حصري

اختانا يا برهان.. هاشتاغ سوداني يتحول إلى صرخة غضب في وجه قائد الجيش


لم تعد الحرب السودانية مجرد مواجهة عسكرية مفتوحة بين الجيش وقوات الدعم السريع، بل تحولت إلى أزمة وطنية عميقة تتداخل فيها الحسابات السياسية والعسكرية والاقتصادية، بينما يدفع المواطن السوداني الثمن الأكبر من حياته وأمنه ومستقبله. وفي ظل استمرار القتال وتفاقم الأوضاع الإنسانية، برز هاشتاغ «اختانا يا برهان» على منصات التواصل الاجتماعي، حاملاً رسالة احتجاجية مباشرة إلى قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان، ومعبراً عن حالة متصاعدة من الغضب لدى ناشطين ومواطنين يطالبون بإنهاء الحرب ورحيل القيادة العسكرية عن السلطة.

وتشير التغطيات الصحفية المنشورة في 26 و27 أكتوبر 2026 إلى أن الهاشتاغ اكتسب زخماً منذ 22 أكتوبر، بالتزامن مع الذكرى الخامسة لانقلاب 25 أكتوبر 2021، الذي أنهى الشراكة المدنية العسكرية وأعاد البلاد إلى دائرة الحكم العسكري المباشر. وقد ربط المشاركون في الحملة بين ذلك الانقلاب وبين الأزمة السياسية التي سبقت اندلاع الحرب في أبريل 2023، معتبرين أن تعطيل الانتقال المدني كان أحد العوامل التي عمقت الانقسام وأضعفت مؤسسات الدولة.

اللافت في الحملة أنها لا تقتصر على التعبير عن الغضب من القتال أو الخسائر البشرية، وإنما تتجه إلى مساءلة رأس القيادة العسكرية عن استمرار الحرب والخيارات السياسية التي رافقتها. فالمشاركون في الوسم يربطون بين استمرار السلطة العسكرية وتدهور الاقتصاد، واتساع رقعة النزوح، وتراجع الخدمات، وغياب أفق واضح لإنهاء الصراع.

وبالنسبة إلى هؤلاء، لم تعد الوعود بتحقيق الحسم العسكري كافية لإقناع المواطنين بضرورة الانتظار، خصوصاً بعدما أصبحت الحرب جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية للسودانيين، من فقدان مصادر الدخل إلى صعوبة الحصول على الغذاء والدواء، مروراً بتدمير المنازل والمؤسسات والمرافق العامة.

وتكشف هذه الرسالة عن تحول مهم في طبيعة الخطاب الاحتجاجي؛ إذ انتقل جزء من النقاش من السؤال المتعلق بكيفية الانتصار في الحرب إلى سؤال أكثر جوهرية: لماذا تستمر الحرب، ومن يتحمل المسؤولية السياسية عن استمرارها، ومتى يستعيد المدنيون حقهم في تقرير مستقبل بلادهم؟

ولا يعني انتشار الهاشتاغ وحده وجود إجماع شعبي على موقف سياسي واحد، لكنه يكشف عن وجود مساحة متزايدة للتعبير عن رفض استمرار الوضع القائم، خصوصاً في أوساط الناشطين الذين يرون أن الأولوية يجب أن تكون لإنقاذ البلاد من الانهيار.

السلاح لا يصنع دولة

من أبرز القضايا التي تثير الجدل في سياق الحملة مسألة استخدام القوة العسكرية، وتوسع الاعتماد على الأسلحة الثقيلة والطائرات المسيّرة والعمليات الجوية في إدارة الحرب.

فالسودان لا يواجه أزمة عسكرية فقط، وإنما يواجه أيضاً سؤالاً يتعلق بحدود استخدام القوة ومدى احترام قواعد حماية المدنيين. فالمؤسسة العسكرية، باعتبارها مؤسسة وطنية، يفترض أن تكون مهمتها حماية المواطنين وصيانة سيادة الدولة، لا أن تتحول الحرب التي تخوضها إلى سبب إضافي لتدمير مقومات الحياة المدنية.

وتتزايد أهمية هذا النقاش مع استمرار الاتهامات المتعلقة باستهداف مناطق مأهولة بالسكان، وما يرافقها من مطالبات بإجراء تحقيقات مستقلة في الهجمات التي تسببت في سقوط ضحايا مدنيين أو ألحقت أضراراً بالمرافق الحيوية.

كما أن الاتهامات المتعلقة باستخدام أسلحة كيميائية في السودان تمثل ملفاً بالغ الخطورة، لا يجوز التعامل معه باعتباره مجرد مادة للسجال السياسي أو الإعلامي. فهذه الاتهامات تستوجب تحقيقاً دولياً مستقلاً، وفحص الأدلة والعينات والشهادات، وتحديد المسؤوليات وفق المعايير القانونية المعتمدة. ولا يمكن اعتبار الاتهام حكماً نهائياً قبل اكتمال التحقيق وإعلان نتائجه.

