حصري

شح النقد الأجنبي يفتح جبهة اقتصادية جديدة ضد المواطن في مناطق سيطرة سلطة بورتسودان


لم تعد الأزمة الاقتصادية في السودان مجرد أرقام تتعلق بسعر الصرف أو معدلات التضخم، بل تحولت بصورة متزايدة إلى واقع يومي يضغط على حياة المواطنين ويعيد تشكيل تفاصيل المعيشة والعمل والأسواق. ففي مناطق سيطرة سلطة بورتسودان، يبدو أن واحدة من أكثر المشكلات إلحاحاً تتمثل في اتساع الفجوة بين الحاجة إلى النقد الأجنبي لتمويل الواردات وبين محدودية الموارد التي يمكن أن يوفرها الاقتصاد من خلال الصادرات والموارد الأخرى.

وتزداد حدة هذه المشكلة عندما ترتفع فاتورة الاستيراد في وقت لا تستطيع فيه الصادرات توفير تدفقات كافية من العملات الأجنبية. فالاقتصاد الذي يحتاج إلى الدولار لشراء الوقود والغذاء والدواء ومدخلات الإنتاج والسلع الاستهلاكية يجد نفسه أمام معادلة صعبة: طلب متزايد على العملات الأجنبية، مقابل عرض محدود، وهو ما يدفع سعر العملة المحلية إلى مزيد من التراجع ويجعل تكلفة الاستيراد أعلى فأعلى.

هذه المعادلة لا تبقى داخل المؤسسات المالية أو مكاتب المستوردين، وإنما تنتقل بسرعة إلى الأسواق والمنازل. فعندما ترتفع تكلفة الحصول على الدولار، لا يستطيع التاجر الاستمرار في بيع السلعة بالسعر القديم. ويضطر إلى إعادة حساب تكلفة الشراء والنقل والتأمين والرسوم والضرائب، ثم يضيف هامشاً لتعويض المخاطر المرتبطة بالتقلبات. وفي النهاية، يصل المواطن إلى السوق ليجد أن السلعة التي كان يشتريها قبل فترة أصبحت تحتاج إلى دخل أكبر بكثير.

وتكشف هذه الحلقة عن جوهر المشكلة: فضعف القدرة على توليد النقد الأجنبي لا يؤدي فقط إلى صعوبة تمويل الاستيراد، وإنما يؤدي أيضاً إلى انتقال الأزمة إلى سعر الصرف، ثم إلى الأسعار، ثم إلى الأجور، وأخيراً إلى مستوى المعيشة. وكلما طال أمد هذه الحلقة، أصبح الخروج منها أكثر صعوبة.

المواطن يدفع ثمن الاختلال

أخطر ما في الأزمة الاقتصادية هو أن المواطن العادي لا يملك الأدوات التي تمكنه من التحوط أمام انهيار العملة أو ارتفاع تكلفة الواردات. فالتاجر يستطيع، ولو جزئياً، إعادة تسعير بضاعته، بينما يستطيع المستورد تعديل حجم طلباته، لكن الموظف أو العامل الذي يتلقى دخلاً ثابتاً لا يستطيع تعديل راتبه بالسرعة نفسها.

وهنا تتسع الفجوة بين الدخل والأسعار. فالأسرة التي كانت تستطيع شراء مجموعة من المواد الأساسية بدخلها الشهري تجد نفسها مضطرة إلى تقليص الكميات، والاستغناء عن بعض المنتجات، وتأجيل بعض الاحتياجات، والبحث عن بدائل أقل جودة أو أرخص سعراً.

ولا يتوقف الأمر عند الغذاء. فارتفاع تكلفة النقل ينعكس على الذهاب إلى العمل، وعلى نقل البضائع، وعلى الخدمات، وعلى أسعار المنتجات الزراعية والصناعية. وإذا ارتفعت تكلفة الوقود، فإن كل شيء تقريباً يمكن أن يصبح أكثر كلفة، لأن الاقتصاد يعتمد على النقل في معظم حلقاته.

