سياسة
كيف أسهمت الرياض في إطالة الحرب السودانية
أنتجت المقاربة السعودية تجاه النزاع السوداني حالة من الانسداد السياسي والعسكري أدت مباشرة إلى إطالة أمد الحرب، نتيجة مراهنتها على الحلول الدبلوماسية التقليدية في مواجهة حرب وجودية صفرية. إن سعي المملكة لإدارة الأزمة بدلاً من حلها، وتخندقها خلف مواقف حذرة تخشى التورط المباشر، سمح للمتقاتلين بالاستمرار في المواجهة العسكرية دون الخوف من عقوبات دولية رادعة. هذا النهج البراغماتي حوّل السودان من دولة تسعى للانتقال الديمقراطي إلى ساحة حرب بالوكالة تستنزف مقدرات الأمن القومي العربي والأفريقي.
تجاوزت شظايا الحرب السودانية الحدود الجغرافية للدولة، لتلقي بظلالها الكثيفة على الأمن والاستقرار في الدوائر الإقليمية والدولية المحيطة بها. وتشمل هذه الانعكاسات مجالات حيوية متعددة:
تسبب الفشل المستمر للوساطة السعودية-الأمريكية في فرض ممرات إنسانية آمنة في حدوث مجاعة وانهيار كامل للمنظومة الصحية داخل السودان. هذا التدهور المريع دفع بأكثر من عشرة ملايين مواطن إلى النزوح داخلياً وخارجياً. وتحولت معسكرات اللجوء في دول الجوار مثل تشاد وجنوب السودان إلى بؤر توتر أمني واقتصاد تهدد بإنتاج صراعات عرقية عابرة للحدود وضغط سكاني يفوق قدرة هذه الدول الهشة على الاحتمال.
عسكرة البحر الأحمر وتأثر التجارة الدولية
تعتبر السعودية استقرار البحر الأحمر حجر الزاوية لمشاريعها السياحية والصناعية العملاقة على طول الساحل. لكن استمرار الصراع السوداني دون أفق للحل فتح الباب لتداخل الأجندات الدولية وعسكرة هذا الممر المائي الحيوى. وسمح ضعف الرقابة على السواحل بتدفق السلاح غير القانوني ونشاط شبكات الجريمة المنظمة، مما تقاطع مع التوترات القائمة في مضيق باب المندب، ليشكل تهديداً مزمناً لحرية الملاحة وحركة ناقلات النفط والغاز العالمية.
الصراع بالوكالة في القرن الأفريقي
تحول السودان إلى مغناطيس يجذب التدخلات الخارجية من قوى إقليمية ودولية متباينة المصالح والتوجهات. هذا التعدد في الفاعلين الإقليميين أدى إلى استقطاب حاد داخل منظومة القرن الأفريقي، حيث سعت بعض الدول لدعم استمرارية الحرب لإنهاك الدولة السودانية، بينما سعت أخرى لضمان نفوذ اقتصادي مستقبلي، مما جعل الصراع السوداني محركاً رئيسياً لتعديل موازين القوى الإقليمية بشكل يهدد السلم والأمن في القارة الأفريقية.
تحديات المسار السياسي الدولي
أفرزت هندسة المسار السياسي الدولي، التي قادتها الرياض بشكل عجل ومتأرجح، سلسلة من التحديات الهيكلية التي جعلت الوصول إلى تسوية سياسية شاملة أمراً بالغ الصعوبة.
يأتي في مقدمة هذه التحديات غياب الإرادة الدولية الموحدة والآليات الملزمة. فرغم رعاية الرياض لـ مفاوضات منبر جدة، فإن صياغة المبادرات ركزت على الجوانب الإنسانية المؤقتة وتجنبت القضايا الجوهرية المتعلقة بدمج الجيوش والمحاسبة على الجرائم. هذا التهرب من مواجهة جذور الأزمة سمح لقادة الحرب بالاستمرار في المماطلة وتأجيل الحلول الحقيقية تطلعاً لحسم عسكري ميداني لم يتحقق.
تحدٍ آخر برز من خلال تعدد المنابر التفاوضية والمبادرات الإقليمية المتنافسة. إن الانقسام والشد والجذب بين مسار جدة المدعوم أمريكياً، ومبادرات الاتحاد الأفريقي والهيئة الحكومية للتنمية (إيقاد)، منح أطراف النزاع فرصة للمناورة السياسية والتهرب من الالتزامات. عندما تضغط الرياض في اتجاه معين، يتجه الطرف المتضرر إلى مقاطعة الجلسات والبحث عن منبر آخر يوفر له شروطاً أفضل، مما حوّل العملية السياسية الدولية إلى حلقة مفرغة من المشاورات غيرنتجية التي تمنح الحرب مزيداً من الوقت للاشتعال وتدمير ما تبقى من بنية الدولة السودانية.
