رياضة

هزائم المنتخبات العربية تحت المجهر.. محاكمات رقمية على مواقع التواصل


في كل مرة يتعرض فيها منتخب عربي للخسارة، تتكرر الظاهرة ذاتها على منصات التواصل الاجتماعي وفي المجالس العامة. فبدلاً من التعامل مع النتيجة بوصفها جزءاً طبيعياً من المنافسة الرياضية، تنطلق موجات من السخرية والتنمر والانتقادات الحادة، وكأن الهزيمة تحولت إلى جريمة تستوجب العقاب الجماعي.
وربما تختصر المقولة العراقية الشعبية “حب واحجي واكره واحجي” جانباً من العلاقة المتقلبة بين الجماهير العربية ومنتخباتها الوطنية. فالمشجع الذي يرفع لاعبيه إلى مصاف الأبطال عند الانتصار قد يتحول، عند أول تعثر، إلى قاضٍ يصدر الأحكام ومُدّعٍ يطالب بالإدانة. وبين المديح المفرط والهجوم المفرط تضيق مساحة النقد الموضوعي، لتتحول الخسارة الرياضية من نتيجة طبيعية في عالم المنافسة إلى محاكمة شعبية مفتوحة تتجاوز حدود الأداء داخل الملعب إلى التشكيك باللاعبين والمدربين والمنظومة بأكملها.
وفي هذا السياق، حملت عبارة مدرب المنتخب الأردني جمال السلام، عندما قال “من يريد العتاب يعاتبني أنا”، دلالات أعمق من مجرد تحمل المسؤولية الفنية. فالعتاب في الرياضة لا يجب أن يتحول إلى محاكمة للاعبين وحدهم، لأن المشكلة غالباً ما تكون أكبر من خطأ فردي أو فرصة ضائعة. وحتى أكثر المنتقدين حدة يدركون أن الوقوف على أرض الملعب تحت ضغط الجماهير والإعلام ليس بالأمر السهل، وأن اللاعب في النهاية يبذل ما يملكه من جهد وإمكانات.
لكن الأهم من ذلك أن اللاعب الذي يقف اليوم في مرمى الانتقادات ليس سوى الواجهة الأخيرة لمشروع رياضي متكامل، أو لغياب هذا المشروع. لذلك فإن تحميله وحده مسؤولية الإخفاق يمثل تبسيطاً مخلّاً للمشكلة، لأن النتائج التي تظهر على أرض الملعب هي انعكاس مباشر لسنوات من العمل أو التقصير داخل مؤسسات الرياضة، بدءاً من تكوين الناشئين، مروراً بالإدارة والتخطيط، وانتهاءً بقدرة الدولة والمجتمع على توفير بيئة تسمح للموهبة بالنمو والمنافسة عالمياً.
فالمنتخبات الناجحة لا تُبنى في معسكر تدريبي قصير، بل تبدأ من مدارس الكرة والأكاديميات المتخصصة، ومن الاستثمار في اليافعين، واستقطاب الخبرات التدريبية العالمية، وتطوير البنية التحتية الرياضية، وفتح أبواب الاحتكاك المستمر مع المدارس الكروية المتقدمة. كما أن الاستقرار السياسي والاقتصادي يشكل عاملاً أساسياً في صناعة بيئة رياضية صحية تتيح للاعبين والمدربين التفرغ للتطور وتحقيق الإنجازات.
ولعل الحوار الذي دار بين عدد من المشجعين المغاربة ونظرائهم العراقيين عقب خسارة المنتخب العراقي أمام النرويج يقدم نموذجاً مختلفاً في ثقافة التشجيع. فقد كانت الرسالة المغربية بسيطة وعميقة في الوقت ذاته “لا تتنمروا على منتخبكم، فالخسارة واردة في كرة القدم، وساندوا فريقكم في السراء والضراء”. وهي رسالة تعكس فهماً ناضجاً لطبيعة التطور الرياضي، حيث تُبنى الخبرات من مواجهة المنتخبات الكبرى وخوض المنافسات العالمية، لا من الاكتفاء بالبطولات المحلية أو الإقليمية.
