبيراً عن رفض استمرار البرهان في موقع القيادة. وتبدو هذه الصيغة المختصرة قادرة على نقل رسالة احتجاجية مباشرة، دون الحاجة إلى خطاب سياسي طويل أو بيانات حزبية معقدة. فالمواطن الذي يكتب «أختانا يا برهان» يختصر بذلك موقفاً من الحرب والسلطة والواقع المعيشي، ويطالب بفتح الطريق أمام بديل سياسي يضع مصلحة البلاد في المقدمة.
ويعكس هذا التحول جانباً من أزمة الشرعية التي تواجهها السلطة القائمة، إذ إن امتلاك المؤسسات العسكرية والأمنية لا يعني بالضرورة امتلاك قبول سياسي واجتماعي واسع. فالشرعية ترتبط أيضاً بقدرة القيادة على حماية السكان، وتوفير الأمن، وضمان استمرار الخدمات، وإيجاد حلول للأزمات التي تهدد حياة المواطنين. وعندما تتحول الحرب إلى عامل دائم في حياة المجتمع، وتتراجع فرص التعافي الاقتصادي، تصبح المساءلة السياسية أمراً أكثر إلحاحاً.
ويشير المشاركون في الحملة إلى أن استمرار البرهان في السلطة لم يرافقه مسار واضح لإنهاء الحرب، بل ظل الخيار العسكري حاضراً في الخطاب السياسي، الأمر الذي يعتبره منتقدوه سبباً في إطالة أمد الصراع. وتتمثل إحدى أبرز نقاط الخلاف في أن قطاعات من السودانيين ترى أن استمرار المواجهة لا يقدم ضمانات حقيقية لاستعادة الدولة، وأن الحسم العسكري، حتى لو تحقق في بعض المناطق، لا يكفي وحده لبناء سلام مستدام أو تأسيس نظام سياسي مستقر.
وفي هذا الإطار، تبرز سلطة بورتسودان باعتبارها مركزاً للسلطة السياسية والإدارية المرتبطة بقيادة الجيش، وتواجه انتقادات متزايدة بشأن قدرتها على تمثيل تطلعات السودانيين في مختلف مناطق البلاد. فالسودان ليس مجرد مؤسسات إدارية أو مراكز عسكرية، بل مجتمع متعدد المناطق والتوجهات والمصالح، ولا يمكن لأي سلطة أن تضمن الاستقرار طويل الأمد من دون بناء توافق وطني واسع يستوعب هذا التنوع.
وتكشف المنشورات المتداولة عن حجم الفجوة بين الخطاب الرسمي الذي يركز على المعركة العسكرية، والخطاب الاحتجاجي الذي يضع معاناة المواطنين في مركز النقاش. ففي الوقت الذي تتواصل فيه التصريحات المرتبطة بالعمليات العسكرية، يتحدث المواطنون عن فقدان المنازل ومصادر الدخل، وارتفاع تكاليف المعيشة، وصعوبة الوصول إلى الخدمات الأساسية. وهذا التباين يساهم في تعميق الشعور بأن الأولويات السياسية لا تتطابق مع احتياجات المجتمع.
وقد عبّر الكاتب والمحلل السياسي إيهاب مادبو عن تصاعد الحملة، مشيراً إلى أنها تطالب البرهان بالرحيل. كما وصف أواب عزام البوشي الهاشتاغ بأنه وسم سوداني نشط على منصات التواصل الاجتماعي، يتضمن موجة احتجاجية تنتقد مواقف قائد الجيش. وتؤكد هذه المواقف أن الحملة أصبحت موضوعاً للنقاش السياسي، وأن الرسالة التي تحملها تجاوزت حدود المنشورات الفردية إلى مساحة أوسع من الجدل حول مستقبل السلطة.
ومن اللافت أن الانتقادات لا تتوقف عند البرهان وحده، بل تمتد إلى حلفائه والقوى التي يرى بعض المشاركين أنها تساهم في استمرار الوضع الحالي. ويظهر ذلك بوضوح في المنشور الذي كتبه فيصل سعيد، والذي ربط بين خيارات البرهان والإسلاميين وبين ما وصفه بإحراق الوطن من أجل البقاء في السلطة. ويعكس هذا الخطاب وجود رفض سياسي لدى بعض المشاركين لعودة النفوذ الإسلامي إلى مؤسسات الدولة، أو لاستمرار التحالفات التي يرون أنها تعرقل الانتقال المدني.
