إيران

من سلاح الميليشيات إلى هرمز.. قاليباف يبحث الملفات الأكثر حساسية في العراق


يبحث رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، خلال زيارته إلى بغداد التي وصلها اليوم الاربعاء، ملفات سياسية وأمنية واقتصادية تتقاطع بصورة مباشرة مع التطورات التي تشهدها المنطقة، وفي مقدمتها مستقبل الملاحة في مضيق هرمز وتداعيات اضطراب حركة تصدير النفط العراقي، إلى جانب قضية سلاح الفصائل المسلحة ومساعي الحكومة لحصره بيد مؤسسات الدولة.

وفي مؤتمر صحفي مع عدنان فيحان النائب الأول لرئيس البرلمان العراقي أفاد قاليباف، أن ما وصفها” المقاومة في العراق أضحت تشكل عنصراً أساسياً من عناصر القوة الوطنية والتقت مع البُعد الإقليمي” في ما وصف ذلك بأنه تدخل في السيادة العراقية.
واشار إلى أن العلاقات بين بغداد وطهران تتجه نحو ترسيخ نظام إقليمي جديد بعيداً عن التدخلات الأجنبية.
وتابع أن “الجميع شهد المقاومة الإيرانية في حرب رمضان، وكذلك عناصر القوة في العراق التي تُعد المقاومة من ضمنها”، مضيفاً أنه “بعد مضي سنوات من التجربة في العراق، تخطت المقاومة حدود البلدين وباتت قوة مؤثرة على المستوى الإقليمي والعالمي”.

كما اجتمع قاليباف برئيس ‌البرلمان العراقي هيبت الحلبوسي الذي دعا لمنح صادرات النفط العراقية عبر مضيق هرمز “خصوصية”.
ووفقا لبيان صادر عن مكتب الحلبوسي، فقد طالب “بمراعاة طبيعة العلاقات التي تربط العراق والجمهورية ‌الإسلامية الإيرانية، وأن تكون للعراق ‌خصوصية فيما يتعلق بتصدير النفط عبر ‌مضيق هرمز، بما يحفظ مصالحه الاقتصادية”

