باريس تدرس قفزة في الميزانية الدفاعية وسط تحولات أمنية أوروبية
عادت مسألة الإنفاق العسكري إلى صدارة النقاش السياسي في فرنسا في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية وتزايد المخاطر الأمنية.
فقد برز توجه جديد داخل مجلس الشيوخ يدعو إلى رفع ميزانية الدفاع بشكل كبير ضمن إطار قانون البرمجة العسكرية الممتد حتى عام 2030، في خطوة تعكس قلقا متزايدا من التحديات الأمنية التي تواجه البلاد وأوروبا عموما.
مشروع قانون البرمجة العسكرية: ما هو؟
وصادق أعضاء مجلس الشيوخ في اللجنة على عدة تعديلات تهدف إلى رفع إجمالي ميزانية قانون البرمجة العسكرية إلى 450 مليار يورو بحلول عام 2030، وذلك رغم تحذيرات المجلس الأعلى للمالية العامة من أن فرنسا لا تمتلك الموارد الكافية لتحقيق هذه الطموحات، بحسب صحيفة «لوموند» الفرنسية.
وبينما بدأ مجلس الشيوخ، منذ الثلاثاء 19 مايو/أيار، مناقشة مشروع تحديث قانون البرمجة العسكرية، أعلن رئيس لجنة الشؤون الخارجية والدفاع، سيدريك بيرين، يوم الأربعاء خلال مؤتمر صحفي، أن عدة تعديلات تقضي بزيادة ميزانية الدفاع إلى ما يتجاوز الزيادة التي طلبتها الحكومة قد تم اعتمادها في اللجنة، على أن تُطرح للنقاش في الجلسة العامة بين 2 و9 يونيو/حزيران.
مقترح مجلس الشيوخ: زيادة بـ50 مليار يورو
وأشارت الصحيفة الفرنسية إلى أنه «بدلا من مبلغ 400 مليار يورو المخصص حاليا للجيش حتى عام 2030 وفق الخطة المعتمدة منذ 2023، يقترح مجلس الشيوخ إضافة 50 مليار يورو إلى هذا الجهد الكبير أصلا».
وتفوق هذه الزيادة ما أقرته الجمعية الوطنية في القراءة الأولى بتاريخ 19 مايو/أيار، حين وافقت على زيادة قدرها 36 مليار يورو (440 صوتا مقابل 122). وإذا لم يتم رفض مقترح مجلس الشيوخ، فقد تصل الميزانية الإجمالية للقوات المسلحة إلى 450 مليار يورو بحلول نهاية العقد.
مبررات الزيادة: تصاعد التهديدات العالمية
وقال سيدريك بيرين: «النص الحالي لقانون البرمجة العسكرية يكتفي بجعل احتياجات الجيش أكثر واقعية، أما نحن فنقترح استخلاص النتائج الفعلية لارتفاع التهديدات».
وأضاف: «إنها مسألة اتساق»، مشيرا إلى أن مجلس الشيوخ ينتقد منذ فترة طويلة، شأنه شأن العديد من الخبراء، التقليل من تقدير الاحتياجات في القانون الذي أُقر عام 2023 عقب اندلاع الحرب في أوكرانيا. كما تأثرت هذه الخطة لاحقا بالتضخم وتزايد مناطق انتشار القوات الفرنسية.
ويحدد قانون البرمجة العسكرية، الذي يشكل العمود الفقري للتخطيط الدفاعي الفرنسي، على مدى سنوات طويلة حجم الموارد المخصصة للقوات المسلحة وأولويات تحديثها وتجهيزها.
وكانت النسخة المعتمدة عام 2023 قد وضعت سقف الإنفاق عند 400 مليار يورو، في سياق اتسم آنذاك ببداية الحرب في أوكرانيا ومحاولة فرنسا التكيف مع تداعياتها. غير أن التطورات اللاحقة، سواء على مستوى توسع النزاعات أو ارتفاع تكاليف التسلح، دفعت العديد من المسؤولين إلى اعتبار هذا السقف غير كاف.
وفي هذا السياق، تبنى مجلس الشيوخ، عبر لجنته المختصة بالشؤون الخارجية والدفاع، مجموعة من التعديلات التي تقترح رفع الميزانية إلى 450 مليار يورو، أي بزيادة قدرها 50 مليار يورو مقارنة بالخطة الأصلية. وتفوق هذه الزيادة ما سبق أن أقرته الجمعية الوطنية، التي وافقت على رفع أقل بلغ 36 مليار يورو فقط.
وينتظر أن تخضع هذه التعديلات لنقاش موسع في الجلسات العامة خلال شهر يونيو/حزيران، ما يمهد لمعركة سياسية وتشريعية حول حجم الإنفاق الدفاعي.
انتقادات سابقة: تقليل تقدير الاحتياجات
ويبرر أنصار هذه الزيادة موقفهم بضرورة التكيف مع واقع أمني جديد يتسم بتعقيد غير مسبوق. فالحرب في أوكرانيا أعادت إلى الواجهة سيناريوهات الصراع التقليدي بين الدول، في حين تستمر التهديدات غير التقليدية، مثل الإرهاب والهجمات السيبرانية، في التصاعد.
كما أن تعدد مناطق انتشار القوات الفرنسية، من أفريقيا إلى الشرق الأوسط وأوروبا الشرقية، يفرض أعباء مالية ولوجستية متزايدة. ويضاف إلى ذلك عامل التضخم، الذي أدى إلى ارتفاع تكاليف المعدات العسكرية والطاقة، مما قلص من القيمة الفعلية للميزانيات المرصودة سابقا.
في المقابل، لا يخلو هذا التوجه من انتقادات وتحذيرات جدية، خاصة من المؤسسات المالية. فقد نبّه المجلس الأعلى للمالية العامة إلى أن الطموحات العسكرية الفرنسية قد تتجاوز الإمكانيات الاقتصادية المتاحة، محذرا من مخاطر اتساع العجز وارتفاع الدين العام.
ويثير هذا التحذير تساؤلات حول قدرة الدولة على تمويل هذه الزيادة دون التأثير على قطاعات حيوية أخرى مثل الصحة والتعليم والخدمات الاجتماعية.
ويعكس الجدل الدائر انقساما واضحا داخل الطبقة السياسية. فبينما يرى مؤيدو الزيادة أن الأمن القومي يجب أن يكون أولوية مطلقة في عالم غير مستقر، يعتبر المعارضون أن التوسع في الإنفاق العسكري قد يأتي على حساب التوازنات المالية والاجتماعية.
كما يشير بعض الخبراء إلى أن المشكلة لا تتعلق فقط بحجم الميزانية، بل بكفاءة إنفاقها ووضوح الاستراتيجية الدفاعية طويلة المدى.
وفي النهاية، تجد فرنسا نفسها أمام معادلة معقدة تجمع بين ضرورات الأمن وضغوط الاقتصاد. فزيادة الإنفاق العسكري قد تعزز قدراتها الدفاعية ومكانتها الدولية، لكنها في الوقت ذاته تفرض تحديات مالية كبيرة.
وسيكون الحسم النهائي لهذا الملف اختبارا حقيقيا لقدرة صناع القرار على تحقيق توازن دقيق بين حماية المصالح الوطنية وضمان الاستقرار الاقتصادي في آن واحد.
