أعلنت قوات ألوية العمالقة، الموالية للحكومة اليمنية، الثلاثاء، ضبط شحنة يُشتبه في احتوائها على معدات مخصصة لتصنيع الطائرات المسيّرة والزوارق الانتحارية، كانت على متن قارب في مضيق باب المندب جنوب غربي اليمن، في عملية جديدة تسلط الضوء على الدور الذي تؤديه شبكات التهريب البحرية في دعم القدرات العسكرية لجماعة الحوثي.
وقالت القوات، في بيان نشرته عبر منصة “إكس”، إنها اعترضت القارب أثناء توجهه نحو سواحل محافظة الحديدة الواقعة تحت سيطرة الحوثيين، موضحة أنه كان يقل ثلاثة بحارة يُشتبه في انتمائهم إلى الجماعة، وقد جرى توقيفهم وإخضاعهم للتحقيق.
وبحسب البيان، ضمت الشحنة معدات متنوعة يُعتقد أنها تدخل في تصنيع الطائرات المسيّرة، من بينها أجهزة حفر هيدروليكية، وخوادم إلكترونية، ورقائق خاصة بتشغيل الطائرات، وأجهزة تحديد المواقع (GPS)، إلى جانب محركات ومعدات تستخدم في تصنيع الزوارق الانتحارية.
وخلال السنوات الماضية، تحول مضيق باب المندب والسواحل المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن إلى أحد أبرز مسارات تهريب الأسلحة والمعدات العسكرية إلى الحوثيين، مستفيدين من اتساع السواحل اليمنية، وتعقيد طبيعة المنطقة، وصعوبة مراقبة حركة القوارب التقليدية الصغيرة.
وتشير تقارير أمنية ودولية إلى أن الجماعة تعتمد على شبكة واسعة من وسائل النقل البحري، تشمل المراكب الشراعية وقوارب الصيد والسفن الصغيرة، لنقل مكونات الطائرات المسيّرة والصواريخ والأنظمة الإلكترونية، إضافة إلى قطع الغيار المستخدمة في تصنيع الزوارق المفخخة التي استُخدمت في استهداف سفن عسكرية وتجارية في البحر الأحمر.
ويكتسب باب المندب أهمية استراتيجية بالنسبة للحوثيين، ليس فقط باعتباره أحد أهم الممرات البحرية للتجارة العالمية، بل أيضاً لكونه ممراً رئيسياً لعمليات تهريب الأسلحة والمعدات القادمة عبر البحر الأحمر. وتؤكد السلطات اليمنية أن العديد من عمليات ضبط الشحنات العسكرية خلال السنوات الأخيرة جرت في محيط المضيق، ما يعكس استمرار محاولات إدخال معدات متطورة إلى مناطق سيطرة الجماعة.
وأشاد عضو مجلس القيادة الرئاسي وقائد ألوية العمالقة، عبدالرحمن المحرمي، بما وصفه بـ”الإنجاز الأمني”، داعياً إلى تكثيف الجهود لمكافحة التهريب وتشديد الرقابة على المسارات البحرية التي تستغلها الجماعات المسلحة.
ويرى خبراء أمنيون أن اعتماد الحوثيين على القوارب الصغيرة يمنحهم ميزات تكتيكية، أبرزها صعوبة رصدها مقارنة بالسفن الكبيرة، وسهولة تغيير مساراتها، وقدرتها على الاندماج وسط حركة الصيد والتجارة المحلية، وهو ما يعقد عمليات المراقبة والاعتراض. كما تلجأ شبكات التهريب إلى نقل مكونات منفصلة يجري تجميعها لاحقاً داخل اليمن، بدلاً من تهريب منظومات عسكرية كاملة.
وتؤكد عملية الضبط الأخيرة، وفقاً لما أعلنته قوات العمالقة، استمرار محاولات تهريب المكونات الإلكترونية والمحركات وأجهزة التوجيه التي أصبحت تمثل عناصر أساسية في تطوير الطائرات المسيّرة والزوارق المفخخة، وهي أسلحة يعتمد عليها الحوثيون بشكل متزايد في عملياتهم العسكرية.
ومع تصاعد التوترات الإقليمية، ازدادت أهمية شبكات التهريب البحرية بالنسبة للجماعة، التي كثفت استخدام الطائرات المسيّرة والصواريخ والزوارق المفخخة في هجماتها وتهديداتها للملاحة الدولية في البحر الأحمر، الأمر الذي دفع قوى إقليمية ودولية إلى تعزيز انتشارها البحري لاعتراض شحنات الأسلحة وتأمين أحد أهم الممرات الملاحية في العالم.
ويرى مراقبون أن تكرار ضبط شحنات التهريب في باب المندب يعكس أن المواجهة مع الحوثيين لم تعد تقتصر على العمليات العسكرية المباشرة، بل امتدت إلى حرب استخباراتية ولوجستية تستهدف قطع خطوط الإمداد البحرية التي تمثل أحد أهم مصادر تعزيز قدرات الجماعة.
وفي هذا السياق، تحدثت مصادر حكومية وتقارير صادرة عن مراكز بحثية دولية عن تعاون بين الحوثيين وحركة الشباب الصومالية في مجال تهريب الأسلحة والمشتقات النفطية. ووفقاً لهذه المصادر، تُنقل الأسلحة والوقود إلى مناطق سيطرة الحركة في الصومال، قبل إعادة تهريبها إلى اليمن عبر قوارب خشبية بعد إخفائها وسط شحنات من الماشية، كما تُستخدم قوارب الصيد لنقل الأسلحة من السواحل الصومالية إلى موانئ الحديدة.
وسبق أن أكد تقرير أممي أن الحوثيين يستفيدون من المواد المهربة في تصنيع أسلحة محلياً، تشمل الطائرات المسيّرة والزوارق المفخخة، مشيراً إلى أن شبكات التهريب تعتمد أساليب متطورة للتخفي باستخدام قوارب صغيرة يصعب تعقبها أو مراقبتها.
وفي المقابل، لا تزال جهود مكافحة التهريب تواجه تحديات كبيرة، أبرزها ضعف التنسيق بين القوات الدولية والمحلية، ونقص آليات تبادل المعلومات، فضلاً عن التراجع الكبير في قدرات خفر السواحل اليمنية، التي فقدت جزءاً كبيراً من معداتها منذ اندلاع النزاع، بما في ذلك سفن الدوريات وأنظمة الرادار، وهو ما يحد من قدرتها على تأمين السواحل ويبرز الحاجة إلى مزيد من الدعم في مجالي التجهيز والتدريب.
ويشهد اليمن منذ أبريل/نيسان 2022 هدنة هشة بين القوات الحكومية والحوثيين، رغم استمرار الاشتباكات المتفرقة في بعض الجبهات وحالة الجمود العسكري. وفي حين تتهم الولايات المتحدة إيران مراراً بتهريب الأسلحة إلى الحوثيين، تواصل طهران نفي تلك الاتهامات.
