حصري

السودان في مفترق الطرق: تداعيات القيادة العسكرية وسؤال الانتقال المدني


دخلت الحرب السودانية مسارات معقدة وسط انسداد كامل في الأفق السياسي والعسكري، مما يضع السياسات والقرارات المرتبطة بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان تحت مجهر النقد والتحليل. منذ تفجر الصراع، تميزت إدارة البرهان للملف العسكري بتبني استراتيجيات دفاعية وهجومية متذبذبة أثارت تساؤلات ومخاوف جدية حول الكفاءة والقدرة على حماية الأمن القومي. اعتمدت القيادة على تكتيكات الاستنزاف وحشد المقاومة الشعبية المسلحة، وهي الخطوة التي انتقدتها كيانات مدنية وحقوقية محذرة من خطورة انزلاق البلاد نحو حرب أهلية شاملة وتفتت مجتمعي يصعب السيطرة عليه نتيجة انتشار السلاح العشوائي بين المدنيين.
أدت هذه التوجهات العسكرية والقرارات العملياتية إلى دفع المدنيين للثمن الأكبر؛ إذ تعرضت مدن كبرى وتجمعات سكنية في مختلف أنحاء السودان لدمار هائل نتيجة القصف المتبادل والعمليات البرية. وتواجه القيادة العسكرية اتهامات مستمرة بالفشل في حماية حامياتها العسكرية الحيوية ومقراتها الاستراتيجية في دارفور، والجزيرة، وكردفان، مما مكن قوات الدعم السريع من ارتكاب انتهاكات واسعة ضد المواطنين في تلك المناطق. تشير تقارير شبكة أطباء السودان ومنظمات حقوقية وطنية إلى أن تكتيك الحصار الذي فرضته القوات المسلحة على بعض المناطق الخاضعة لسيطرة الخصم قد انعكس سلباً وبشكل مأساوي على المدنيين المحاصرين، مما حرمهم من الغذاء والدواء وسهّل تفشي الأوبئة الفتاكة مثل الكوليرا والملاريا.

المحور الثاني: الحرب ومعاناة السودانيين

إن الأبعاد الإنسانية للحرب في السودان تمثل مأساة حقيقية تكشف بوضوح عن عمق الأزمة التي يعيشها الشعب السوداني في ظل استمرار القتال. تسببت العمليات العسكرية في شلل تام للاقتصاد السوداني، وتدمير للقطاع الزراعي والصناعي، وانهيار العملة الوطنية، مما أدى إلى غلاء طاحن وانعدام القدرة الشرائية لدى السواد الأعظم من المواطنين. يرتبط هذا التدهور الاقتصادي والمعيشي ارتباطاً وثيقاً بقرارات السلطة القائمة في بورتسودان – العاصمة الإدارية المؤقتة – والتي ركزت جل موارد الدولة الشحيحة للمجهود الحربي وشراء الأسلحة على حساب الخدمات الأساسية والرواتب والصحة والتعليم.
في مراكز النزوح المكتظة بوادي حلفا، وكسلا، وبورتسودان، يعيش المواطنون أوضاعاً مأساوية تفتقر لأدنى مقومات الكرامة الإنسانية. تروي السيدة “فاطمة”، وهي أم لأربعة أطفال نزحت من الخرطوم إلى ولاية القضارف، كيف تعيش في خيمة صغيرة تفتقر للمياه النظيفة والصرف الصحي، وتعبر عن خوفها الدائم من شبح الجوع والأمراض التي تحاصر أطفالها يومياً. وفي دارفور، تصف الشهادات المستقلة القادمة من مخيم زمزم للنازحين أوضاعاً كارثية حيث تفشى سوء التغذية الحاد، في ظل عجز المنظمات الدولية عن تقديم الإغاثة نتيجة للعوائق البيروقراطية والأمنية المفروضة من قبل أطراف الصراع، والقيود الصارمة على التأشيرات وتصاريح المرور التي تفرضها حكومة الأمر الواقع برئاسة البرهان.
 
