سياسة

روسيا أمام معضلة التجنيد.. الجبهات تطلب مزيدا من المتطوعين


تواجه روسيا أزمة متصاعدة في التجنيد مع استمرار حرب أوكرانيا، وارتفاع كلفتها البشرية.

زأما هذا التحدي  وسعت السلطات الروسية نطاق الضغوط وعمدت إلى مداهمات أماكن العمل، والشوارع واستهداف فئات محددة عبر إجراءات قانونية وأمنية لدعم الجبهات بمجندين جدد. 

وتأتي هذه التدابير في وقت تتراجع فيه قدرة موسكو على الحفاظ على تفوق عددي مستقر في ساحة المعركة، بينما تشير تقديرات غربية، وفق صحيفة «فايننشال تايمز»، إلى خسائر روسية تتجاوز 30 ألف جندي شهرياً.

أشار التقرير إلى أن الكرملين يتبنى استراتيجية تقوم على تحمل خسائر بشرية كبيرة مقابل تحقيق مكاسب ميدانية محدودة، بدلاً من إجراء تغيير جوهري في طريقة إدارة الحرب. 

ورغم التقدم الروسي في أجزاء من دونباس، تشير تقديرات معهد دراسة الحرب إلى أن صافي المساحات التي سيطرت عليها القوات الروسية منذ بداية العام لا يتجاوز 81 كيلومتراً مربعاً، بعد احتساب الأراضي التي استعادت القوات الأوكرانية السيطرة عليها خلال هجمات مضادة.

التجنيد.. معضلة روسية مع جوع الجبهات لمتطوعين - صورة 1

ويحذر محللون من أن استمرار هذا النهج قد يؤدي إلى إنهاك الوحدات الروسية وتقليص قدرتها على شن عمليات هجومية واسعة، خصوصاً في ظل ما يصفونه بفشل موسكو في التكيف بصورة كافية مع التكتيكات الدفاعية الأوكرانية.

حوافز مالية ضخمة.. وضغوط متزايدة لسد فجوة التجنيد

وفي محاولة لتعويض عزوف المتطوعين، رفعت السلطات الروسية المكافآت المالية للمجندين إلى نحو 4.5 مليون روبل، أي ما يقارب 56 ألف دولار، إلى جانب حوافز مالية لمن ينجحون في تجنيد آخرين. 

غير أن هذه الحوافز لم تكن كافية لسد الفجوة، ما دفع السلطات المحلية إلى تكثيف الضغوط لتحقيق حصص تجنيد كبيرة، تصل، وفق تقديرات متداولة، إلى نحو 409 آلاف مجند خلال العام.

وتشير تقارير من مناطق روسية عدة، بينها بينزا وأوليانوفسك، إلى تنفيذ الشرطة حملات تفتيش في أماكن العمل والشوارع، واقتياد رجال إلى مكاتب التجنيد، حيث يتعرض بعضهم لضغوط من أجل توقيع عقود عسكرية. 

كما تستهدف السلطات الأفراد الذين حصلوا على قروض ولم يتمكنوا من السداد، أو يواجهون تحقيقات جنائية، إلى جانب المسرحين حديثاً من الخدمة العسكرية. 

وفي إقليم خاباروفسك، أجرت الشرطة نحو 2500 «محادثة» مع مواطنين خلال العام الماضي، انتهت بإقناع 32 شخصاً بالتسجيل في الجيش، وفق تقارير محلية.

استدعاءات وهروب.. ومخاوف من تعبئة جديدة

وسعت مكاتب التجنيد استخدام الاستدعاءات على مدار العام، مستفيدة من صلاحيات جديدة تشمل فئات لم تكن مستهدفة سابقاً، بما فيها بعض النساء ذوات المهارات الطبية أو الفنية. 

ويقول نشطاء إن هذه الاستدعاءات تُستخدم أحياناً وسيلة للضغط والترهيب، بما في ذلك ضد ناشطين وشخصيات تنتقد السلطات.

التجنيد.. معضلة روسية مع جوع الجبهات لمتطوعين - صورة 2

في المقابل، انعكست الضغوط المتزايدة على معنويات القوات، إذ أُدين ما لا يقل عن 28 ألف جندي بتهم مرتبطة بالفرار من الخدمة، بينما تشير تقديرات إلى أن العدد الفعلي قد يكون أكبر بكثير. 

وتتزايد في الداخل الروسي المخاوف من احتمال اللجوء إلى تعبئة جديدة بعد انتخابات مجلس الدوما المقررة في سبتمبر/أيلول، ما دفع بعض المواطنين إلى الاستعداد مبكراً للسفر إلى الخارج تحسباً لارتفاع أسعار التذاكر وتشديد إجراءات السفر، كما حدث عقب إعلان التعبئة الجزئية عام 2022.

ويحذر محللون من أن استمرار أزمة التجنيد قد يؤدي تدريجياً إلى تقليص حجم القوات المتاحة للعمليات وإضعاف القدرة الهجومية الروسية. وحتى مع إعلان موسكو تجنيد نحو 200 ألف رجل خلال النصف الأول من العام، فإن إرسال أعداد كبيرة منهم مباشرة إلى الجبهة يحرم الجيش من بناء احتياطيات كافية.

ويرى خبراء، بينهم مايكل كوفمان من مؤسسة كارنيغي، أن تضخم حجم الجيش لا يعني بالضرورة زيادة فعاليته، إذ قد يؤدي إلى تشتت القوات وتعقيد عمليات القيادة والتنسيق. 

وهكذا تجد موسكو نفسها أمام معادلة صعبة، تتمثل في الحاجة المستمرة إلى مزيد من الجنود لمواصلة الحرب، في مقابل مجتمع يزداد نفوره من التعبئة، وهو تناقض قد يتحول إلى أحد أبرز العوامل المؤثرة في مسار الحرب خلال المرحلة المقبلة.

زر الذهاب إلى الأعلى