حصري

من وعود الحسم إلى واقع الانهيار.. لماذا أصبح البرهان في مواجهة غضب السودانيين؟


لم يكن شعار «اختانا يا برهان» مجرد تعبير احتجاجي ظهر فجأة على منصات التواصل الاجتماعي، بل جاء في سياق أزمة وطنية عميقة تجاوزت حدود المواجهة العسكرية بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، لتطال بنية الدولة ومؤسساتها واقتصادها وعلاقة السلطة بالمجتمع. فبعد أكثر من ثلاث سنوات على اندلاع الحرب، يجد السودانيون أنفسهم أمام واقع بالغ القسوة، تتراجع فيه فرص الحياة الطبيعية، وتتسع فيه دوائر الفقر والنزوح والجوع، بينما لا يزال الحل السياسي بعيداً عن متناول المواطنين الذين أنهكتهم الوعود المتكررة بإنهاء الحرب.

وفي قلب هذا المشهد، يتصاعد الجدل حول مسؤولية قائد الجيش عبد الفتاح البرهان عن المسار الذي وصلت إليه البلاد. فالمطالبون برحيله يرون أن القيادة العسكرية لم تنجح في تقديم مشروع سياسي ينهي الصراع، وأنها اختارت الاستمرار في إدارة الأزمة بمنطق المواجهة العسكرية، بدلاً من البحث عن تسوية تضع مصلحة المدنيين فوق حسابات النفوذ والسلطة. ومن هنا تحولت المطالبة برحيل البرهان إلى عنوان سياسي يتجاوز شخصه، ليطرح سؤالاً يتعلق بطبيعة الحكم الذي يحتاج إليه السودان في المرحلة المقبلة.

لقد دخلت الحرب السودانية عامها الرابع وهي تحمل معها حصيلة ثقيلة من الخسائر. لم تعد آثارها مقتصرة على خطوط المواجهة أو المناطق التي تشهد العمليات العسكرية، بل امتدت إلى تفاصيل الحياة اليومية في معظم أنحاء البلاد. فقد تعرضت الأسواق والمستشفيات والمدارس والمنشآت الحيوية للتدمير أو التعطل، وانقطعت مصادر الدخل عن ملايين الأسر، فيما أصبحت تكاليف الغذاء والدواء والسكن عبئاً يتجاوز قدرة قطاعات واسعة من المواطنين.

وتعكس الأرقام الإنسانية حجم الكارثة بصورة لا تسمح بالتقليل من خطورتها. فقد أعلنت منظمة الصحة العالمية في أبريل 2026 أن نحو 34 مليون شخص في السودان يحتاجون إلى المساعدات الإنسانية، وأن 21 مليوناً يحتاجون إلى مساعدات صحية. كما أشارت إلى أن أكثر من أربعة ملايين شخص يعانون من سوء التغذية الحاد خلال العام نفسه. وهذه المؤشرات لا تعبر عن أزمة عابرة، بل عن انهيار متراكم في قدرة المجتمع والدولة على توفير أبسط مقومات الحياة.

وتزداد الصورة قتامة مع استمرار النزوح الواسع. فالعائلات التي غادرت منازلها لم تفقد الجدران والأسقف وحدها، بل فقدت أيضاً شبكاتها الاجتماعية ومصادر رزقها واستقرار أطفالها. هناك أطفال انقطعوا عن التعليم، ومرضى لم يعودوا قادرين على الوصول إلى المستشفيات، وأسر أصبحت تعتمد على المساعدات الإنسانية للبقاء على قيد الحياة. وفي مناطق النزاع، لم يعد السؤال بالنسبة إلى كثيرين متعلقاً بمستقبلهم المهني أو الاجتماعي، بل بكيفية تجاوز اليوم والوصول إلى الغد.

وفي هذا السياق، يصبح من الصعب فصل المسؤولية السياسية عن النتائج الإنسانية للحرب. فالقيادات التي تتخذ القرارات العسكرية والسياسية مطالبة بتقديم تفسير واضح لخياراتها، وتحديد الكلفة التي يتحملها المجتمع نتيجة استمرارها. ولا يكفي أن تعلن أي قيادة أنها تخوض معركة دفاعاً عن الدولة، إذا كانت مؤسسات الدولة نفسها تتعرض للتفكك، وإذا كان المواطنون يفقدون أمنهم ومصادر عيشهم، وإذا لم يكن هناك مسار سياسي واضح يحدد متى وكيف ستنتهي الحرب.

لقد راهنت القيادة العسكرية طويلاً على إمكانية تغيير موازين الصراع بالقوة، لكن استمرار القتال وتعثر مبادرات التسوية يطرحان تساؤلات جوهرية حول جدوى هذا الرهان. فالحروب لا تُقاس فقط بما تحققه الجيوش من تقدم ميداني، وإنما أيضاً بما تتركه من آثار على المجتمع والاقتصاد والسيادة الوطنية. وقد يتحقق تقدم عسكري في منطقة معينة، لكن ذلك لا يعني بالضرورة تحقيق الاستقرار أو إعادة بناء الدولة أو إنهاء أسباب الصراع.