ولم يكن المنتخب العراقي وحده هدفاً لموجات التنمر الجماهيري، فقد شهدت منصات التواصل الاجتماعي أيضاً سيلاً من التعليقات الساخرة عقب الخسارة القاسية التي تعرض لها المنتخب القطري أمام كندا في كأس العالم 2026. وبين النقد الفني المشروع والسخرية الجارحة، غابت حقيقة مهمة مفادها أن المنتخب القطري نفسه كان قبل سنوات قليلة نموذجاً عربياً ناجحاً في التخطيط الرياضي بعد تتويجه بكأس آسيا وبنائه مشروعاً كروياً طويل الأمد. فالهزيمة، مهما كانت قاسية، لا تمحو سنوات من العمل ولا تلغي التجارب المتراكمة، كما أن اختزال مسيرة منتخب كامل في نتيجة مباراة واحدة يكشف أزمة في ثقافة التقييم أكثر مما يكشف حقيقة الأداء داخل المستطيل الأخضر.
المنتخبات الكبرى نفسها تعرضت عبر تاريخها لهزائم موجعة وانكسارات ثقيلة، من البرازيل إلى ألمانيا وإسبانيا والأرجنتين، لكنها لم تبلغ مكانتها الحالية لأنها تجنبت الخسارة، بل لأنها أحسنت التعامل معها وحولتها إلى فرصة للمراجعة والتطوير. أما تحويل كل تعثر إلى حملة سخرية جماعية، فلا ينتج سوى بيئة محبطة تُضعف ثقة اللاعبين بأنفسهم وتدفع الجماهير إلى تكرار الحلقة ذاتها من التوقعات المبالغ فيها ثم خيبات الأمل المتكررة.
وتبرز التجربة المغربية بوصفها واحدة من أهم النماذج العربية المعاصرة في كيفية بناء مشروع رياضي ناجح. فما وصل إليه المنتخب المغربي لم يكن نتاج لحظة عاطفية أو حملة إعلامية صاخبة، بل حصيلة سنوات طويلة من العمل المؤسسي المتراكم. فمن الرؤية الملكية الداعمة للرياضة، إلى جهود اتحاد كرة القدم في تطوير البنية التحتية واستقطاب الكفاءات الفنية وصناعة جيل جديد من اللاعبين، مروراً بصبر الجماهير وإيمانها بالمشروع رغم العثرات، تشكلت منظومة متكاملة أثمرت حضوراً عالمياً غير مسبوق.
وفي المقابل، ما زالت بعض دول المشرق العربي تقع في فخ الرغبة بتحقيق الإنجازات السريعة وصناعة الضجيج الإعلامي قبل استكمال أسس البناء الحقيقي. فترتفع سقوف التوقعات بصورة مبالغ فيها، وتُسوَّق الأحلام الكبيرة قبل إنجاز متطلباتها الواقعية، ثم تتحول أول خسارة إلى حالة من الإحباط والغضب الجماعي. والحقيقة أن البطولات لا تُصنع بالشعارات ولا بالضوضاء الإعلامية، بل بالتخطيط طويل الأمد والاستثمار في الإنسان والمؤسسات.
إن العلاقة بين الجمهور ومنتخبه الوطني يجب أن تشبه، إلى حد كبير، علاقة الأم بابنها. فالأم لا تتخلى عن ابنها عندما يتعثر، ولا تجعل من خطئه مناسبة للسخرية والإهانة أمام الآخرين. إنها تنتقده عندما يخطئ، لكنها تحتضنه وتسانده وتدفعه للنهوض من جديد. وهذا هو الفارق بين النقد البنّاء والتنمر الهدّام؛ فالأول يصحح المسار، أما الثاني فلا ينتج سوى الإحباط وتكسير الاجنحه قبل أن يتعلم الطيران.
فالمنتخبات لا تحتاج إلى جماهير تجيد السخرية عند الخسارة بقدر حاجتها إلى جماهير تجيد الاحتواء، لأن الدعم في لحظات التعثر هو الذي يصنع انتصارات المستقبل، أما التنمر والانتقاص فلا يصنعان سوى المزيد من الإخفاقات. وبين مدرجات الملاعب ومنصات التواصل يبقى السؤال مفتوحاً: هل نريد أن نكون جزءاً من الحل، أم مجرد هيئة ادعاء جماهيرية لا تظهر إلا عند الخسارة؟
إن التجربة المغربية أثبتت أن الإنجازات الكبرى لا تُبنى بالضجيج الإعلامي ولا بالتوقعات المبالغ فيها، بل بالعمل التراكمي والصبر والتخطيط طويل الأمد. وربما آن الأوان لأن تنتقل الجماهير العربية من ثقافة البحث عن المتهم بعد كل هزيمة إلى ثقافة البحث عن أسباب النجاح المستدام. فالسؤال الحقيقي ليس لماذا خسر هذا المنتخب أو ذاك، بل: هل نملك الشجاعة للاستفادة من تجارب “الصعود بلا ضجيج”، أم سنبقى أسرى دائرة التنمر والانتظار الدائم لمعجزة كروية لا يصنعها إلا العمل؟ 

زر الذهاب إلى الأعلى