تجارب مع الاكتئاب وثنائي القطب والفصام.. ماذا يكشف التعافي؟

أظهرت تجارب وبرامج متخصصة أن التثقيف النفسي يمكن أن يؤدي دورًا مهمًا في مساعدة المصابين بالاكتئاب والاضطراب ثنائي القطب والفصام على فهم حالاتهم والتعامل معها، إلى جانب توفير الدعم لأفراد أسرهم والمقربين منهم.
وذكرت صحيفة “ذا آيرش تايمز”، أن هذا النهج لا يقتصر، على تقديم المعلومات، بل يساعد الأشخاص على اكتساب فهم أعمق لصعوبات الصحة النفسية، ومواجهة الوصمة والمعلومات المضللة، والمشاركة بصورة أكثر فاعلية في رحلة العلاج والتعافي.
وبحسب الصحيفة، فإن المعرفة قوة. فعندما نتمكن من فهم كيفية حدوث أمر ما ولماذا يحدث، بالاستناد إلى المعرفة والأدلة والإرشادات، يصبح من الأسهل استيعاب آثار المشكلات التي قد نواجهها وأصولها.
وهذا هو التثقيف النفسي تحديدًا؛ إرشادات تستند إلى الأدلة حول كيفية التعامل مع صعوبات الصحة النفسية، مثل الاكتئاب والاضطراب ثنائي القطب والفصام. لكن التثقيف النفسي يتجاوز ذلك، إذ يشمل أفراد الأسرة أو الأشخاص المقربين الداعمين، لمساعدتهم أيضًا على فهم هذه الاضطرابات والتعرف إليها.
ويقول ديريك بيبر، قائد فريق إقليمي في مؤسسة “شاين”، وهي جمعية وطنية تدعم الأشخاص الذين لديهم تجارب مع المرض النفسي وأفراد أسرهم وداعميهم: “يُقدَّم برنامج التثقيف النفسي عمومًا ضمن مجموعة على مدى عدة أسابيع، على يد أحد المتخصصين في الصحة النفسية، مثل ممرض نفسي أو معالج وظيفي أو اختصاصي اجتماعي”.
ويضيف للصحيفة: “يمكن أيضًا تقديم برامج التثقيف النفسي في المجتمع من خلال منظمات القطاع التطوعي، مثل شاين وAware وGrow. ومن الناحية المثالية، ينبغي أن تُطوَّر هذه البرامج وتُقدَّم بشكل مشترك بين المتخصصين في الصحة النفسية وأشخاص لديهم تجارب شخصية مع صعوبات الصحة النفسية أو أفراد أسرهم”.
ويرى بيبر أن برامج التثقيف النفسي الحديثة ينبغي أن تقدم رؤية متوازنة لواقع التعايش مع صعوبات الصحة النفسية، إلى جانب إرشادات بشأن الدعم البيولوجي والنفسي الاجتماعي والاجتماعي المتاح للأشخاص المتأثرين بهذه الحالات.
ويقول: “ينبغي تقديم كل برنامج للتثقيف النفسي من منظور يركز على التعافي، مع التأكيد على تزويد المشاركين بالمعلومات والفهم اللذين يمكّنانهم من عيش حياة غنية ومرضية، مع إدارة صعوبات الصحة النفسية”.
ويشير بيبر، الذي عمل مع مؤسسة “شاين” لمدة 20 عامًا وشارك في إعداد برامج التثقيف وتقديمها وتقييمها في أنحاء البلاد، إلى أن تشخيص الاكتئاب أو الاضطراب ثنائي القطب أو الفصام قد يكون تجربة صادمة في حياة الشخص، بسبب نقص المعرفة والفهم، وتأثير المعتقدات المرتبطة بالوصمة تجاه صعوبات الصحة النفسية.
ويقول: “يمكن أن يكون الأمر صادمًا بالقدر نفسه بالنسبة إلى أفراد الأسرة والأشخاص المقربين. ومن خلال المشاركة في برنامج للتثقيف النفسي، سيحصل الأفراد على معلومات حول الواقع، وسيتمكنون في نهاية المطاف من مواجهة المعلومات المضللة والصور النمطية السلبية السائدة. ومن خلال ذلك، يمكننا أن نبعث الأمل في نفوس الفرد وأفراد أسرته، وأن نوضح أن هذه الحالة يمكن التعامل معها، وبالتالي تحفيز الأفراد على أداء دور نشط في علاجهم وتعافيهم”.
ولا تقتصر برامج التثقيف النفسي على تقديم المعلومات، فمع أهمية الأدلة، هناك مكونات أخرى للعملية. ويُعد الاستماع إلى تجارب الآخرين الحياتية أمرًا حيويًا أيضًا.
ويقول بيبر: “يوفر التثقيف النفسي فرصة للمشاركين لمشاركة تجربتهم في التعايش مع صعوبة من صعوبات الصحة النفسية مع مجموعة من الأشخاص الذين لديهم تجربة حياتية مماثلة، ومن خلال ذلك الحصول على الدعم والفهم والتشجيع من المشاركين في البرنامج”.
ويضيف: “ومن خلال عملية المشاركة والاستكشاف والاكتشاف، لن يحصل الأفراد على المعلومات والرؤية والوعي فحسب، بل سيطورون أيضًا الأمل في مستقبل كانوا قد اعتقدوا سابقًا أنه بعيد المنال”.
دعم الأسر
يمكن للتثقيف النفسي أن يدعم الأسر بطرق عديدة. وتوفر مؤسسة “Aware” مساحة للأشخاص للاجتماع والتعرف إلى الاكتئاب والاضطراب ثنائي القطب ضمن مجموعات لدعم الأسر، وهو ما يمكن أن يساعد أفراد العائلة على دعم أحبائهم.