وأوضح أن زيارته الحالية إلى العاصمة بغداد “تأتي في سياق تشكيل النظام الإقليمي الجديد، والإصرار على تعزيز التعاون الثنائي بين جميع دول المنطقة دون أي تدخل أجنبي”.
وتأتي زيارة قاليباف في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة للعراق، الذي يجد نفسه أمام تداعيات مباشرة للحرب والتوترات المحيطة بإيران، ولا سيما ما يتعلق بأمن الممرات البحرية وإمدادات الطاقة. ويمنح موقع العراق الجغرافي واعتماده الكبير على تصدير الخام عبر الموانئ الجنوبية مسألة هرمز أهمية خاصة في حسابات بغداد الاقتصادية والأمنية.
وكان قاليباف قد أكد قبيل وصوله إلى بغداد أن زيارته تستهدف الانتقال بالعلاقات بين البلدين إلى خطوات عملية في مجالات الأمن والتنمية، مشيرا في تدوينة على حسابه بمنصة ” اكس” إلى الروابط التاريخية التي تجمع إيران والعراق. وتأتي تصريحاته في ظل رغبة إيرانية في تعزيز التنسيق مع بغداد بشأن التطورات الإقليمية، بينما تحاول الحكومة العراقية تجنب الانجرار إلى تداعيات الصراع المحيط بها.
ويحتل ملف الملاحة في مضيق هرمز موقعا متقدما في أجندة الزيارة، خصوصا مع تأثير الاضطرابات البحرية على حركة صادرات النفط العراقية. فاقتصاد بغداد يعتمد بصورة كبيرة على العائدات النفطية، بينما تمر النسبة الأكبر من صادرات الخام عبر موانئ جنوب البلاد المطلة على الخليج، ما يجعل استمرار حركة الملاحة في المضيق عاملا حاسما بالنسبة إلى الإيرادات العراقية.
وتسعى بغداد في مواجهة هذه المخاطر إلى توسيع خياراتها التصديرية وعدم الاعتماد على منفذ واحد، من خلال تفعيل مسارات بديلة عبر دول الجوار، ولا سيما تركيا وسوريا، إلى جانب البحث عن ترتيبات تسمح باستمرار حركة صادراتها عبر هرمز. ومن المتوقع أن تثير هذه المسألة نقاشا مع الجانب الإيراني، في ظل ارتباط أمن المضيق بصورة مباشرة بحسابات طهران وبمصالح الدول المطلة على الخليج.
ولا يقتصر القلق العراقي على تصدير النفط، إذ يمكن لأي اضطراب طويل الأمد في الملاحة أن ينعكس على استيراد السلع والطاقة وارتفاع تكاليف النقل والتأمين، وهو ما يضع بغداد أمام ضرورة الحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة مع طهران والدول الأخرى المعنية بأمن الممرات البحرية.
وعلى المسار الأمني، من المنتظر أن يكون مستقبل الفصائل المسلحة العراقية من أكثر الملفات حساسية في لقاءات قاليباف، في وقت تتحرك فيه بغداد لتنفيذ توجه سياسي يقضي بحصر قرار السلاح واستخدام القوة بالمؤسسات الرسمية. وحددت القوى السياسية العراقية الرئيسية نهاية سبتمبر موعدا مستهدفا للمضي في هذا المسار، وسط اختلاف واضح بين الفصائل حول آليات التنفيذ.
وتنظر طهران إلى هذا الملف باعتباره جزءا من معادلة الأمن الإقليمي، فيما تسعى الحكومة العراقية إلى إدارة القضية بطريقة تمنع تحولها إلى صدام داخلي. ومن المتوقع أن ينقل الوفد الإيراني موقف بلاده من الإجراءات التي تتخذها بغداد، خصوصا مع استمرار الضغوط السياسية والأمنية التي تواجهها الفصائل المطالبة بالحفاظ على قدراتها العسكرية.
وكان قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني إسماعيل قاآني قد أجرى خلال الفترة الماضية لقاءات في بغداد مع قادة قوى سياسية وفصائل مسلحة، في وقت تتزايد فيه الضغوط على الحكومة لحسم مسألة السلاح خارج المؤسسات الرسمية. وتأتي زيارة قاليباف لتضيف بعدا سياسيا إلى النقاش، في ظل محاولة بغداد إبقاء الملف ضمن الإطار الوطني وعدم السماح بتحوله إلى امتداد للصراع الإيراني الإقليمي.
وتزداد حساسية الملف بعد سلسلة من التطورات الأمنية الأخيرة، بينها الهجوم الذي استهدف مقر مكتب رئيس حكومة إقليم كردستان مسرور بارزاني، وما يمكن أن يتركه من تداعيات على النقاش بشأن ضبط السلاح ومنع الأنشطة المسلحة التي قد تهدد الاستقرار الداخلي.

ملف استهداف مكتب مسرور بارزاني سيكون له تأثير على الزيارة
ملف استهداف مكتب مسرور بارزاني سيكون له تأثير على الزيارة

ولا تتبنى الفصائل العراقية موقفا موحدا من خطة الحكومة. فبينما أبدت بعض الأطراف استعدادا لإعادة تنظيم وضعها ضمن مؤسسات الدولة، ترفض فصائل أخرى، بينها كتائب حزب الله وحركة النجباء وكتائب سيد الشهداء، التخلي عن سلاحها، وتربط مستقبل قدراتها العسكرية بانسحاب القوات الأجنبية وضمان عدم تعرض العراق لهجمات خارجية.
وتتزامن هذه التطورات مع الاستحقاقات المرتبطة بإنهاء مهمة التحالف الدولي في العراق، الأمر الذي يمنح قضية السلاح بعدا إضافيا في المفاوضات السياسية. وبينما تريد بغداد تثبيت احتكار الدولة للقوة، تسعى بعض الفصائل إلى استخدام ملف الانسحاب الأجنبي كورقة للتمسك بقدراتها العسكرية.
ومن شأن مباحثات قاليباف أن تكشف مدى قدرة بغداد وطهران على إدارة هذه الملفات المتشابكة، خصوصا أن أمن هرمز واستقرار صادرات النفط ومستقبل الفصائل المسلحة أصبحت قضايا مترابطة في حسابات العراق، الذي يحاول الحفاظ على علاقته بإيران دون أن يدفع ثمن التوترات الإقليمية أو يسمح بانعكاسها على أمنه واقتصاده.

زر الذهاب إلى الأعلى