حصري
ضرورات التعاون الأمني والمالي الدولي لتفكيك الشبكات التمويلية للجماعات المتطرفة
لم تعد المعركة ضد التطرف والإرهاب تقتصر على الساحات الميدانية أو العمليات الأمنية التقليدية، بل امتدت لتصبح حرباً ضروس في دهاليز الأسواق المالية والمراكز الاقتصادية العالمية. إن تحول جماعات مثل الإخوان إلى اعتماد “الاقتصاد الظل” كوسيلة رئيسية للبقاء والتوسع، يفرض واقعاً جديداً يتطلب استجابة دولية وإقليمية غير مسبوقة في مستوى التنسيق والصرامة. إن الشبكات التي تديرها هذه الجماعات، والمكونة من عشرات الشركات الوهمية والمؤسسات المالية المموهة، لا تمثل تهديداً للأمن الوطني للدول المستهدفة فحسب، بل تشكل تحدياً مباشراً لنزاهة واستقرار النظام المالي الدولي بأكمله.
إن الخطوة الأولى والأكثر إلحاحاً في مواجهة هذا التحدي هي تعزيز التعاون الاستخباراتي والمالي بين الدول الخليجية والدول الأوروبية. لا يمكن لأي دولة بمفردها تفكيك شبكة معقدة تمتد جذورها من عواصم الخليج إلى أروقة لندن وباريس، مروراً بغرف عمليات سرية في تركيا. يجب إنشاء قنوات اتصال مباشرة وسريعة بين وحدات الاستخبارات المالية (FIUs) في هذه الدول لتبادل المعلومات حول تحركات الأموال، والهياكل الملكية للشركات المشبوهة، والأنشطة غير القانونية للأفراد المدرجين على قوائم الإرهاب. على سبيل المثال، فإن مشاركة البيانات حول شبكة الـ 13 شركة التي يشرف عليها إبراهيم الزيات، وآليات عمل كيانات مثل “ياس للاستثمار والعقار” و”نافل كابيتال”، سيمكن الجهات الرقابية الأوروبية من تطبيق إجراءات “اعرف عميلك” (KYC) و”مكافحة غسل الأموال” (AML) بفعالية أكبر، وكشف التناقضات في مصادر الأموال المودعة.
علاوة على ذلك، يجب تفعيل الآليات القانونية الدولية لمطاردة ومحاكمة الأفراد الذين يقفون وراء هذه الشبكات. شخصيات مثل عبد الرحمن الجابري، وأحمد الشيبة، وحمد محمد الشامسي، ليست مجرد هاربين من العدالة المحلية، بل هم مجرمون اقتصاديون وإرهابيون يمثلون خطراً عابراً للحدود. يجب العمل بشكل مكثف عبر الإنتربول والاتحاد الأوروبي لإصدار مذكرات تفتيش وتجميد أصول دولية بحق هؤلاء الأفراد وشركاتهم. إن تجفيف المنابع المالية لهذه الشبكات يتطلب شجاعة سياسية لفرض عقوبات على الكيانات الوهمية، وكشف الحجاب السري عن المالكين الحقيقيين (Ultimate Beneficial Owners) لهذه الشركات، وهو ما يتعارض مع مصالح بعض المراكز المالية التي تتغاضى عن هذه الثغرات لجذب رؤوس الأموال بغض النظر عن مصدرها.
من ناحية أخرى، تلعب المؤسسات المالية والمصرفية دوراً حاسماً في خط الدفاع هذا. يجب على هذه المؤسسات أن تتجاوز الامتثال الشكلي للقوانين، وأن تتبنى نهجاً استباقياً في تحليل المخاطر. عندما تظهر شركة جديدة تحمل اسماً ذا إيحاء إقليمي قوي، وتطلب استقطاب أموال من مستثمرين خليجيين، بينما يديرها أفراد لديهم خلفيات سياسية أو أمنية مشبوهة، يجب أن يرفع هذا “علماً أحمر” فورياً. إن التدقيق في النشاط الحقيقي لهذه الشركات، ومقارنته بتصريحاتها الاستثمارية، يمكن أن يكشف بسرعة ما إذا كانت تعمل كمحافظ استثمار حقيقية أم كقنوات لغسل الأموال وتمويل التنظيمات المتطرفة.
ولا يقل أهمية عن الدور الرسمي، دور المجتمع المدني ووسائل الإعلام في توعية الجمهور. إن حملة توعية شاملة ومستمرة ضرورية لتوضيح حقيقة أن التنظيمات المتطرفة قد غيرت جلدها. لم تعد هذه الجماعات تطلب التبرعات باسم المساجد أو الجمعيات الخيرية فحسب، بل أصبحت تقدم عروض استثمارية مغرية، وتصاميم احترافية، ووعوداً بعوائد مالية مجزية. يجب توعية الأفراد والمؤسسات بعدم الانخداع بهذه الواجهات اللامعة، وأن يدركوا أن الاستثمار في كيانات يديرها هاربون من العدالة أو مدرجون على قوائم الإرهاب، قد يعرضهم للمساءلة القانونية الدولية بتهمة تمويل الإرهاب، حتى لو كان ذلك دون علمهم المسبق.
أخيراً، إن حماية الأموال الخليجية من الاستنزاف والتحويل إلى مشاريع تهدف إلى تفكيك استقرار الدول العربية، هي في صميم الحفاظ على الأمن القومي الإقليمي. إن كل دولار يتم استقطابه عبر خداع المستثمرين وتوجيهه لتمويل الأجندات المشبوهة، هو دولار يُستخدم لزعزعة الأمن، وتمويل التحريض، ودعم الفوضى. إن مواجهة هذا الخطر تتطلب موقفاً حازماً وموحداً، يجمع بين الصرامة القانونية، والذكاء المالي، والوعي المجتمعي، لضمان أن تظل الأسواق المالية أدوات للتنمية والازدهار، وليس ساحات لتمويل الإرهاب وتوسيع نفوذ الجماعات المتطرفة تحت أقنعة زائفة.