ويزداد الضغط على البرهان مع اتساع النقاش حول العلاقة بين الحرب والأزمة الاقتصادية. فقد أدى استمرار القتال إلى تعطيل الإنتاج الزراعي والصناعي، وإضعاف التجارة الداخلية، وتراجع حركة الاستثمار، وتضرر البنية التحتية وشبكات النقل والطاقة. كما ساهمت حالة عدم الاستقرار في تعقيد حركة الإمدادات ورفع أسعار السلع الأساسية، الأمر الذي جعل ملايين الأسر تواجه صعوبات متزايدة في تأمين احتياجاتها اليومية.

وفي بلد يمتلك موارد طبيعية وزراعية ومعدنية كبيرة، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: كيف تحول السودان إلى بلد يواجه هذا الحجم من انعدام الأمن الغذائي؟ ولماذا أصبحت الموارد التي كان يمكن أن تشكل أساساً للتنمية وإعادة الإعمار جزءاً من معادلة الصراع والنفوذ؟ إن هذه الأسئلة تضع المسؤولية السياسية والاقتصادية أمام اختبار حقيقي، لأن إدارة الدولة لا تعني فقط السيطرة على المؤسسات، وإنما تعني حماية الموارد وتوجيهها لخدمة المواطنين.

وقد أصدرت مبادرة التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، في 12 أكتوبر 2026، تحذيراً من تزايد مخاطر المجاعة في أجزاء من دارفور وكردفان، مشيرة إلى تداخل عوامل الحرب والنزوح والجفاف وضعف التمويل الإنساني. ويكشف هذا التحذير أن الأزمة لم تعد مرتبطة بالقتال وحده، بل أصبحت نتيجة تفاعل معقد بين انهيار سبل العيش وتراجع الإنتاج الزراعي وتدهور الخدمات الأساسية.

ومن هنا يمكن فهم جانب مهم من خلفيات شعار «اختانا». فالمواطن الذي لا يجد الطعام لأطفاله، أو الذي اضطر إلى مغادرة منزله، أو الذي فقد مصدر دخله، لم يعد مستعداً للاكتفاء بسماع تبريرات سياسية تتحدث عن ضرورة الصمود إلى حين تحقيق النصر. فالصمود بالنسبة إليه أصبح عبئاً يومياً، والانتصار الذي ينتظره ليس السيطرة على منطقة جغرافية، بل استعادة القدرة على العيش بكرامة وأمان.

كما أن الحملة تعكس تحولاً في طريقة مساءلة السلطة. ففي السابق، كان كثير من الخطاب السياسي يركز على المواقف العامة من الحرب، وعلى إدانة الانتهاكات أو الدعوة إلى وقف إطلاق النار. أما اليوم، فإن جانباً من هذا الخطاب يتجه إلى تحديد المسؤوليات السياسية، وطرح مسألة بقاء القيادة العسكرية في السلطة باعتبارها جزءاً من النقاش حول فرص إنهاء الأزمة.

لكن المطالبة برحيل البرهان لا تعني أن الأزمة ستنتهي تلقائياً بمجرد مغادرته موقع القيادة. فالسودان يواجه شبكة معقدة من الأزمات تشمل تعدد القوى المسلحة، وضعف المؤسسات المدنية، وتفكك الاقتصاد، والانقسامات الاجتماعية والسياسية. ولذلك فإن أي تغيير في قمة السلطة يحتاج إلى مشروع وطني واضح، لا إلى مجرد استبدال قيادة عسكرية بأخرى أو نقل الصراع إلى مرحلة جديدة.

والمطلوب، وفق رؤية المطالبين بالانتقال المدني، هو إطلاق عملية سياسية شاملة تضع وقف الحرب في مقدمة الأولويات، وتضمن عدم استخدام مؤسسات الدولة لخدمة أي طرف مسلح، وتفتح الطريق أمام إعادة بناء المؤسسات على أسس مهنية ودستورية. كما يتطلب ذلك محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى المحتاجين، وإعادة الاعتبار إلى استقلال القضاء وحرية الصحافة والتعبير.

إن استمرار الأزمة يفرض على قيادة الجيش أن تتعامل مع المطالب الاحتجاجية باعتبارها مؤشراً سياسياً يستحق الاستماع، لا تهديداً أمنياً ينبغي التعامل معه بالقمع أو التخوين. فالدولة التي تريد استعادة وحدتها تحتاج إلى مواطنين يشعرون بأن أصواتهم مسموعة، وأن حقوقهم محفوظة، وأن مستقبلهم لا يتوقف على قرارات القيادات العسكرية وحدها.

وفي المحصلة، فإن «اختانا يا برهان» ليست مجرد مطالبة برحيل شخص، بل تعبير عن رفض استمرار معادلة سياسية دفعت البلاد إلى حافة الانهيار. وبينما تتراكم الأزمات الإنسانية والاقتصادية، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى: هل تستمر القيادة العسكرية في الرهان على الحسم، أم تفتح الباب أمام حل سياسي يمنح السودانيين فرصة استعادة دولتهم؟

زر الذهاب إلى الأعلى