الدبلوماسية والوساطات الإقليمية في السودان: لماذا تعثرت جهود إنهاء الحرب؟
منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل/نيسان 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، تحركت قوى إقليمية ودولية عديدة في محاولة لاحتواء الأزمة ومنع انزلاق البلاد نحو مزيد من الفوضى. وقد شهدت الساحة السودانية سلسلة من المبادرات السياسية والجهود الدبلوماسية التي شاركت فيها دول عربية وإفريقية ومنظمات دولية، إلا أن هذه المساعي لم تتمكن حتى الآن من تحقيق اختراق حاسم يقود إلى وقف دائم للحرب أو إطلاق عملية سياسية شاملة.
ورغم تعدد المبادرات وتنوع الوسطاء، بقيت الأزمة تراوح مكانها في كثير من الأحيان، ما دفع مراقبين إلى التساؤل حول أسباب تعثر الجهود الدبلوماسية، وما إذا كانت المشكلة تكمن في طبيعة الصراع نفسه، أم في تداخل الأجندات الإقليمية والدولية، أم في غياب رؤية موحدة للحل.
-
المقاربات الصفرية الإقليمية وتحويل السودان إلى ساحة لحرب بالوكالة
-
كيف ساهمت المحاور الإقليمية في تفكيك الدولة السودانية؟
تعدد المبادرات وتداخل المسارات
من أبرز سمات الأزمة السودانية تعدد مسارات الوساطة منذ الأيام الأولى للحرب. فقد ظهرت مبادرات تقودها دول إقليمية، وأخرى ترعاها منظمات دولية وإفريقية، إلى جانب جهود أممية هدفت إلى تقريب وجهات النظر بين الأطراف المتحاربة.
في الظاهر، كان تعدد المبادرات مؤشراً على اهتمام دولي واسع بالسودان ورغبة في منع انهياره. لكن عملياً أدى هذا التعدد إلى خلق حالة من التداخل بين المسارات المختلفة، حيث باتت الأطراف السودانية تتعامل مع أكثر من منصة تفاوضية وأكثر من مقترح سياسي في الوقت نفسه.
ويرى بعض الباحثين أن غياب التنسيق الكامل بين مختلف الوسطاء جعل بعض المبادرات تتحرك في اتجاهات متوازية دون وجود إطار جامع يربط بينها، الأمر الذي قلل من فعاليتها وأضعف قدرتها على إنتاج تسوية متماسكة.
-
تحركات السودان الإقليمية تعيد ملف تيغراي إلى دائرة الاهتمام الدولي
-
الوجه الآخر للأزمة السودانية: الأجندات الجيوسياسية، التدخلات الخارجية، وفضائح المنظمات الإنسانية
صعوبة تحديد أولويات الحل
أحد التحديات الرئيسية التي واجهت الوسطاء تمثل في اختلاف الرؤى بشأن الأولويات.
فبينما ركزت بعض المبادرات على التوصل إلى وقف إطلاق نار إنساني يسمح بإيصال المساعدات، رأت أطراف أخرى أن الحل يجب أن يبدأ بترتيبات سياسية شاملة تعالج جذور الأزمة. كما ظهرت اختلافات حول طبيعة المرحلة الانتقالية، ودور المؤسسات العسكرية، ومستقبل الترتيبات الأمنية.
هذا التباين جعل من الصعب بناء خارطة طريق موحدة تحظى بقبول جميع الأطراف، خصوصاً في ظل استمرار العمليات العسكرية وتغير موازين القوى على الأرض.
-
الاقتصاد في قلب الأزمة السودانية: كيف أثرت الحرب على التجارة والاستثمار وفرص التعافي؟
-
السودان والبحر الأحمر: كيف جعل الموقع الجغرافي البلاد محورا للتنافس الإقليمي والدولي؟
الحسابات الداخلية للأطراف السودانية
لا يمكن فهم تعثر جهود الوساطة دون النظر إلى الحسابات الداخلية للأطراف السودانية نفسها.
ففي النزاعات المسلحة، غالباً ما ترتبط فرص التسوية السياسية بمدى اقتناع الأطراف المتحاربة بأن التفاوض يحقق لها مكاسب أكبر من استمرار القتال. وفي الحالة السودانية، شهدت مراحل مختلفة من الحرب تغيرات ميدانية دفعت كل طرف إلى الاعتقاد بإمكانية تحسين موقعه عبر العمل العسكري.
هذا الواقع جعل فرص التوصل إلى اتفاق شامل أكثر تعقيداً، إذ تراجعت أحياناً الحوافز التي تدفع الأطراف إلى تقديم تنازلات متبادلة.
-
الإسلاميون والعسكر.. تفاهمات خفية لإعادة الحكم القديم في السودان
-
هل يشعل صدام الدعم السريع والإسلاميين جبهة سياسية جديدة في السودان؟
المصالح الإقليمية وتأثيرها على المشهد
يحتل السودان موقعاً استراتيجياً يجعله محل اهتمام العديد من القوى الإقليمية. فهو يطل على البحر الأحمر، ويجاور مناطق تشهد تحديات أمنية وسياسية معقدة، كما يمتلك موارد اقتصادية كبيرة.
لذلك تنظر الدول المختلفة إلى الأزمة السودانية من زوايا متعددة، تتعلق بالأمن القومي، والاستقرار الإقليمي، وأمن الملاحة البحرية، والاستثمارات الاقتصادية.
