حصري

حدود ملتهبة وكتائب نحو اليمن وصراع على المناصب.. هل يتحول السودان إلى بؤرة أزمات إقليمية؟


اتهامات إثيوبية بشأن تيغراي، وتحذيرات تشادية من الاعتداءات الحدودية، وتقارير عن تحركات عسكرية باتجاه اليمن، تتزامن مع خلافات على تشكيل الحكومة وتوزيع النفوذ بين الحركات المسلحة، في مشهد يكشف تداخل الأزمة السودانية مع حسابات الأمن الإقليمي.

لم تعد تداعيات الحرب السودانية محصورة في ساحات القتال أو في التنافس على مؤسسات الحكم، بل باتت تتشابك مع ملفات إقليمية شديدة الحساسية، تمتد من البحر الأحمر إلى الحدود الإثيوبية والتشادية، وصولاً إلى التطورات الأمنية المرتبطة باليمن. وفي الوقت نفسه، تتصاعد الخلافات داخل معسكر بورتسودان بشأن توزيع المناصب الحكومية وتشكيل قوات جديدة، بما يثير تساؤلات حول قدرة القيادة العسكرية على ضبط التحالفات التي تعتمد عليها في الحرب، ومنع انتقال التوترات الداخلية إلى علاقات السودان مع جيرانه.

وتقدم التطورات التي تناولتها حلقتان تحليليتان صورة لمشهد تتداخل فيه التحركات الدبلوماسية مع الحسابات العسكرية، بينما تواجه حكومة كامل إدريس تحديات اقتصادية وسياسية متزايدة. فالتعثر في علاقات البرهان الخارجية، والجدل حول لقاء العلمين مع مسعد بولس، وتأجيل الزيارة إلى الرياض، كلها تطورات تأتي في وقت تتزايد فيه الضغوط على معسكر بورتسودان لإيجاد مخرج من الحرب، وسط خلافات داخلية بشأن مستقبل السلطة وطبيعة التسوية المطلوبة.

إثيوبيا تتهم بورتسودان.. وملف تيغراي يرفع منسوب التوتر

من أبرز التطورات الإقليمية التي تناولتها الحلقة الأولى اتهامات إثيوبية لحكومة بورتسودان بالتورط في تسليح وتدريب قوات من إقليم تيغراي، بهدف دعم تحركات معارضة للحكومة الإثيوبية. وإذا ثبتت هذه الاتهامات، فإنها ستعني اتساع نطاق المخاوف المرتبطة بالحرب السودانية، وانتقالها من تداعيات إنسانية وأمنية داخل الحدود إلى احتمالات التأثير في التوازنات السياسية والعسكرية لدول الجوار.

وتكتسب هذه الاتهامات حساسية خاصة بالنظر إلى طبيعة العلاقات بين السودان وإثيوبيا، وتشابك الملفات الحدودية والأمنية بين البلدين. فوجود اتهامات متبادلة بشأن دعم قوى مسلحة قد يضعف الثقة بين الحكومتين، ويزيد من احتمالات التصعيد الدبلوماسي أو الأمني، خصوصاً إذا ارتبطت هذه المزاعم بتحركات ميدانية أو ترتيبات عسكرية عبر الحدود.

لكن تحديد حقيقة الاتهامات يتطلب الاطلاع على التصريحات الإثيوبية الأصلية، وموقف الحكومة السودانية، والأدلة التي استند إليها كل طرف. فمجرد صدور اتهام رسمي لا يكفي وحده لإثبات التورط، كما أن غياب المعلومات المستقلة قد يترك المجال مفتوحاً أمام توظيف القضية في الصراع السياسي الإقليمي. ومع ذلك، فإن استمرار مثل هذه الاتهامات يسلط الضوء على حجم المخاطر التي قد تترتب على عسكرة العلاقات بين دول الجوار في ظل الحرب السودانية.

تشاد تحذر من الاعتداءات الحدودية

وفي الجبهة الغربية، تناولت الحلقة تحذيرات للرئيس التشادي خلال خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، قال فيها إن بلاده سترد على أي اعتداءات تطال أراضيها، عقب عمليات قصف سودانية قالت نجامينا إنها وقعت داخل الحدود التشادية.

ويحمل هذا التطور دلالات أمنية مهمة، لأن الحدود بين السودان وتشاد تقع في نطاق إقليمي يتأثر بالحرب والنزوح والتحركات المسلحة، ما يجعل أي حادث عسكري مصدراً محتملاً لتصعيد أوسع. كما أن انتقال الخلافات إلى المستوى الرسمي بين الحكومتين قد يعقد جهود التنسيق الحدودي ويزيد من المخاطر التي تواجه المدنيين والمجتمعات المحلية القريبة من مناطق التوتر.