كما أن منشور سلمى منصور، الذي اتهم البرهان بالفشل في قيادة البلاد وتدمير الاقتصاد السوداني، يوضح أن الانتقادات باتت تتخذ طابعاً يرتبط بالحكم على الحصيلة السياسية والاقتصادية للقيادة العسكرية. فالمسألة بالنسبة إلى هؤلاء لا تتعلق فقط بطريقة إدارة العمليات العسكرية، بل أيضاً بمستقبل الدولة وقدرتها على توفير حياة مستقرة لمواطنيها.
غير أن قياس حجم الرفض الشعبي لا يمكن أن يتم اعتماداً على هاشتاغ واحد أو مجموعة من المنشورات، لأن التفاعل الإلكتروني لا يمثل بالضرورة جميع مكونات المجتمع السوداني، كما أن ظروف الحرب والنزوح والانقطاع عن الإنترنت تجعل الوصول إلى صورة شاملة أمراً بالغ الصعوبة. ومع ذلك، فإن تداول الحملة يظل مؤشراً على وجود أصوات معارضة تسعى إلى فرض ملف المسؤولية السياسية على جدول النقاش العام.
وتواجه السلطة تحدياً إضافياً يتمثل في أن الأزمة السودانية لم تعد تحتمل الحلول المؤقتة أو المعالجات القائمة على إدارة الصراع بدلاً من إنهائه. فحتى في حال تراجع المواجهات العسكرية، ستظل البلاد بحاجة إلى عملية سياسية تعالج أسباب الحرب، وتعيد بناء المؤسسات، وتضمن مشاركة القوى المدنية في صياغة مستقبل الدولة. كما أن إعادة الاستقرار تتطلب معالجة آثار النزوح والدمار، وإعادة تشغيل القطاعات الاقتصادية والخدمية، وتهيئة الظروف لعودة المواطنين إلى مناطقهم.
ومن هنا، فإن المطالبة برحيل البرهان، كما تظهر في حملة «أختانا»، تفتح النقاش حول طبيعة المرحلة المقبلة، وما إذا كان السودان قادراً على الانتقال من الحكم المرتبط بالحرب إلى نظام مدني يستند إلى الإرادة الشعبية والمؤسسات الدستورية. ولا يمكن تحقيق هذا التحول بمجرد تغيير الوجوه، بل يحتاج إلى قواعد سياسية جديدة تمنع احتكار السلطة، وتضمن خضوع المؤسسات العسكرية للسلطة المدنية، وتضع حداً لاستخدام القوة في إدارة التنافس السياسي.
إن السؤال الأساسي الذي تطرحه الحملة ليس فقط ما إذا كان البرهان سيستجيب لمطالب الرحيل، وإنما ما إذا كانت القيادة القائمة تدرك حجم التحول في المزاج الاحتجاجي لدى الأصوات المنتقدة. فالغضب الذي تعبر عنه المنشورات يرتبط بتجربة يومية من المعاناة، ولا يمكن احتواؤه بمجرد الردود السياسية أو الخطابات الإعلامية. كما أن استمرار الحرب دون أفق واضح قد يوسع دائرة الاعتراض، ويزيد صعوبة استعادة الثقة بين المجتمع والسلطة.
وفي المحصلة، تبدو حملة «أختانا يا برهان» تعبيراً عن أزمة سياسية تتجاوز حدود المنصات الرقمية، وتعيد طرح مسألة الشرعية والمساءلة ومستقبل الحكم في السودان. وبينما تواصل البلاد مواجهة تداعيات الحرب، تزداد الحاجة إلى قيادة قادرة على تقديم مشروع للخروج من الأزمة، لا الاكتفاء بإدارة المواجهة. فالسودانيون الذين يطالبون بالرحيل والتغيير لا يبحثون عن تبديل أسماء فحسب، وإنما عن دولة تحميهم، وسلطة تخضع للمحاسبة، ومستقبل لا تظل فيه الحرب عنواناً للحياة اليومية.