ورغم أن معظم هذه الدول تؤكد دعمها لاستقرار السودان ووحدته، فإن اختلاف أولوياتها قد يؤدي أحياناً إلى تباين في المقاربات السياسية المطروحة، وهو ما يضيف طبقة إضافية من التعقيد إلى جهود الوساطة.
-
جنوب السودان.. تصاعد التوتر يعيد شبح الحرب الأهلية إلى الواجهة
-
محاولة اغتيال البرهان: هل يتورط الداخل والخارج في التصعيد السوداني؟
دور المنظمات الإقليمية والدولية
حاولت المنظمات الإقليمية والدولية لعب دور محوري في إدارة الأزمة السودانية، سواء من خلال الوساطة المباشرة أو عبر تقديم الدعم الفني والسياسي للمفاوضات.
غير أن قدرة هذه المؤسسات على فرض حلول أو ضمان تنفيذ الاتفاقات ظلت محدودة نسبياً، بسبب طبيعة الصراع وتشابك المصالح المحيطة به.
كما واجهت بعض المبادرات تحديات مرتبطة بتعدد مراكز القرار وتباين مواقف الأطراف الدولية، ما أثر على قدرتها في الحفاظ على زخم سياسي مستدام.
-
السودان في قلب مفترق إقليمي يعيد رسم توازنات القوى على ضفاف النيل
-
التوتر يهيمن على الجولة الثانية من الحوار السوداني-السوداني
العامل العسكري وتأثيره على العملية السياسية
أثبتت التجارب الدولية أن فرص نجاح الوساطات ترتبط غالباً بوجود درجة معينة من الاستقرار الميداني.
في السودان، أدى استمرار العمليات العسكرية واتساع رقعة الاشتباكات إلى تقويض العديد من الجهود السياسية. فكل تصعيد جديد كان ينعكس بشكل مباشر على المناخ التفاوضي، ويزيد من صعوبة بناء الثقة بين الأطراف.
كما أن التغيرات المستمرة في خريطة السيطرة الميدانية جعلت حسابات الأطراف أكثر تعقيداً، وأثرت على استعدادها للانخراط في تسويات طويلة الأمد.
البعد الإنساني كأولوية مؤجلة
رغم أن الأزمة الإنسانية في السودان تعد من بين الأكبر عالمياً، فإن الجهود الرامية إلى حماية المدنيين وتسهيل وصول المساعدات واجهت بدورها تحديات كبيرة.
ففي كثير من الأحيان، كانت الاعتبارات العسكرية والسياسية تطغى على الأولويات الإنسانية، ما أدى إلى تعثر تنفيذ بعض الاتفاقات المتعلقة بالممرات الآمنة ووقف إطلاق النار المؤقت.
وقد انعكس ذلك على أوضاع ملايين السودانيين الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة ظروف معيشية وأمنية شديدة الصعوبة.
أزمة الثقة بين الأطراف
يشكل انعدام الثقة أحد أكبر العوائق أمام أي عملية سلام.
فالأطراف المتنازعة لا تختلف فقط حول تفاصيل الحل السياسي، بل تختلف أيضاً حول تفسير الأحداث السابقة وضمانات تنفيذ أي اتفاق مستقبلي.
وفي غياب آليات فعالة للمراقبة والتنفيذ، يصبح من الصعب بناء أرضية مشتركة تسمح بالانتقال من مرحلة الحرب إلى مرحلة التسوية.
-
تمويل الآلة العسكرية على حساب بطون الجياع.. كيف تدفع سياسات الجيش الإنسانية في السودان نحو الهاوية؟
-
الجيش السوداني مجرد أداة لتنفيذ برامج الإخوان المسلمين
الحاجة إلى مقاربة أكثر شمولاً
تشير العديد من الدراسات إلى أن نجاح أي عملية سياسية في السودان يتطلب مقاربة شاملة تتجاوز مجرد وقف إطلاق النار.
فالحل المستدام يحتاج إلى معالجة القضايا المتعلقة بالحكم والاقتصاد والأمن والعدالة الانتقالية، إضافة إلى إشراك مختلف المكونات السياسية والاجتماعية في صياغة مستقبل البلاد.
كما أن التنسيق بين الفاعلين الإقليميين والدوليين يبقى عاملاً أساسياً لضمان دعم العملية السياسية وعدم تحولها إلى ساحة تنافس بين المبادرات المختلفة.
تكشف التجربة السودانية أن الوساطة السياسية لا تعتمد فقط على وجود الرغبة الدولية في إنهاء النزاع، بل تتطلب أيضاً توافقاً حول الأولويات، وتنسيقاً بين الوسطاء، واستعداداً من الأطراف المتحاربة للانخراط في تسوية حقيقية.
ورغم الصعوبات التي واجهت الجهود الدبلوماسية حتى الآن، فإن الحاجة إلى حل سياسي تظل أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، ليس فقط من أجل السودان، بل أيضاً من أجل استقرار منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر بأكملها.
-
الكشف عن عقوبات دولية في جنوب السودان
-
الجيش السوداني يرفض أي وساطات خارجية لوقف الحرب
-
مخططات الإخوان لإسقاط السودان بمستنقع الفوضى