وتحتاج تفاصيل عمليات القصف ومواقعها وتوقيتها والجهة المسؤولة عنها إلى التحقق من مصادر مستقلة، مع عرض المواقف الرسمية للطرفين. غير أن التحذير التشادي، وفق ما ورد في التفريغ، يعكس حساسية الوضع الحدودي، ويشير إلى أن استمرار الحرب قد يضع علاقات السودان مع دول الجوار أمام اختبارات إضافية.

ولا تنفصل هذه التطورات عن المسار الدبلوماسي الأوسع الذي تناولته الحلقة الأولى. فبينما يسعى البرهان إلى إعادة ترتيب علاقاته مع واشنطن والرياض، تفرض الاتهامات الإقليمية عليه تحدياً إضافياً يتمثل في تجنب فتح جبهات توتر جديدة في وقت تستنزف فيه الحرب الموارد العسكرية والاقتصادية. كما أن أي تصعيد مع إثيوبيا أو تشاد قد يزيد من تعقيد البيئة الأمنية المحيطة بالسودان، ويجعل الوصول إلى تسوية أكثر صعوبة.

السعودية والبحر الأحمر واليمن.. حسابات تتجاوز حدود السودان

وفي سياق التحركات الإقليمية، تناولت الحلقة الأولى طلب البرهان زيارة عاجلة إلى السعودية، قبل الإشارة إلى تأجيلها إلى موعد لاحق. كما تحدثت عن محاولات لإحياء ملف ترسيم الحدود البحرية في البحر الأحمر، وطرحت احتمال استخدامه لتعزيز فرص التفاهم مع الرياض.

ويُعد البحر الأحمر أحد أهم الممرات البحرية في المنطقة، بالنظر إلى ارتباطه بالتجارة الدولية والموانئ وأمن الملاحة. ومن ثم، فإن الملفات المرتبطة بالحدود البحرية والتعاون الأمني تكتسب أهمية استراتيجية للدول المطلة عليه. لكن ربط هذه الملفات بصفقات سياسية محددة، أو استنتاج وجود تنازلات بشأن حلايب وشلاتين، يحتاج إلى أدلة مباشرة، ولا يمكن استخلاصه تلقائياً من مجرد تداول ملف الحدود البحرية.

كما تحدث التفريغ عن تقارير بشأن مساعٍ لإرسال كتائب إسلامية تقاتل إلى جانب الجيش السوداني للمشاركة في حماية الحدود الجنوبية للسعودية من تهديدات الحوثيين في اليمن، مع الإشارة إلى تشكيلات من بينها كتيبة البراء بن مالك وقوات العمل الخاص. ووفق القراءة التي قدمتها الحلقة، فإن مثل هذا التحرك قد يحقق مكاسب سياسية للقيادة السودانية، فضلاً عن احتمال توفير موارد مالية للمقاتلين.

غير أن هذه المعلومات تحتاج إلى تأكيد مستقل بشأن وجود اتفاق فعلي، وطبيعة القوات التي قد تشارك، والجهة التي ستتولى قيادتها، والإطار القانوني والسياسي لأي مهمة خارج الأراضي السودانية. فالتقارير عن تحركات عسكرية محتملة لا ينبغي التعامل معها باعتبارها وقائع مكتملة، خصوصاً في ملفات تتصل بأمن الحدود والتدخلات الإقليمية.

وتكشف هذه القضية عن جانب آخر من تعقيدات الحرب: فالتشكيلات التي تشارك في القتال داخل السودان قد تكون جزءاً من حسابات تحالفات أوسع، لكن توسيع نطاق نشاطها إلى الخارج، إذا حدث، قد يفتح الباب أمام تحديات جديدة تتعلق بالقيادة والتمويل والمساءلة. كما أن ربط المصالح الإقليمية بحسابات الحرب الداخلية قد يجعل أمن المنطقة أكثر تأثراً بمآلات الصراع السوداني.

كامل إدريس يعيد ترتيب الحكومة.. والحركات المسلحة تتمسك بنفوذها

في الداخل، تتزايد الخلافات بشأن توزيع المناصب وتشكيل الحكومة، وفق ما تناولته الحلقتان. فقد تحدث التفريغ عن تحركات يقودها كامل إدريس لتشكيل حكومة جديدة، وسط انتقادات لأداء الحكومة في ظل التدهور الاقتصادي وتراجع الخدمات الأساسية. كما أشار إلى مطالب منسوبة إليه تدعو الحركات المسلحة إلى التنازل عن بعض المناصب لمصلحة تشكيلات أخرى تقاتل إلى جانب الجيش، من بينها قوات درع السودان بقيادة أبو عاقلة كيكل.

وبحسب الرواية الواردة في الحلقة الأولى، قوبلت هذه التحركات برفض من الحركات المسلحة التي ترى أن إعادة توزيع المناصب تمس حصتها في السلطة. ويكشف هذا الخلاف عن التحدي الذي تواجهه حكومة بورتسودان في إدارة تحالف يضم مكونات متعددة، لا تتطابق بالضرورة مصالحها بشأن التمثيل السياسي أو توزيع الموارد أو مستقبل الترتيبات العسكرية.

