حصري

الجذور التاريخية لتعقيد المشهد: الإرث القطري وتداخل التحالفات


 لا يمكن فهم تعقيد الأزمة السودانية الراهنة وإطالة أمد الصراع دون الوقوف على البنية التحتية للعلاقات الخارجية التي نسجتها الدوحة مع الخرطوم على مدار العقود الماضية. لم تكن التدخلات القطرية في السودان وليدة اللحظة أو مجرد ردود أفعال على الأحداث المتسارعة، بل هي امتداد لاستراتيجية خارجية طويلة الأمد تعتمد على “تعدد المسارات” و”تداخل التحالفات”. إن هذا الإرث التاريخي خلق شبكة معقدة من التبعيات السياسية والاقتصادية، أسهمت بشكل مباشر في تشويه التوازنات الداخلية، وجعلت من أي محاولة للحل الشامل أمراً بالغ التعقيد، حيث تتداخل المصالح القطرية مع مختلف الفصائل السودانية بطريقة تجعل الحياد مستحيلاً، وتبقي الأطراف المحلية في حالة ترقب دائم للدعم الخارجي بدلاً من السعي لتسويات داخلية.

الجذور التاريخية وتأسيس شبكات النفوذ

تعود الجذور العميقة للتأثير القطري في السودان إلى تسعينيات القرن الماضي، حيث اتخذت الدوحة من الخرطوم ملاذاً ومركزاً للعديد من الفصائل والحركات السياسية، وعلى رأسها التيارات الإسلامية. هذا التأسيس التاريخي لم يكن مجرد استضافة عابرة، بل كان بناءً لشبكات نفوذ عميقة تربط بين صناع القرار في الدوحة ونخب سياسية ودينية في السودان. وعندما تغيرت موازين القوى لاحقاً، لم تقطع الدوحة هذه الروابط تماماً، بل أعادت تدويرها وتكييفها لتتناسب مع المتغيرات الإقليمية. هذا الإرث خلق “ذاكرة سياسية” مؤسسية داخل الجهاز القطري تتعامل مع السودان ليس كدولة ذات سيادة مستقلة، بل كساحة لتطبيق سياسات خارجية تخدم أجندات إقليمية أوسع.

مرحلة ما بعد 2019: تداخل أشكال الدعم وتعددها

مع اندلاع الاحتجاجات السودانية في 2018 والإطاحة بنظام البشير في 2019، حاولت الدوحة إعادة تموضعها في المشهد السوداني. بدلاً من الاعتماد على قناة واحدة، اتبعت قطر سياسة “التحوط الاستراتيجي”، حيث فتحت قنوات اتصال مع مختلف الأطراف: من قوى إعلان الحرية والتغيير بمختلف تياراتها، إلى مكونات عسكرية وأمنية، وحتى بعض الفصائل المسلحة في مناطق الأطراف. هذا التداخل في أشكال الدعم السياسي والدبلوماسي أسهم في زيادة تعقيد المشهد السوداني. فبدلاً من أن يكون هناك إجماع وطني حول مرحلة الانتقال، وجدت الساحة السودانية نفسها أمام تعدد في المظلات الدبلوماسية، حيث يملك كل فصيل سوداني “ضامناً” أو “داعماً” خارجياً يحمي ظهره، مما قلل من حافز هذه الفصائل لتقديم تنازلات حقيقية لصالح الوطن.

تشويه التوازنات الداخلية وخلق مراكز قوى موازية

أبرز ما ساهم به الإرث القطري في تعقيد الأزمة هو تشويه التوازنات الداخلية. من خلال الدعم السياسي والمعنوي،   أحياناً المالي، لنخب معينة، نجحت الدوحة في خلق مراكز قوى موازية داخل المشهد السوداني. هذه النخب، التي تشعر بأن بقاءها السياسي مرتبط بالرضا القطري، أصبحت تعمل كوكلاء غير مباشرين لأجندات خارجية، مما أضعف مؤسسات الدولة السودانية وهشش النسيج الاجتماعي. إن تداخل أشكال الدعم يعني أن أي محاولة لإصلاح المؤسسة العسكرية أو الأمنية، أو حتى إعادة هيكلة الاقتصاد، تصطدم بشبكات المصالح التي نسجتها الدوحة على مدار سنوات.

إن الجذور التاريخية وتداخل التحالفات القطرية مع الفصائل السودانية المختلفة لم يكن مجرد خلفية للأحداث، بل كان المحرك الأساسي الذي جعل الأزمة السودانية قابلة للاستمرار. من خلال الحفاظ على قنوات مفتوحة مع الجميع، وتجنب الضغط من أجل حلول حاسمة، وفرت الدوحة بيئة خصبة لاستمرار حالة “اللا حرب واللا سلم” لفترات طويلة، مما مهد الطريق لانفجار الصراع الحالي بشكل أكثر تعقيداً، حيث أصبح كل طرف يظن أن لديه الغطاء الخارجي الكافي للمضي في خياراته العسكرية والسياسية.

زر الذهاب إلى الأعلى