دماء تحت أنقاض الذهب: تفاصيل ليلة الرعب في مناجم جبل العقيدات وشهادات الناجين
تحولت آمال آلاف العمال السودانيين في كسب عيشهم من التنقيب التقليدي عن الذهب في صحراء ولاية نهر النيل إلى كابوس مرعب، بعد أن استيقظوا على دوي انفجارات هائلة هزت جبال التعدين العشوائي في منطقتي “شمال الوادي” و”العقيدات”. في تمام الساعة السادسة من صباح يوم الثلاثاء، شنت طائرات مسيرة وطائرات حربية هجوماً مكثفاً بأربعة صواريخ وقنابل متفجرة استهدفت مباشرة تجمعات المعدنين ومراكز إقامتهم المؤقتة وآبار التنقيب.
المنطقة المستهدفة، التي تضم مواقع “الجبل الأحمر” و”الجبل الأبيض” و”العقيدات”، تعد ملاذاً لأكثر من 6 آلاف معدن أهلي نزحوا من مختلف الولايات السودانية التي طحنتها الحرب، بالإضافة إلى عمال وافدين من دولة تشاد المجاورة. الهجوم أسفر في حصيلته الأولية الموثقة عن مقتل أكثر من 30 شخصاً وإصابة ما يزيد عن 50 آخرين بجروح متفاوتة الخطورة، في حين لا تزال عشرات الجثث والأشلاء متفحمة وتحت الأنقاض نظراً لضعف إمكانيات الإنقاذ المحلية.
شهادات حية من قلب المحرقة
يروي المعدن السوداني “النذير إسحق محمد”، أحد الناجين من موقع القصف، تفاصيل الأيام المأساوية التي سبقت المجزرة. يقول النذير إن طائرات استطلاع حربية كانت تحلق بشكل دوري ومكثف فوق آبار الذهب على مدار أسبوع كامل، وقامت بالتقاط صور دقيقة للموقع وتجمعات العمال والشاحنات. ويضيف: “كنا نظنها عمليات مراقبة حدودية روتينية، لكننا تفاجأنا بعودتها فجراً وإطلاقها ثلاثة صواريخ غادرة ومستهدفة بشكل مباشر خيام النوم السطحية والآبار التي كان يتواجد بداخلها العمال”.
ناجٍ آخر، يدعى “عبد الرحمن سليمان”، وصف الوضع الإنساني بالمنطقة عقب الغارات بالـ “كارثي”. وأوضح سليمان أن القصف أحدث حالة من الذعر والهلع الجماعي، ما دفع آلاف المعدنين إلى الفرار عشوائياً نحو الجبال والوديان القاحلة المحيطة بالمنطقة خوفاً من تجدد الضربات الجوية أو حدوث اجتياح بري. وأكد أن فرق البحث الأهلية المكونة من المتطوعين وسكان القرى المجاورة واجهت صعوبات بالغة في إجلاء المصابين بسبب وعورة الطرق واستهداف بعض الشاحنات التي حاولت نقل المدنيين.
فيما كشف المواطن “علي سليمان إبراهيم” عن حجم الفاجعة التي حلت بعائلته جراء هذا القصف؛ حيث فقد ستة من أفراد أسرته دفعة واحدة كانوا يعملون في منجم العقيدات. ونعى إبراهيم ضحايا عائلته بالأسماء وهم: “بشير دفع الله السيد، الطيب جردول، جعفر إبراهيم، سيف الدين التومي، أحمد الهادي، ومنصور النظيف”، والذين قُتلوا على الفور داخل خيامهم قبل أن يتمكنوا من الاحتماء بالجبل.
تحديات الإجلاء والبحث عن المفقودين
المنطقة الجغرافية التي وقعت فيها الغارات تتميز بطبيعتها الصحراوية النائية جافّة التضاريس، مما زاد من تعقيد الوضع الإنساني للمصابين والعالقين. المواطنون المحليون اضطروا إلى استخدام سيارات الدفع الرباعي الشخصية لانتشال الجرحى ونقلهم لمسافات طويلة باتجاه “سوق الأنصاري” بمحلية أبو حمد، ومن ثم جرى تحويل الحالات الحرجة عبر شاحنات كبيرة إلى مستشفيات مدينة عطبرة بولاية نهر النيل لتلقي الإسعافات العاجلة.
منظمات حقوقية محلية، من بينها “[منظمة مناصرة ضحايا دارفور] و”التحالف السوداني للحقوق”، أصدرت نداءات استغاثة عاجلة للوكالات الإنسانية والصليب الأحمر الدولي لمساعدتها في تمشيط الصحراء. وأشارت المنظمات إلى أن هناك مخاوف حقيقية من وفاة عشرات المعدنين الفارين عطشاً وضياعاً في وديان “وادي العلاقي” وسلسلة جبال البحر الأحمر بعد أن تشتتوا في الصحراء دون ماء أو مأوى إثر الهجوم الصاروخي والبري.