فالمشاركة في الحرب لا تعني بالضرورة الاتفاق على شكل الحكم بعد انتهائها، كما أن التحالفات التي تتأسس على مواجهة خصم مشترك قد تواجه صعوبة في الاستمرار عندما يتعلق الأمر بتوزيع المناصب والنفوذ. وفي غياب قواعد واضحة لإدارة الخلافات، يمكن أن تتحول إعادة تشكيل الحكومة إلى ساحة جديدة للصراع بين الأطراف المتحالفة.

تشكيلات جديدة وتحذيرات من حرب داخل الحرب

وتزداد هذه الخلافات تعقيداً مع ما ورد في التفريغ عن تحركات لتأسيس تشكيلات مسلحة جديدة، بينها ما سُمي «درع الغرب»، مع مطالبات بالحصول على نصيب من السلطة. وأشارت الحلقة إلى أسماء من بينها النور قبة وسافنة في سياق هذه التحركات، معتبرة أن التنافس على إنشاء كيانات مسلحة جديدة قد يزيد من تفتت مراكز القوة داخل معسكر بورتسودان.

وإذا تأكدت هذه التطورات، فإنها ستطرح أسئلة صعبة بشأن مستقبل القيادة العسكرية، وحدود قدرة الدولة على ضبط التشكيلات التي تقاتل إلى جانب الجيش. فتعدد القوات المسلحة ذات الولاءات والمصالح المختلفة قد يعقد عمليات التنسيق الميداني، ويزيد صعوبة بناء مؤسسة أمنية موحدة في المستقبل، كما قد يفتح المجال أمام خلافات جديدة على مناطق النفوذ والموارد.

وفي هذا السياق، تناولت الحلقة تحركات مني أركو مناوي عقب عودته من نيويورك، مشيرة إلى تنظيم حشد لاستقباله في الخرطوم، وصفته بأنه محاولة لإظهار حجم التأييد القبلي والسياسي الذي يتمتع به. كما نقلت عنه انتقادات لتشكيل مجموعات مسلحة جديدة، وتحذيراً من أن هذه التشكيلات قد تقود إلى حرب أخرى.

وتحدث التفريغ أيضاً عن اعتراف مناوي بإخفاق وفد بورتسودان في تحقيق اختراق دبلوماسي خلال وجوده في نيويورك، مع إشارته إلى أدوار قال إن بعض الدول لعبتها. ويعكس هذا الموقف، وفق ما ورد في الحلقة، وجود تباينات داخل المعسكر نفسه بشأن جدوى التحركات الخارجية وطريقة إدارة الحرب. لكن تقييم حجم الإخفاق الدبلوماسي يحتاج إلى مراجعة نتائج اللقاءات والتصريحات الرسمية، وليس الاكتفاء بالتوصيفات السياسية.

بين تعثر الدبلوماسية وتفكك التحالفات

تتقاطع هذه الملفات مع أزمة البرهان الخارجية، بدءاً من رفض التأشيرة الأمريكية إلى الجدل بشأن لقاء العلمين وتأجيل زيارة الرياض. فكلما ازدادت الضغوط الدولية والإقليمية، برزت الحاجة إلى تماسك داخلي يسمح للقيادة باتخاذ قرارات واضحة بشأن الحرب والتفاوض. لكن الخلافات حول المناصب، والتنافس بين التشكيلات المسلحة، والاتهامات المتبادلة مع دول الجوار، كلها عوامل قد تضيق هامش الحركة أمام بورتسودان.

كما أن نجاح أي مسار دبلوماسي يتطلب أكثر من تأمين لقاءات مع المسؤولين الدوليين أو فتح ملفات استراتيجية مع الدول الإقليمية. فالتسوية تحتاج إلى تفاهمات قابلة للتنفيذ، والتزامات واضحة من الأطراف المسلحة، وآليات تمنع انهيار الاتفاقات بفعل الصراعات الداخلية. أما استمرار التنافس على النفوذ، فقد يحول كل مبادرة خارجية إلى محطة مؤقتة لا تغير مسار الحرب.

وفي المحصلة، تكشف التطورات التي تناولتها الحلقتان عن أزمة تتجاوز المواجهة العسكرية، لتشمل مستقبل علاقات السودان مع جيرانه، وطبيعة تحالفاته الإقليمية، والتوازنات داخل معسكر بورتسودان. وبين اتهامات حدودية وتقارير عن تحركات عسكرية محتملة وخلافات على تشكيل الحكومة، يبقى التحدي الأساسي هو منع اتساع رقعة الصراع، وحماية المدنيين، وفتح الطريق أمام تسوية تنهي الحرب وتعيد بناء مؤسسات الدولة على أسس أكثر استقراراً.

زر الذهاب إلى الأعلى