ومن هنا تتحول أزمة النقد الأجنبي إلى أزمة اجتماعية. فكل زيادة في سعر الدولار لا تعني فقط رقماً جديداً في سوق العملات، وإنما قد تعني ارتفاع سعر الدقيق أو الزيت أو السكر، وزيادة أجرة المواصلات، وارتفاع تكلفة الإنتاج بالنسبة إلى صاحب الورشة، وارتفاع سعر المنتج النهائي بالنسبة إلى المستهلك.

ضعف الصادرات يزيد صعوبة المعادلة

تحتاج أي دولة تعتمد على الاستيراد إلى موارد مستمرة من العملات الأجنبية. ويمكن لهذه الموارد أن تأتي من الصادرات أو الاستثمارات أو التحويلات أو مصادر أخرى. لكن عندما تكون القدرة التصديرية ضعيفة أو متضررة، تصبح الواردات عبئاً أكبر على الاقتصاد.

وتشير بيانات التجارة الدولية إلى وجود فجوة كبيرة بين قيمة الواردات والصادرات السودانية في البيانات المتاحة، بما يعكس مشكلة أوسع تتعلق بالميزان التجاري وقدرة الاقتصاد على توفير العملة الأجنبية من النشاط الخارجي.

المشكلة هنا ليست في الاستيراد بحد ذاته. فالسودان يحتاج إلى استيراد سلع أساسية ومدخلات إنتاج ووقود ومواد ضرورية لاستمرار النشاط الاقتصادي. المشكلة هي أن الاقتصاد يحتاج إلى تمويل هذه الواردات في الوقت الذي تتراجع فيه قدرته على تحقيق عائدات تصديرية كافية.

وبالتالي، يصبح السؤال الحقيقي: من أين سيأتي الدولار؟ وإذا لم يكن هناك تدفق كافٍ من الصادرات، فإن السوق يبحث عن مصادر بديلة، فتزداد المنافسة على النقد الأجنبي، وترتفع قيمته، ويصبح الجنيه أكثر تعرضاً للضغط.

تراجع العملة يضاعف الأزمة

تراجع قيمة العملة لا يحدث في فراغ. فعندما يصبح الدولار أكثر تكلفة، ترتفع تكلفة كل سلعة مستوردة أو تعتمد في إنتاجها على مكونات مستوردة. وإذا كان المنتج المحلي يحتاج إلى وقود أو قطع غيار أو مواد خام مستوردة، فإنه يتأثر أيضاً.

وهكذا يصبح الاقتصاد أمام ما يشبه دائرة مغلقة: ضعف الصادرات يقلل تدفق العملات الأجنبية، وشح العملات الأجنبية يضغط على الجنيه، وتراجع الجنيه يرفع تكلفة الاستيراد، وارتفاع تكلفة الاستيراد يرفع الأسعار، وارتفاع الأسعار يضغط على القدرة الشرائية، ثم يؤدي تراجع الطلب إلى إضعاف النشاط التجاري والإنتاجي.

ومع استمرار هذه الدائرة، يصبح المواطن أكثر اعتماداً على دخل إضافي أو أعمال جانبية لمواجهة تكاليف الحياة. كما يصبح أصحاب الأعمال أكثر تحفظاً في الاستثمار والتوظيف، لأنهم لا يستطيعون التنبؤ بتكلفة المدخلات أو السعر الذي سيبيعون به منتجاتهم بعد أسابيع قليلة.

الوقود الحلقة الأخطر

تكتسب أزمة الوقود أهمية خاصة لأنها تضرب الاقتصاد من نقطة حساسة للغاية. فالوقود ليس سلعة استهلاكية عادية، وإنما مدخل أساسي للنقل والزراعة والصناعة والخدمات.

وقد شهد السودان خلال عام 2026 أزمات متكررة في الوقود، ارتبط بعضها بضعف العملة وارتفاع تكلفة الاستيراد والرسوم، فيما اضطرت السلطات إلى التدخل المباشر في استيراد المنتجات النفطية في محاولة للسيطرة على السوق والحد من الضغط على النقد الأجنبي.

وعندما تتأخر مستحقات موردي الوقود أو يصبح تمويل الشحنات أكثر صعوبة، فإن المشكلة لا تتوقف عند محطات الوقود. قد تظهر الطوابير، وتتراجع حركة النقل، وترتفع كلفة الشحن، ثم تنتقل الزيادة إلى أسعار السلع.

وفي اقتصاد يعاني أصلاً من ضعف القدرة الشرائية، تصبح هذه الزيادات شديدة القسوة على الأسر.

الضرائب والقيود على الاستيراد

في محاولة لتخفيف الضغط على العملات الأجنبية، اتجهت السلطات إلى تنظيم الاستيراد وفرض قيود على بعض السلع. وقد أعلنت الحكومة في أبريل 2026 إجراءات لتنظيم حركة الاستيراد وتقليل الاعتماد على الخارج، مبررة ذلك بالحاجة إلى تحقيق توازن أكبر بين الواردات والصادرات.

لكن المشكلة تكمن في أن القيود الإدارية لا تستطيع وحدها حل مشكلة جوهرية تتمثل في ضعف الإنتاج والصادرات. فإذا تم منع أو تقليص استيراد سلعة معينة دون توفير بديل محلي قادر على تغطية الطلب، فإن النتيجة المحتملة تكون نقصاً في المعروض أو ارتفاعاً في الأسعار.

كما أن الضرائب والرسوم المفروضة على السلع المستوردة ترفع تكلفة وصولها إلى المستهلك. وتؤكد القواعد الضريبية السودانية أن السلع المستوردة تخضع للضريبة عند التخليص الجمركي، إلى جانب الرسوم والضرائب الأخرى بحسب طبيعة السلعة.

وبذلك يجد المستورد نفسه أمام عدة تكاليف متراكمة: الدولار، والشحن، والتأمين، والجمارك، والضرائب، والنقل الداخلي، ثم مخاطر تقلب سعر الصرف. وفي النهاية يتحمل المستهلك القسم الأكبر من هذه التكلفة.

الأزمة لم تعد مالية فقط

المشكلة الأساسية أن الأزمة الاقتصادية بدأت تتجاوز حدود المالية العامة والنقد الأجنبي لتصبح أزمة ثقة أيضاً. فالتاجر لا يعرف السعر الذي سيشتري به غداً، والمستهلك لا يعرف ما إذا كان راتبه سيكفي لنهاية الشهر، والمنتج لا يعرف تكلفة مدخلاته المقبلة.

وفي مثل هذه الظروف، لا يكفي الحديث عن ضبط السوق أو الحد من الاستيراد. المطلوب هو معالجة أصل المشكلة: زيادة الإنتاج، واستعادة القدرة التصديرية، وتحسين تدفقات العملات الأجنبية، وتوفير بيئة تسمح للنشاط التجاري والإنتاجي بالاستقرار.

وإلا فإن المواطن سيظل يدفع ثمن كل اختلال جديد في المعادلة الاقتصادية.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتحول الأزمة من حالة استثنائية إلى وضع طبيعي. فعندما يصبح ارتفاع الأسعار متوقعاً، وتراجع العملة أمراً معتاداً، ونقص الوقود جزءاً من الحياة اليومية، يبدأ المجتمع في استنزاف قدرته على الاحتمال.

وهنا يصبح التحدي الحقيقي أمام سلطة بورتسودان ليس فقط إدارة سعر الصرف أو تأمين الواردات، وإنما استعادة الثقة في الاقتصاد نفسه، لأن الاقتصاد الذي يفقد قدرته على حماية القدرة الشرائية لمواطنيه يفقد تدريجياً قدرته على حماية استقراره الاجتماعي أيضاً.

زر الذهاب إلى الأعلى