الصواريخ الباليستية تتحدى باتريوت.. مأزق جديد يواجه أوكرانيا
تدخل الحرب الأوكرانية مرحلة تتزايد فيها أهمية معركة الدفاعات الجوية، مع تصاعد الهجمات الصاروخية وتنامي الجدل حول قدرة كييف على مواجهة الضربات بعيدة المدى.
وفي هذا الصدد تشير شبكة «سي إن إن» في تقرير إلى أن تصاعد استخدام روسيا للصواريخ الباليستية إلى جانب صواريخ كروز والطائرات المسيرة، وضع الدفاعات الجوية الأوكرانية أمام اختبار متزايد، في وقت تحاول فيه كييف الحصول على مزيد من القدرات الاعتراضية لحماية مدنها.
ففي ليلة واحدة فقط هذا الأسبوع، أصاب وابل من أكثر من عشرين صاروخًا باليستيًا ومضادًا للسفن منطقة العاصمة الأوكرانية. وتمكنت جميع هذه الصواريخ من تجاوز الدفاعات الأوكرانية.
وتتميز الهجمات الجوية الروسية على أوكرانيا بالتعقيد؛ ففي هجوم ركز على منطقتي كييف ولفيف ليلة 30 يونيو/حزيران، أطلقت روسيا أربعة صواريخ مضادة للسفن، وتسعة صواريخ باليستية، و61 صاروخًا من طراز كروز، ونحو 300 طائرة مسيرة هجومية على أهداف في أنحاء البلاد، وفقًا للقوات الجوية الأوكرانية.
لكن يبدو أن الصواريخ الباليستية الروسية هي التهديد الذي يثير أكبر قدر من القلق لدى القيادة الأوكرانية. وتأتي الهجمات الروسية بالصواريخ الباليستية في وقت تسعى فيه كييف بشدة إلى تجديد مخزونها من صواريخ الاعتراض الأمريكية الصنع لمنظومة «باتريوت»، وهي واحدة من الأسلحة القليلة القادرة على إسقاط الصواريخ الباليستية.
وفي بيان صدر الأربعاء، ناشد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي توفير المزيد من صواريخ الاعتراض، قائلا: « من المهم للغاية أن يدرك الشركاء أن التأخير في توريد هذه الصواريخ أو عدم الرغبة في توفير أنظمة مضادة للصواريخ الباليستية يؤدي مباشرة إلى سقوط ضحايا».
وأشار زيلينسكي إلى أن الشركاء الذين لم يصبحوا مستعدين بعد للعب دور أكثر نشاطًا في توريد صواريخ الاعتراض يمكنهم المساعدة من خلال فرض عقوبات جديدة، موضحًا أن جزءًا كبيرًا من إنتاج روسيا للصواريخ الباليستية لا يزال خارج نطاق العقوبات.
ما أبرز التهديدات التي تواجه المدن الأوكرانية؟
يمكن اختصار التهديد الذي تواجهه المدن الأوكرانية إلى ثلاث فئات رئيسية:
- الصواريخ الباليستية
- صواريخ كروز
- الطائرات المسيرة، التي تُطلق عادة من داخل الأراضي الروسية أو من المناطق الأوكرانية التي تسيطر عليها روسيا.
وبالقرب من خطوط المواجهة، استخدمت القوات الروسية طائرات مسيرة هجومية أصغر حجمًا، مستهدفة محطات الوقود والمركبات. وفي وقت سابق من هذا الأسبوع، نجا بائع طعام في منطقة خيرسون جنوبي البلاد بأعجوبة من هجوم بطائرة مسيرة من طراز FPV، في هجوم يوصف عادة بأنه «سفاري المسيرات».
وقد أظهرت أوكرانيا بالفعل قدرًا كبيرًا من الكفاءة والابتكار في التصدي للمسيرات الروسية. وتتميز هذه الطائرات بأنها رخيصة نسبيًا ومتوافرة بأعداد كبيرة؛ إذ تنتج روسيا بكميات ضخمة طائرة «غيران-2»، وهي نسخة من الطائرة الإيرانية التصميم «شاهد»، كما أدخلت تحديثات تشمل محركات نفاثة وطائرات مسيرة خادعة لتعزيز فعالية هجماتها.
لكن أوكرانيا تمتلك منظومة دفاعية متعددة الطبقات للتعامل مع المسيرات التي تحلق بسرعات منخفضة نسبيًا، كما أصبحت خبرتها في مكافحة المسيرات موضع طلب متزايد بعد الحرب الأمريكية الإيرانية.
أما صواريخ كروز فتحمل عادة حمولة أكبر بكثير من الطائرات المسيرة. وهي تعمل بمحركات نفاثة، ويمكنها التحليق على ارتفاعات منخفضة جدًا لتفادي اكتشافها. وتقول «رابطة الدفاع الصاروخي» إن صاروخ «كاليبر»، وهو صاروخ كروز يُطلق من البحر وتستخدمه السفن والغواصات الروسية، يستطيع التحليق على ارتفاع نحو 20 مترًا فوق سطح البحر أو 50 مترًا فوق سطح الأرض.
في المقابل، يختلف الصاروخ الباليستي اختلافًا كبيرًا من حيث السرعة والمسار. فبعد دفعه بواسطة محركات صاروخية، يسلك مسارًا عالي الارتفاع قبل أن يهبط باتجاه هدفه.