لكن خطورة الملف تكمن في أن مجرد استمرار الشكوك بشأن استخدام أسلحة محظورة يفرض على السلطات العسكرية تقديم إجابات واضحة، والتعاون مع آليات التحقيق الدولية، وضمان عدم تعرض المدنيين لأي شكل من أشكال الهجمات المحظورة.

الانقلاب والحرب.. مسار واحد في نظر المحتجين

تزامن الحملة مع الذكرى الخامسة لانقلاب 25 أكتوبر 2021 يمنحها بعداً سياسياً إضافياً. فالناشطون المشاركون فيها لا يفصلون بين تعطيل الانتقال المدني وبين اندلاع الحرب لاحقاً، بل يعتبرون أن إضعاف المؤسسات السياسية وغياب التوافق حول مستقبل السلطة ساهما في خلق بيئة شديدة الهشاشة.

لقد كان السودانيون ينتظرون أن تقود المرحلة الانتقالية إلى بناء مؤسسات مستقرة، وإصلاح القطاع الأمني والعسكري، وإعادة تشكيل العلاقة بين الجيش والسلطة المدنية. لكن الانقلاب أعاد الأزمة إلى نقطة الصفر، وأغلق الباب أمام مسار سياسي كان يفترض أن ينتهي بقيام مؤسسات مدنية منتخبة.

وبعد اندلاع الحرب في أبريل 2023، أصبحت البلاد أمام واقع أكثر تعقيداً، حيث تراجعت فرص التسوية، وتوسعت دائرة المواجهات، وتزايدت التدخلات الخارجية، فيما فقد ملايين السودانيين منازلهم ومصادر رزقهم.

ومن هنا، فإن هاشتاغ «اختانا يا برهان» يحمل في نظر مطلقيه رسالة تتجاوز المطالبة بتغيير شخص في موقع السلطة، لتصل إلى المطالبة بتغيير طبيعة النظام السياسي نفسه، وإنهاء احتكار القرار الوطني من جانب القيادات العسكرية.

حتى المعارضة أصبحت موضع اتهام

ومن المؤشرات اللافتة التي رافقت الحملة ظهور ردود مضادة من حسابات مؤيدة للبرهان، من بينها تداول شعار «تقعد فوق راسنا»، في مواجهة «اختانا». كما نقلت تقارير صحفية مطالبات من منصات موالية للجيش بملاحقة المشاركين في الحملة واعتقال مروجي الهاشتاغ.

وهذا السجال يعكس حجم الاستقطاب الذي أصبح يطبع المجال العام السوداني، حيث باتت المواقف السياسية تُقاس أحياناً بمدى الولاء لأحد أطراف الحرب، بدلاً من الاحتكام إلى حق المواطنين في التعبير عن آرائهم ومحاسبة المسؤولين.

ومن الضروري التمييز بين المعارضة السياسية السلمية وبين المشاركة في أعمال عنف أو التحريض عليها. فانتقاد قائد الجيش أو المطالبة برحيله لا ينبغي أن يتحول تلقائياً إلى اتهام بالخيانة أو التعاون مع طرف عسكري آخر.

إن حماية حرية التعبير تظل شرطاً أساسياً لأي عملية سياسية تسعى إلى إنهاء الحرب وإعادة بناء الثقة بين المجتمع ومؤسسات الدولة.

ماذا بعد «اختانا»؟

يبقى التحدي الأكبر أمام الحملة هو الانتقال من التعبير الرقمي إلى طرح تصور سياسي واضح لمستقبل السودان. فالمطالبة برحيل البرهان، على أهميتها بالنسبة إلى المشاركين، لا تعني أن رحيله وحده سيضع حداً للحرب أو ينهي الانقسام العسكري والسياسي.

إن إنهاء الأزمة يحتاج إلى وقف شامل لإطلاق النار، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، وحماية المدنيين، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وإطلاق عملية سياسية مدنية لا تخضع لهيمنة أي من التشكيلات العسكرية.

كما يتطلب الأمر إعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس مهنية، وإخضاع القوات المسلحة والمؤسسات الأمنية لسلطة مدنية دستورية، ومنع استخدام الموارد الوطنية في تمويل الصراع.

وفي النهاية، تكمن دلالة «اختانا يا برهان» في أنها نقلت جانباً من الغضب السوداني إلى خطاب مباشر يضع مسألة استمرار القيادة العسكرية في قلب النقاش العام. إنها رسالة احتجاجية تختصر مطالب المشاركين فيها في كلمتين، لكنها تفتح أسئلة أكبر حول الحرب والسلطة ومستقبل الدولة.

فالسودان الذي خرج شعبه مطالباً بالحرية والسلام والعدالة لا يزال يبحث عن طريق ينهي سنوات الخوف والدمار. وبينما تتواصل المواجهات، يبقى السؤال الذي يطرحه أصحاب الهاشتاغ: إلى متى سيظل المواطن السوداني يدفع ثمن صراع لا يرى له نهاية؟

زر الذهاب إلى الأعلى