اخترنا لكم

البوصلة التركية تعود إلى تل أبيب


عادت البوصلة التركية إلى علاقاتها الطبيعية مع إسرائيل بعد عامين من مباحثات أثمرت عن تطبيع كامل وتبادل سفراء بعد أربع سنوات من الجمود الدبلوماسي.

تطور مهم يعكس المُناخ السياسي الراهن، المتمثل في تصفير الأزمات والتركيز على ما يجمع دول المنطقة من مصالح اقتصادية.. فلا يمكن وصف العلاقات التركية-الإسرائيلية بأنها وليدة المنشأ، بل تاريخها يعود إلى عام 1949.. حينها كانت تركيا أول دولة إسلامية تعترف بدولة إسرائيل، وصولا إلى افتتاح السفارات بين البلدين عام 1991.

وبرغم توتر العلاقات بين البلدين مراتٍ عبر التاريخ، فإنها تعود بشكل أوسع، ويبدو أن هناك خطا عريضا بين الطرفين، وهو التقاطعات الاقتصادية الناتجة عن تعزيز العلاقات، ومن الواضح جليًّا أن تركيا تفصل تماما بين علاقتها مع إسرائيل ودعمها المعنوي للقضية الفلسطينية.

وعند الرجوع إلى التوترات الدبلوماسية بين البلدين سنجد أن العلاقات التجارية لم تنقطع، في دلالة على عدم تأثر أساسيات العلاقة في مختلف الأحداث، حيث وصل التبادل التجاري في عام 2021 بين البلدين إلى 8.1 مليار دولار، ومن المتوقع بلوغه 10 مليارات دولار بعد إعلان تطبيع العلاقات.

يرتبط توقيت إعلان التطبيع الكامل للعلاقات بين تركيا وإسرائيل بموعد الانتخابات الإسرائيلية، ما يعني استغلال المُناخ المصاحب لحكومة تسيير الأعمال برئاسة يائير لابيد، بسبب تخوف تركيا من عودة حزب “الليكود” برئاسة بنيامين نتنياهو إلى السلطة، ما قد يعرقل الجهود الراهنة، وما يؤكد ذلك هو أن مسيرة انفراجة العلاقات بدأت مع سقوط حكومة نتنياهو، وتولي رئيس الوزراء السابق “بينيت” السلطة.

في هذا السياق لا بد من الإشارة كذلك إلى مكاسب حزب “العدالة والتنمية” الحاكم في تركيا، الذي يستعد بدوره للانتخابات البرلمانية والرئاسية خلال عام 2023، كما تعوّل تركيا من خلال تطبيعها مع إسرائيل على استغلال اللوبي اليهودي لحل أزماتها العالقة مع واشنطن، والمتمثلة في تعثر صفقة شراء منظومة صواريخ S-400 الروسية، بالإضافة إلى استعادة موقعها في برامج الولايات المتحدة لطائرات F35 وF16.

الرغبة التركية واضحة لتحسين النمو الاقتصادي، بسبب انخفاض قيمة الليرة وزيادة التضخم وانخفاض الاستثمار الأجنبي، ولا شك فإن هناك مكاسب تركية اقتصادية من التطبيع مع إسرائيل، متمثلة في غاز شرق المتوسط، عبر تفاهمات جديدة تضم تركيا ومصر واليونان وقبرص، بدعم من إسرائيل، كما أن هناك فرصا استراتيجية من خلال ملف الطاقة، وتحديدا مشروع خط الغاز الإسرائيلي-التركي إلى أوروبا عبر تركيا، في توقيت يتناسب مع الأزمة الأوكرانية وتداعياتها.

تنبع الخطوات التركية لتحسين العلاقات مع المحيط العربي والإقليمي من منطلق جهود تركيا للخروج من عزلتها الإقليمية والتعافي من سنوات العزلة تلك، وتداعياتها الاقتصادية، في محاولة للاستفادة من مناخ إعادة تشكيل التحالفات في منطقة الشرق الأوسط، والاستفادة من تطورات الاتفاقيات الإبراهيمية وتنامي علاقات الدول العربية المحورية مع إسرائيل.

ستحقق إسرائيل من جانبها مكتسباتٍ عدة لاحتواء إيران، عبر توسيع دائرة الضغط الإقليمي على أنشطة إيران المعادية، مع دخول تركيا في دائرة الاعتدال الإقليمي، في توقيت يتزامن مع تقلص نفوذ الولايات المتحدة، وتراجع سياساتها كافة في الملفات الدولية والإقليمية، وفي ظل توقيت قريب من إعلان الاتفاق النووي الجديد، والذي تحاول إسرائيل عرقلته لعدم كفاية الضمانات الأمنية به، ما يشكل فراغًا أمنيًّا قد تملؤه المحاور الداعمة لإيران.

وعليه، فإن اقتراب تركيا من إسرائيل يحقق فوائد اقتصادية وأمنية للمنطقة، ما قد يساعد في حلحلة معادلات الملف السوري، كما لا يمكن تجاهل توحد الرؤى المشتركة بين البلدين في العلاقة مع أذربيجان، التي بدورها تستخدم الصناعات الدفاعية التركية والإسرائيلية.

لقد شكّلت الاتفاقيات الإبراهيمية مُناخا جديدًا في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ويُحسب لدولة الإمارات ومملكة البحرين والمملكة المغربية اتخاذها قراراتٍ شجاعة، فتحت فرصا كبيرة للتعاون، وخلقت ديناميكيات لسياسة إقليمية جديدة، مبنية على الشراكات الاقتصادية التنموية، كما وسّعت مناطق تنسيق الأمن الإقليمي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى