اخترنا لكم

حياة “جونسون” السياسية.. وأزمة الحفلات


تحقيق “سوجراي” بشأن ما بات يُعرف في بريطانيا بـ”فضيحة الحفلات”، جلب لرئيس الحكومة، بوريس جونسون، أزمة ستلاحقه لسنوات.

وربما تكون هذه السبب في نهاية حياته السياسية حتى قبل انتخابات 2024.

لن تُطوى صفحة “الفضيحة” بإطلالات صحفية يعيد فيها “جونسون” اعتذاره، ويتعهد بإجراء تغييرات على فريقه الحكومي.

هكذا تقول استطلاعات رأي سريعة أجريت عقب إعلان نتائج تحقيق “سوجراي” مؤخراً.. وأضافت أن غالبية البريطانيين يرون أن زعيم المحافظين “بات غير قادر على استرداد ثقة أعضاء حزبه والناس عامة في قيادة البلاد خلال المرحلة المقبلة”.. خاصة أنها مرحلة دقيقة وحرجة وتحتاج إلى قائد يفعل ما يقول، وينفذ ما يعد به.

في مرآة الإعلام المحلي، ما لحق بـ”جونسون” عبر تحقيق “سوجراي” “إثمٌ لا يمكن تجاوزه وغفرانه”.. وما من سبيل أمام رئيس الوزراء للتكفير عن ذنبه، إلا من خلال رحيله عن كرسي السلطة وتسليمه الراية لآخر أيًّا كان.  

لم “يغسل” جونسون سواد الخطأ بالاستقالة، وفضّل المُضي في محاولات الاعتذار وحثّ الناس على تجاوز الأمر.

يعترف القائد، وأفراد من فريق حكومته، بخطئه في التعامل مع قواعد الإغلاق خلال مواجهة جائحة كورونا، ولكن هذا الخطأ هو فقط لـ”تعلم الدروس والعبَر، وليس للاستسلام والانسحاب من المشهد السياسي”، على حد رأيه.

يرى “جونسون” ووزراؤه أن ما ينتظر البلاد من تحديات اليوم لا يسمح باستقالة الحكومة.. وما تحتاج إليه المملكة المتحدة ليس التمترُس خلف فكرة معاقبة رئيس الحكومة لمخالفته تقاليد الدولة في ضرورة بقاء القائد مثالا يُحتذى في الالتزام، وإنما مساندة القيادة في قرارات تعتزم اتخاذها لإنقاذ الناس من ارتفاع كُلفة المعيشة، وحمايتهم -والقارةَ الأوروبية- مما أسماه “أطماع التوسع”.

توظيف الأمر على هذا النحو ينطوي على “ابتزاز” إلى حد ما. فالبريطانيون مرهقون فعلا من ارتفاع كُلفة الحياة، وقلقون كغيرهم من الأوروبيين، إزاء تداعيات الحرب الأوكرانية.

ولكن هل يتوجّب عليهم الاختيار بين أخلاقهم وبين لقمة عيشهم؟، بين تقاليدهم وحاجتهم إلى الشعور بالأمن والاستقرار والحماية من “العدو”؟

يُنكر رئيس الوزراء البريطاني هذه القراءة، التي تروّج لها المعارضة.. ويفسر موقفه بأن الأخطاء التي ارتكبها “غير مقصودة” و”لا ترتقي إلى مستوى الخطايا التي تستوجب إقالته أو استقالته”.. بالإضافة إلى أنه أصغى جيدا لوصايا تقرير “سوجراي”، وأعد قائمة طويلة من التغييرات في صفوف فريقه الحكومي.

وبعيدا عن الروايتين، المؤيدة والمعارضة، لا يبدو اختزال دولة مثل بريطانيا في شخص واحد، مقاربة حكيمة أو واقعية.. فهي دولة قانون وبرلمان ومؤسسات.. والحزب الحاكم، حتى لو امتلك الأكثرية البرلمانية، لا ينفرد بالسلطة.

ربما جنّبت الحرب الأوكرانية “جونسون” الاستقالة عندما أثيرت فضيحة الحفلات منذ أشهر، ولكن ليس لأن البريطانيين يخشون أن تنهار بلادهم دونه.. وإنما لأن الأولوية كانت للتعامل مع ملف الحرب التي قلبت أوروبا، ولأن التحقيقين الشرطي والمدني في الفضيحة لم يكونا قد انتهيا حينها.

رغم ذلك، عاقب البريطانيون “جونسون” وحزبه في الانتخابات البلدية الأخيرة، بعدما أصبح أول رئيس حكومة في تاريخ البلاد يُغرّم من الشرطة لمخالفته القانون.

وخسارةُ المحافظين تلك الانتخابات يمكن أن تتكرر في الاستحقاق البرلماني القادم، والذي يعوّل عليه الحزب و”جونسون” للبقاء في السلطة.

لا يغفر البريطانيون للساسة، الذين ينكثون عهودهم، ويتصرفون بعكس ثقتهم.. لقد اختبر حزب العمال ذلك قبل بضعة أعوام عندما تبنّى موقفا متذبذبا من مسألة الخروج من الاتحاد الأوروبي، التي أقرها استفتاء مصيري عام 2016.. واليوم وضع المحافظون أنفسهم تحت ذات المقصلة من خلال حمايتهم لـ”جونسون”.

صقور المحافظين، الذين يمثلهم “جونسون”، يراهنون على إنجازات تعيد ثقة الناس بالحزب قبل الانتخابات البرلمانية القادمة.. ويتوقعون أن عاصفة فضيحة الحفلات قد تدخل مرحلتها الأخيرة، ولم يبق منها إلا بضعة أيام.. وكي يضمنوا حدوث ذلك أعدّوا خطة لمساعدة الناس على تحمل زيادة الأسعار والضرائب.
ربما تُهدّئ خطة الدعم المرتقبة الدعواتِ لاستقالة “جونسون”.. ولكنها لن تُخرجه أبدًا من دائرة المراقبة لسلوكه وقراراته.

لن ينعم رئيس الحكومة أبدًا بعد اليوم بلحظات اطمئنان إزاء دعم البريطانيين والتفاف حزبه حوله.. وما فشلت فضيحة الحفلات في تحقيقه قد يحدث عند أول غلطة صغيرة يرتكبها “جونسون” بعد أيام أو أشهر.

ثمة أعضاء في حزب المحافظين حسموا أمرهم بعدم تأييد “جونسون” بعد “فضيحة الحفلات”.. وإنْ فشلوا اليوم في إجبار الحزب على سحب الثقة منه وإسقاط حكومته، فسينقضُّون عليه عند أول خطأ يرتكبه قبل الانتخابات العامة المقبلة.. وإنْ نجا إلى ذلك الحين، فلن يحصل على دعمهم وتأييدهم للمنافسة على ولاية جديدة.

وصْمُ مسيرة “جونسون” بـ”فضيحة حفلات الحكومة” لن يُمحى ببساطة.. وإعادة بناء الثقة مع البريطانيين قد تُجبر حزب المحافظين يوما على التضحية به، خاصة إذا فشل في دعم الفقراء في مواجهة الغلاء وضيق العيش.. رغم هذا، ومن باب الإنصاف، لا بد من القول إن الفطنة والحنكة لا تنقصان رئيس الوزراء البريطاني، وقد تجاوز أزماتٍ عدة بفضلهما منذ أن وطئ العمل السياسي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى