الزيدي في مهمة دقيقة.. موازنة النفوذ بين واشنطن وحزب الله
أثارت القرارات الحكومية العراقية الأخيرة تجاه حزب الله إشارات استفهام حول ما إذا غيرت بغداد سياستها تجاه الحليف الوثيق لإيران، بتأثير الضغوط الأميركية على رئيس الوزراء علي الزيدي الذي يجد نفسه مضطرا لالتزام التحفظ للموازنة بين طرفي نقيض لا يمكن تجاهل تأثيرهما على بلاده.
وبحسب تقرير موقع “أمواج” البريطاني الاربعاء، فإن أحدث حلقة من سلسلة السجالات المتعلقة بحزب الله، وجّهت وزارة المالية العراقية في منتصف يوليو/تموز الماضي، البنوك سراً بتنفيذ عقوبات الخزانة الأميركية ضد أفراد وشركات مرتبطين بحزب الله؛ وفق قرار مكافحة تمويل الإرهاب. وأعادت هذه الخطوة للأذهان أزمة أربكت بغداد أواخر العام الماضي؛ ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2025، أدرجت الجريدة الرسمية العراقية حزب الله وحركة أنصار الله اليمنية (الحوثيين) ضمن قوائم الإرهاب، قبل أن تسارع بغداد إلى إلغاء القرار معللة ذلك بـ “خطأ مطبعي”.
وامتد هذا النمط إلى تعاطي بغداد مع اعتراض السلطات السورية في 16 يوليو/تموز الماضي شحنة أسلحة متطورة على معبر بين العراق وسوريا، رُجح أنها كانت تتجه للبنان وتضمنت صواريخ طويلة المدى وطائرات مسيرة مخبأة داخل صهريج نفط. وقد احتجزت القوات الأمنية العراقية شخصين متهمين بتسهيل النقل.
وتعكس الحادثتان حيرة حكومة محاصرة بين راعيين إقليميين؛ إذ تعجز بغداد عن القطع مع الفصائل المسلحة الحليفة لإيران محلياً، بينما تتودد لواشنطن والعواصم الخليجية خارجياً. ويبدو أن رئيس الوزراء الزيدي، اعتمد سياسة “التحوط” بدلاً من الاصطفاف الصريح، وهو توازن تتزايد الشكوك حول إمكانية استمراره مع الاقتراب من مهلة 30 سبتمبر/أيلول المحدد لإخضاع الفصائل للسيطرة الحكومية.
وبدأت أزمة نوفمبر/تشرين الثاني 2025 عندما أقرت لجنة تجميد أموال الإرهاب القرار رقم (61)، بتجميد أصول الجماعتين ونشره في الجريدة الرسمية. ثم أصدرت السلطات العراقيّة توضيحاً يعزو الأمر إلى مسودة قديمة “قبل استكمال المراجعات”، ووعد مكتب رئيس الوزراء المكلف حينها، محمد شياع السوداني، بالمحاسبة.
ولم تخفِ الخارجية الأميركية إحباطها؛ إذ صرحت بـ”خيبة أملها”. ويُظهر إعادة تعميم التوجيه المصرفي بعد ثمانية أشهر استمرار الضغط الأميركي ذاته. ورغم أن تقارير لصحيفة “الأخبار” اللبنانية المقربة من حزب الله تحدثت عن إلغاء بغداد للتعميم، لم يؤكد أي مسؤول عراقي التراجع، ملتزمين التكتم الرسمي نفسه.
وأشار إميل نخلة، المسؤول السابق في مكتب الاستخبارات الاميركي، لشبكة “أمواج.ميديا” إلى أن بغداد “تقترب من واشنطن”، مؤكداً أن الزيدي يسعى لعلاقة أمتن مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بالتوازي مع الابتعاد عن إيران وحزب الله. ويتسق هذا التقييم مع حملة أميركية أوسع لتجفيف منابع تمويل ولوجستيات حزب الله عبر بيروت ودمشق وبغداد.
وأبدت واشنطن جهوزية لاستخدام نفوذها للحد من التمدد الإيراني؛ وظهر ذلك جلياً في 27 يناير/كانون الثاني عندما عارض ترامب علناً ترشح نوري المالكي لرئاسة الوزراء. وفي الأسابيع التالية، حذر مسؤولون أميركيون من حرمان العراق من الدعم وفرض عقوبات اقتصادية إذا تولى المالكي المنصب، مما مهد لتسمية الإطار التنسيقي للزيدي في أبريل/نيسان.
وعلى الجهة المقابلة، يعكس حذر بغداد وجود قيود سياسية هيكلية؛ فـ”الإطار التنسيقي” الذي يرتبط بعلاقات وطيدة مع طهران يمنح الزيدي هامش حركة ضيق ضد حلفاء حزب الله. وقد رفضت حركة “كتائب حزب الله” العراقية -التي ينسق أمينها العام أحمد الحميداوي عن قرب مع حزب الله اللبناني- المساعي الحكومية لدمج الفصائل بالكامل ضمن المؤسسة الأمنية الرسمية.
وأوضح الباحث علي ماموري أن علاقات حزب الله بالعراق “تجذرت خلال عقود عبر معارضة الشيعة العراقيين لنظام صدام من منفاهما في سوريا ولبنان خلال الثمانينيات”، مشيراً إلى أن شغل تلك الشخصيات مناصب نافذة حالياً يجعل من المستبعد أن تتحول بغداد للعمل ضد الحزب بشكل علني.
ورغم التوترات، خيم الصمت على ملف تصنيف الإرهاب خلال زيارة رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، لبغداد في 26 يوليو/تموز؛ حيث ركزت المباحثات على إعادة تشغيل خط أنابيب “كركوك-بانياس” وتوسيعه نحو طرابلس اللبنانية. ويعكس هذا التعاطي التداخل بين الحوافز الاقتصادية الأميركية والعلاقات الثنائية.
وقد يسهم التعاون العراقي في تقييد تمويل حزب الله وخطوط إمداده في تعزيز الانفتاح مع واشنطن، بينما قد تؤدي المماطلة إلى تقويضه.
وأمام إدارة أميركية حازمة، يمارس الزيدي التحوط كاستراتيجية نشطة؛ إذ كشف مسؤول في حزب الله أن حكومة الزيدي عرضت رعاية مفاوضات مباشرة بين الحزب وواشنطن خلال زيارة وفد من الحزب لبغداد في يوليو/تموز، وهي مبادرة سبقت زيارته لواشنطن.
ويبدو أن ترامب ترك الباب الموارب أمام هذه الوساطة بحديثه في 21 يوليو/تموز عن استعداده للحوار مع قيادة الحزب إذا رأى الرئيس اللبناني جوزيف عون فائدة في ذلك. وحتى اللحظة، نجح الزيدي في الاستجابة للمطالب الأميركية دون تحمل الكلفة السياسية المتمثلة في الصدام مع حلفاء حزب الله المحليين.
ويبقى السؤال المعلق: هل تصمد هذه المناورة أمام مهلة 30 سبتمبر/أيلول لنزع سلاح الفصائل؟ إن استمرار رفض “كتائب حزب الله” سيعجل باللحظة التي يتعين فيها على بغداد اتخاذ قرارات حاسمة طالما تهربت منها.