وتقول الدكتورة سوزان برانيك، المديرة السريرية في “Aware”: “قد يكون من المفيد فهم ما يمكن أن يكون جزءًا من الاكتئاب. فعلى سبيل المثال، قد يكون انخفاض الدافعية والطاقة جزءًا من الشعور بالاكتئاب الشديد، لكنه لا يعكس شيئًا عن شخصية الشخص”.
وتضيف: “قد يكون من المفيد أيضًا الاجتماع في هذه المساحة ومشاركة التجارب مع أشخاص آخرين قد تكون لديهم معرفة مشتركة بما يحدث. نحن نتحسن في التحدث بصراحة عن الصحة النفسية في أيرلندا، لكننا نعلم أن هناك المزيد الذي يتعين القيام به، ولا يزال الأشخاص يشعرون بالوصمة بسبب معاناتهم من الاكتئاب، أو عندما يعاني أحد أحبائهم من الاكتئاب أو القلق أو الاضطراب ثنائي القطب، فقد يكون هناك قلق حقيقي من أن يؤثر ذلك في نظرة الآخرين إلى الشخص أو الأسرة أو طريقة تعاملهم معهم”.
وتولي برانيك اهتمامًا كبيرًا بمواجهة الوصمة المرتبطة بالصحة النفسية وفهم كيفية تأثير السياق الاجتماعي والسياسي الذي يعيش فيه الأشخاص في الصعوبات النفسية. وتقول إن هناك طرقًا مختلفة لبناء المعرفة والفهم بشأن الاكتئاب والقلق والصحة النفسية عمومًا.
وتوضح: “في Aware نقدم جلسات جماعية يمكن للأشخاص خلالها التعرف أكثر إلى الاكتئاب والقلق، وكيفية إحداث تغييرات عندما يشعرون بأنهم عالقون. وتستند هذه المجموعات إلى أفكار العلاج السلوكي المعرفي، التي ثبت أنها تساعد الأشخاص على التغلب على صعوبات الصحة النفسية. وهناك أيضًا برامج إلكترونية ذاتية التوجيه تستند إلى المبادئ نفسها، ويمكن للشخص تنفيذها بنفسه بمساعدة متطوع”.
وترى برانيك، وهي اختصاصية علم نفس سريري تتمتع بخبرة عدة سنوات في تطوير الخدمات والابتكار، إلى جانب تقديم الاستشارات والتدريب للمنظمات الصحية والمجتمعية، أن الخطوة الأولى لإحداث أي تغيير هي فهم ما يحدث وما المشكلة.
وتقول: “يوفر التثقيف النفسي فهمًا لما يمكن أن يكون شائعًا في حالات مثل الاكتئاب أو القلق، والأهم من ذلك كيفية النظر في الطريقة التي يمكن أن تعمل بها دورة معينة لدى الفرد”.
وتوضح، على سبيل المثال، أن الشخص الذي يشعر بالقلق من الخروج قد يبدأ في الخروج بدرجة أقل، ما قد يجعله يشعر بمزيد من القلق وانخفاض الثقة بالنفس، ويدفعه إلى الخروج بدرجة أقل فأقل مع مرور الوقت، وهو ما يؤدي في النهاية إلى مزيد من القلق، وهكذا.
وتؤكد أن التثقيف النفسي يمكن أن يساعد الأشخاص على فهم محفزات التوتر وانخفاض المزاج والقلق لديهم، لكن الأهم هو أن يتعلموا طرقًا لكسر هذه الدائرة، بما يساعد على التعافي على المدى الطويل.
فهم الصحة النفسية ومواجهة الوصمة
ويُعد الانفتاح على التعلم بشأن صحتنا النفسية والصعوبات التي قد تظهر أمرًا أساسيًا لكسر دائرة الوصمة المستمرة.
ويقول بيبر: “غالبًا ما يكون هناك افتراض تلقائي عندما يُستخدم مصطلح الصحة النفسية في الحديث، وهو أننا نشير إلى المرض النفسي. لكن عندما نسمع مصطلح الصحة الجسدية، يكون هناك قبول عام بأننا نشير إلى حالة من الرفاه الجسدي، من دون ربط ذلك بالضرورة بالمرض”.
ويضيف: “ومن المقبول أيضًا أن الصحة الجسدية لكل فرد يمكن أن تتأثر، وستتأثر، بالمرض أو الإصابة أو تغير الظروف الحياتية في مرحلة ما من دورة حياتنا. ولذلك، من المهم للغاية أن نطور فهمًا مماثلًا لمصطلح الصحة النفسية باعتباره حالة من الرفاه العاطفي والنفسي التي يمتلكها كل فرد، والتي يمكن أن تتغير أيضًا بسبب المرض أو الإصابة أو تغير الظروف”.
ويتابع: “إذا تمكنا من تطوير هذا الفهم، فمن المأمول أن نصل إلى مرحلة نتقبل فيها صعوبات الصحة النفسية باعتبارها تجارب إنسانية طبيعية، تمامًا كما نتقبل الأمراض الجسدية باعتبارها تجارب إنسانية طبيعية”.
وفي نهاية المطاف، يرى بيبر أن الوصول إلى هذا المستوى من الفهم من خلال التثقيف النفسي ومشاركة التجارب الحياتية يمكن أن يساعد في التغلب على الوصمة المرتبطة بالضيق العاطفي وصعوبات الصحة النفسية، وأن يجعل الأشخاص أكثر استعدادًا لطلب المساعدة والدعم.