وتختلف المديات، لكن السرعات هائلة؛ إذ يتحرك الصاروخ الباليستي الروسي قصير المدى «إسكندر» بسرعة تعادل ستة إلى سبعة أضعاف سرعة الصوت، ويمكنه حمل ما يصل إلى 700 كيلوغرام من المتفجرات.
أما الصاروخ الباليستي عابر القارات طويل المدى، الذي صُمم أساسًا لحمل رؤوس نووية إلى خارج الغلاف الجوي قبل عودتها إليه، فيمكنه الانتقال من موقع إطلاق في الولايات المتحدة، مرورًا فوق الدائرة القطبية الشمالية، إلى هدف في روسيا خلال الوقت الذي يستغرقه توصيل بيتزا، أي في 30 دقيقة أو أقل.
وفي الهجمات الأخيرة على كييف، انطلقت صفارات الإنذار بالتزامن تقريبًا مع وقوع الضربات.
وأطلقت روسيا صاروخ «أوريشنيك»، وهو سلاح فرط صوتي متوسط المدى، في عدد محدود من المرات ضد أوكرانيا، في هجمات اعتُبرت رسالة إلى استعداد موسكو لتصعيد الصراع. لكن أنظمة قصيرة المدى مثل صاروخ «إسكندر» ظلت السلاح الأساسي الذي يعتمد عليه الجيش الروسي.
ويقول مسؤولون أوكرانيون إن القوات الروسية أعادت أيضًا استخدام صواريخ الدفاع الجوي «S-400» كصواريخ باليستية لضرب أهداف أوكرانية.
ماذا يعني إنتاج صواريخ «باتريوت» لأوكرانيا؟
في ظل النقص الحاد في صواريخ الاعتراض وتزايد الهجمات على مدنها، تضغط كييف على واشنطن للمشاركة في إنتاج منظومة «باتريوت».
وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد ألمح، على هامش قمة حلف شمال الأطلسي «الناتو» الشهر الماضي في أنقرة، إلى أنه قد يكون مستعدًا لمنح أوكرانيا ترخيصًا لإنتاج منظومة «باتريوت» بشكل مشترك.
لكن الرئيس الأمريكي بدد على ما يبدو آمال أوكرانيا الأسبوع الماضي، عندما قال: «نحن نتحدث عن ذلك، لكن من الصعب منح هذا النوع من التكنولوجيا».
وفي الوقت نفسه، يقول مسؤولون أوكرانيون إن روسيا تعزز ترسانتها بصواريخ باليستية كورية شمالية، ما يزيد من حجم التهديد.
وقال فلاديسلاف فلاسيك، مبعوث العقوبات في الرئاسة الأوكرانية، إن بلاده حددت صاروخًا كوريًا شماليًا من طراز «KN-23»، وهو نظير للصاروخ الروسي «إسكندر»، استخدم مؤخرًا في تدمير منزل في رادوشنه بمنطقة دنيبروبتروفسك الريفية.
وأضاف فلاسيك إن «KN-23» هو «نظير مطابق تقريبًا للصاروخ الروسي إسكندر»، مضيفًا أنهما يتشاركان حتى في مكونات متطابقة، بما في ذلك مكونات مصنعة في الغرب.
اتساع فجوة الدفاع
وقد تتسع فجوة الدفاع الصاروخي الأوكراني بسبب الحرب الأمريكية الإيرانية. وذكرت شبكة «سي إن إن» هذا الأسبوع، نقلًا عن عدة مصادر مطلعة على الأمر، أن الجيش الأمريكي استهلك نحو أربعة أخماس مخزونه من منظومة دفاع صاروخي أخرى هي «الدفاع الجوي عالي الارتفاع في المرحلة النهائية» (THAAD).
كما انخفض مخزون صواريخ الاعتراض الخاصة بمنظومة «باتريوت» بنحو النصف منذ بداية الحرب، وفقًا لمصدرين مطلعين على أحدث تقرير للمخزون.
وقالت المحللة العسكرية دارا ماسيكوت في منشور على منصة «إكس»، عقب زيارة بحثية أجرتها مؤخرًا إلى أوكرانيا: «لا يزال الدفاع ضد الصواريخ الباليستية يمثل مشكلة صعبة».
وأضافت أن مشكلات صواريخ اعتراض «باتريوت» معروفة، وأن أوكرانيا تعرف ما يجب فعله، وحان الوقت، في رأيها، لكي تدرس كييف «الخطة ب» و«الخطة ج» بشأن كيفية تقويض قدرة روسيا على إطلاق الصواريخ.
وبينما تدرس كييف «الخطة ب» و«الخطة ج»، فإن الوقت ينفد أمام المدن الأوكرانية، في ظل مواصلة روسيا توسيع حملتها الصاروخية.
لكن.. منذ متى تستخدم الصواريخ الباليستية؟
الصواريخ الباليستية ليست جديدة على الحروب؛ فقد استخدمت ألمانيا النازية صاروخ «V-2» للمرة الأولى خلال الحرب العالمية الثانية، كما شهدت «حرب المدن» خلال الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي تبادلًا لصواريخ «سكود» -وهي منحدرة من صاروخ V-2- ما ألحق دمارًا واسعًا بالسكان المدنيين.
لكن تكنولوجيا التصدي للصواريخ الباليستية تطورت بصورة كبيرة منذ الحرب الباردة. ويعتمد صاروخ الاعتراض «PAC-3» التابع لمنظومة «باتريوت» على توجيه نفسه مباشرة نحو الهدف وتدميره بالطاقة الحركية الهائلة، بدلًا من استخدام رأس حربي متفجر؛ أي باختصار: رصاصة تصيب رصاصة.
