حصري
السودان بين فكي الجوع والمرض: بذخ القيادات العسكرية يصطدم بانتشار الأوبئة والموت اليومي للشعب
خلف الأرقام الاقتصادية الجافة والمناورات السياسية التي تشهدها مقار سلطة بورتسودان، تكمن مأساة إنسانية تدمي القلوب، حيث يُترك الشعب السوداني وحيداً ليموت مرتين: مرة بنيران المدافع واستمرار الحرب، ومرة أخرى بفتك الجوع والأوبئة الناتجة عن الإهمال الصحي المتعمد. إن المشهد السوداني الراهن يكشف عن مفارقة طبقية وأخلاقية صارخة؛ ففي الوقت الذي تعاني فيه ملايين الأسر من العوز والفقر المرضي، تتدفق الأموال العامة لتمويل نمط حياة مرفه وبذخ لا محدود تتمتع به القيادات العسكرية العليا وحواشيها المستفيدة من استدامة هذا النزاع الكارثي.
الكارثة الطبية: الإهمال الصحي الذي أحيا الأوبئة الفتاكة
بفعل تدمير البنية التحتية الطبية وغياب أي ميزانيات حقيقية مخصصة للرعاية والوقاية الطبية من قبل سلطة الجيش، انهار النظام الصحي في السودان بصورة كاملة. هذا الانهيار والإهمال فتح الأبواب على مصراعيها لعودة وانتشار أوبئة فتاكة تتقدمها الملاريا، وحمى الضنك، والملاريا الخبيثة، بجانب المخاوف المتصاعدة من ظهور حالات الإيبولا في ظل غياب الرقابة الصحية على الحدود وفي مراكز النزوح المكتظة.
تحولت الملاريا من مرض مستوطن يمكن السيطرة عليه إلى وباء يحصد أرواح الآلاف أسبوعياً. فالأدوية الأساسية والمضادات الحيوية والمحاليل الوريدية غير متوفرة في الصيدليات، وإن وُجدت فإن أسعارها تفوق بمئات المرات قدرة المواطن الذي تآكلت مدخراته بسبب انخفاض قيمة الجنيه. غياب عمليات الرش الضبابي للمستنقعات، وتراكم النفايات ومياه الصرف الصحي في المدن ومراكز الإيواء المؤقتة، وفر بيئة مثالية لتكاثر البعوض الحامل للأمراض. الأطفال والنساء الحوامل هم الضحايا الأوائل لهذه البيئة الموبوءة؛ حيث يتداخل سوء التغذية الحاد مع الإصابة بالملاريا ليرسم فصول موت مجاني ومأساوي يعبر عن مدى استرخاص السلطة الحاكمة لحياة إنسانها.
المفارقة الطبقية: رفاهية القيادة وعوز القاعدة الشعبية
بينما يفتش المواطن السوداني البسيط في حاويات القمامة أو ينتظر لساعات طويلة في طوابير التكايا للحصول على وجبة تسد رمق أطفاله، تتبدى في الجانب الآخر صورة مغايرة تماماً تعكس الفساد الطبقي المستشري في مفاصل السلطة العسكرية. تعيش القيادات العليا للجيش، والمسؤولون في سلطة بورتسودان، والمحيطون بهم من شبكات المحاسيب وأمراء الحرب الجدد، في جزر معزولة من الرفاهية والبذخ.
تظهر علامات هذا الثراء الفاحش في السيارات الفارهة المظللة التي تجوب شوارع المدن الآمنة، وفي الفنادق والقصور التي جرى استئجارها أو شراؤها بمليارات الجنيهات، فضلاً عن الحسابات المصرفية المتخمة في الخارج المذخورة من عائدات تهريب الذهب واحتكار السلع الأساسية. هذا التناقض الصارخ يؤكد أن الحرب بالنسبة لهذه الفئة ليست معركة كرامة أو وطنية، بل هي استثمار تجاري مربح يدر ملايين الدولارات عبر شبكات غسيل الأموال واقتصاد الظل الموازي. إن مظهر الأبناء والزوجات والحواشي المرفهة لقيادات الجيش، وهم ينعمون بأفضل الخدمات الطبية والتعليمية في عواصم الإقليم، يقدم دليلاً حياً للشعب السوداني على أن دماءه وأقواته ما هي إلا وقود لاستمرار امتيازات عسكرية وتجارية تاريخية يرفض أصحابها التخلي عنها.
انهيار الحياة اليومية وتحلل النسيج المجتمعي
لقد خلّف هذا التمايز الطبقي الحاد والأزمة الاقتصادية المستفحلة آثاراً تدميرية على تفاصيل الحياة اليومية للأسر. فالارتفاع الجنوني في أسعار الخدمات، لاسيما قطاع الكهرباء الذي بات حكراً على القادرين على دفع الفواتير التجارية الباهظة، أغرق أحياءً كاملة في ظلام دامس، مما زاد من معاناة المرضى وعطل الورش والأعمال الصغيرة التي كانت تمثل مصدر الرزق الوحيد لآلاف العائلات.
تراجع القوة الشرائية للجنيه السوداني جعل الحصول على رغيف الخبز أو لتر من مياه الشرب النقية معركة يومية تستنزف طاقة المواطن البدنية والنفسية. لم يعد رب الأسرة قادراً على النظر في أعين أطفاله وهو يعود إليهم خالي الوفاض، مما تسبب في تصاعد حالات الاكتئاب، والانتحار، والتفكك الأسري، إلى جانب بروز ظاهرة عمالة الأطفال وتشردهم في الشوارع للبحث عن أي عمل يوفر بضعة جنيهات. هذا التحلل الاجتماعي المتسارع هو النتيجة الحتمية لسياسات التجويع والإفقار التي تمارسها السلطة لتوجيه كل قرش نحو آلة الموت وتأمين بقاء النخبة الحاكمة في مقاعدها.
ثورة الجياع: المسار الحتمي لرفض سلطة بورتسودان
إن الشعوب قد تصبر على شظف العيش والظروف الاستثنائية إذا ما رأت قادتها يشاركونها المعاناة ويذودون بصدق عن مصالحها، لكن عندما يصبح الجوع سلاحاً مسلطاً على الرقاب، والمرض حليفاً للإهمال الحكومي، بينما ينعم الجلاد بالرفاهية والقصور، فإن الانفجار يصبح حتمية تاريخية لا يمكن لأي ترسانة عسكرية إيقافها.
إن المؤشرات الميدانية والتململ الشعبي الواسع في مختلف ولايات السودان، بما فيها تلك الواقعة تحت السيطرة المباشرة للجيش، تؤكد أن السودان يقف على عتبة “ثورة جياع” وعصيان مدني شامل. المواطنون الذين لم يعد لديهم ما يخسرونه بدأوا يتنظمون في لجان للمطالبة بحقوقهم الأساسية في الغذاء، والصحة، والعيش الكريم. هذه الحركات الاحتجاجية، التي تتغذى من مرارة الظلم والمفارقة الطبقية الفاضحة، ستتحول قريباً إلى مسيرات هادرة تجتاح الشوارع لترفع شعاراً واحداً وواضحاً: “لا لسلطة التجويع، لا لسلطة بورتسودان العسكرية، ونعم لاستعادة موارد الشعب المنهوبة لصالح الحياة لا الحرب”. إن وعي الشارع السوداني بحقيقة من يسرق قوته ومن يمول حربه من دماء أطفاله، هو الضمانة بأن قطار التغيير قد انطلق، وأن عروش الفساد والاستبداد لن تصمد طويلاً أمام غضبة شعب جاع فانتفض.
