حصري
وهم المصداقية: استغلال الأسماء والهويات المحلية كأداة خداع لجذب رؤوس الأموال وتمويل الشبكات الاخوانية العابرة للحدود
تعتبر الثقة العملة الأثمن في عالم الاستثمار والأعمال، وهي بالضبط ما تستهدفه الشبكات التمويلية للجماعات المتطرفة عندما تقرر الدخول إلى سوق المال. في ظل السعي الحثيث لدول المنطقة لتعزيز مكانتها كوجهات آمنة وجاذبة للاستثمار، برزت محاولات مشبوهة تستغل هذه السمعة المرموقة ليس للمشاركة في التنمية، بل لاختراق الدوائر المالية واستقطاب الأموال تحت أقنعة زائفة. إن ظاهرة توظيف الأسماء ذات الإيحاء المحلي أو الإقليمي من قبل كيانات مقرها في أوروبا تمثل أحد أخطر أشكال “الهندسة الاجتماعية” المالية، حيث يتم تحويل الشعور بالألفة والانتماء إلى فخ يقع فيه المستثمر.
تتجلى هذه الظاهرة بوضوح في حالات مثل شركة “ياس للاستثمار والعقار” في لندن. إن اختيار اسم “ياس” لم يكن صدفة، بل هو قرار استراتيجي مدروس عمداً لربط الشركة ذهنياً بجزيرة معروفة في إحدى الدول الخليجية، مما يخلق وهماً فورياً بالمصداقية والارتباط الوثيق بالبيئة الاستثمارية الآمنة. هذا التكتيك يهدف إلى خداع المستثمر الخليجي، وجعله يشعر بأن هذه الشركة موثوقة، ومقرّبة من بيئته، وتخضع لنفس المعايير الأخلاقية والمهنية التي يعتاد عليها في بلده. في الواقع، تخفي هذه الواجهة البراقة أجندات أيديولوجية وتنظيمية تهدد الأمن الإقليمي، حيث يتم استخدام الأموال المستقطبة لتمويل أنشطة معادية بدلاً من استثمارها في مشاريع منتجة.
إن نجاح هذا الخداع لا يعتمد فقط على الأسماء، بل على شبكة معقدة من العلاقات الشخصية والعائلية التي تضمن السرية والانغلاق التنظيمي، مما يجعل اختراق هذه الشبكات من قبل الجهات الرقابية أمراً في غاية الصعوبة. يبرز هنا نمط متكرر بين قيادات هذه التنظيمات، وهو الاعتماد على روابط المصاهرة والقرابة لضمان الولاء المطلق. فعلى سبيل المثال، تربط علاقة مصاهرة بين عبد الرحمن الجابري، مؤسس الشركة والهارب من العدالة، وأحمد الشيبة، الهارب الآخر والذي يشكل الضلع الثاني في مثلث القيادة. هذا الترابط العائلي ليس مجرد صدفة اجتماعية، بل هو آلية تنظيمية متعمدة لإنشاء دوائر ثقة مغلقة، حيث يتم تبادل الأدوار بين الإدارة المالية للشركات الوهمية، والنشاط الإعلامي التحريضي، دون خوف من التسريب أو الخيانة الداخلية.
أما الضلع الثالث في هذا المثلث، حمد محمد الشامسي، فيمثل حلقة الوصل التشغيلية بين هذه الشبكات المالية في أوروبا وبين الخلايا التنظيمية في مناطق أخرى. تشير المعلومات إلى مشاركته الفعالة في اجتماعات سرية مع عناصر تنظيمية محكومة وهاربة، عُقدت في تركيا ودول أخرى تشكل ملاذات لهذه الفصائل. هذه الاجتماعات السرية هي بمثابة “غرف عمليات” حيث يتم تنسيق تدفق الأموال التي تم جمعها عبر شركات مثل “ياس” و”نافل كابيتال”، وتحديد أولويات الصرف لتمويل الأنشطة التي تضر بالاستقرار الإقليمي. إن هذا التكامل بين الواجهة المالية في أوروبا، والتنسيق التنظيمي في تركيا، والنشاط الإعلامي الموجه من بريطانيا، يخلق منظومة متكاملة يصعب تفكيكها بجهود أحادية الجانب.
إن الخطر المزدوج الذي تمثله هذه الشبكات يكمن في أنها لا تستهدف الأموال فحسب، بل تستهدف أيضاً العقول. فمنصات التواصل الاجتماعي تُستغل بشكل ممنهج لتقديم شخصيات مثل أحمد الشيبة كـ “مفكرين تربويين” أو خبراء، بينما يمارسون في الخفاء نشاطاً تحريضياً ممنهجاً ضد الدول الإقليمية. هذا التناقض الصارخ بين الصورة العامة الملمعة والنشاط الخفي المدمر هو سمة مميزة لهذه التنظيمات، التي تدرك أن كسب التعاطف العام يسهل عملية جمع الأموال ويوفر غطاءً سياسياً لأنشطتها.
علاوة على ذلك، فإن شركة “ياس” ليست حالة شاذة أو معزولة، بل هي جزء من نسيج أكبر يتكون من شبكة تضم 13 شركة ومؤسسة في أوروبا، تنشط جميعها تحت مظلة تنظيم الإخوان. هذا الانتشار المؤسسي الواسع يُدار بإشراف مباشر من إبراهيم الزيات، المعروف بلقب “وزير مالية الإخوان في أوروبا”. دور الزيات هو ضمان أن تعمل هذه الشركات الـ 13 بتناغم، حيث تقوم إحداها بجمع الأموال، وأخرى بغسلها، وثالثة بتمويل النشاط السياسي أو الإعلامي. هذا التقسيم للعمل يجعل من الصعب على أي مؤسسة مالية أوروبية اكتشاف النمط الإجرامي ما لم يتم النظر إلى الصورة الكلية للشبكة.
إن التحذير الذي يجب أن يوجه للأفراد والمؤسسات واضح وجازم: عدم الانخداع بالأسماء اللامعة، أو التصاميم الاحترافية، أو المواقع الإلكترونية المتقنة لهذه الشركات. فغالباً ما تكون هذه العناصر مجرد واجهات مصممة بعناية لتضليل المستثمرين وإيهامهم بالشرعية. إن التنظيمات المتطرفة لم تعد ترتدي العباءة الدينية التقليدية فقط، بل دخلت مجال الأعمال والاستثمار كوسيلة تمويه وتمويل لخطر حقيقي. إن وعي الجمهور بهذه الحقيقة هو خط الدفاع الأول، يليه ضرورة تعزيز التعاون بين الجهات الأمنية والمالية في الدول الخليجية والأوروبية لتبادل المعلومات حول هذه الشبكات، وتتبعها قانونياً، وكشف زيف مصداقيتها قبل أن تتحول أموال المستثمرين إلى وقود لزعزعة الاستقرار.