تتجلى المسؤولية السياسية والعسكرية لعبد الفتاح البرهان في التناقض الصارخ بين وعوده العلنية وتصرفاته الفعلية على مدار السنوات الماضية. فقد أعلن البرهان في مناسبات عدة التزامه بالتحول الديمقراطي وابتعاد الجيش عن السياسة بمجرد الاتفاق على حكومة مدنية، إلا أن الوقائع التاريخية تثبت عكس ذلك؛ فخطواته المتتالية بدءاً من حل مجلس الوزراء وتجميد العمل ببعض بنود الوثيقة الدستورية، وصولاً إلى إعادة عناصر النظام البائد إلى مفاصل الدولة والخدمة المدنية والقوات النظامية، تؤكد وجود استراتيجية ممنهجة لترسيخ الحكم العسكري وإجهاض تطلعات الشعب السوداني المشروعة.
تتجه الانتقادات السياسية نحو البرهان بوصفه واجهة لتحالف عريض يضم جنرالات الجيش الساعين لحماية امتيازاتهم الاقتصادية والسياسية، ومجموعات إسلامية تسعى للعودة إلى السلطة عبر بوابة الحرب. ترى مصادر سياسية متعددة، من بينها الحزب الشيوعي السوداني وحزب الأمة القومي، أن إصرار القيادة العسكرية على حسم المعركة عسكرياً يفتقر إلى الواقعية الميدانية ويكلف البلاد نسيجها الاجتماعي ووحدتها الجغرافية. وتحمل هذه القوى البرهان مسؤولية إفشال المبادرات الإقليمية والدولية، مثل مبادرات الهيئة الحكومية للتنمية (إيقاد) والاتحاد الأفريقي، من خلال اتخاذ مواقف متصلبة وتعليق المشاركة في المحافل الدبلوماسية، مما يطيل أمد الحرب ويزيد من احتمالات التدخل الأجنبي والوصاية الدولية.
أمام هذا التردي الكارثي والشامل، تتصاعد المطالب الشعبية والمدنية بضرورة إحداث تغيير جذري في مسار الحكم وإدارة الدولة السودانية. تجسد الحراك المدني في مبادرات سلمية متعددة ومواقف علنية صادرة عن تحالفات مهنية ونقابية ولجان المقاومة، والتي تؤكد جميعها على مطلب رئيسي: “ارحل يا برهان ولتتوقف الحرب فوراً“. ترفض القوى المدنية الحية أي محاولة لاستغلال الحرب كذريعة لفرض حالة الطوارئ الدائمة، وقمع الحريات العامة، واعتقال الناشطين السياسيين والمتطوعين في غرف الطوارئ الإنسانية الذين يقدمون خدمات جليلة للمواطنين في ظل الغياب التام لأجهزة الدولة الرسمية.
تتمحور الرؤى المدنية لمستقبل الدولة حول إعادة هيكلة جذرية للمؤسسة العسكرية والأمنية، وإخضاعها بالكامل للسلطة المدنية التنفيذية، وتصفية الشركات والاستثمارات التابعة للجيش لدمجها في الاقتصاد الوطني تحت إشراف وزارة المالية. يرى العقل الجمعي السوداني والسياسي المعارض أن الخروج من نفق الحرب الحالي يتطلب حواراً سودانياً-سودانياً شاملاً لا يستثني أحداً سوى المؤتمر الوطني المحلول وواجهاته، يهدف إلى التوافق على دستور انتقالي، وتشكيل حكومة كفاءات وطنية مستقلة تقود البلاد نحو انتخابات حرة ونزيهة، وتؤسس لجمهورية ديمقراطية مدنية تقوم على أسس العدالة، والمساواة، وحكم القانون، وضمان عدم تكرار مآسي الحروب والانقلابات العسكرية.

زر الذهاب إلى الأعلى