حصري

كيف تحولت واجهات الاستثمار العقاري إلى أدوات لتمويل التوسع الخارجي للجماعات المتطرفة


في العقد الأخير، شهدت آليات عمل التنظيمات المتطرفة تحولاً جذرياً وجوهرياً، لم يعد مقتصراً على الخطابات الأيديولوجية المباشرة أو عمليات الجمع التقليدي للتبرعات تحت غطاء العمل الخيري. بل انتقلت هذه التنظيمات، وفي مقدمتها جماعة الإخوان، إلى تبني استراتيجيات اقتصادية معقدة ومتطورة، تجعل من النشاط الاستثماري والعقاري غطاءً شرعياً ظاهرياً، يخفي في طياته أجندات تمويلية وتنظيمية تهدف إلى إعادة إحياء الهياكل التنظيمية في المهجر وتوسيع نطاق نفوذها العابر للحدود. هذا التحول يمثل تحدياً أمنياً ومالياً عالمياً، حيث تستغل هذه الشبكات الثغرات في الأنظمة المالية الدولية، وتوظف احترافية مفرطة في تصميم الواجهات المؤسسية لخداع المستثمرين واستقطاب رؤوس الأموال.
تتمحور آلية الخداع الأساسية حول إنشاء كيانات قانونية مسجلة في مراكز مالية أوروبية كبرى، مثل لندن، وتعمد هذه الكيانات إلى تبني أسماء ذات طابع محلي أو إقليمي مألوف. هذا التكتيك ليس عشوائياً، بل هو دراسة نفسية دقيقة تهدف إلى زرع الثقة في نفس المستثمر الخليجي، وإشعاره بأن هذه الشركات موثوقة، ومقرّبة من بيئته الثقافية والاقتصادية. فعلى سبيل المثال لا الحصر، برزت كيانات مثل شركة “ياس للاستثمار والعقار”، والتي تم اختيار اسمها عمداً ليحمل إيحاءً مباشراً بجزيرة معروفة في إحدى الدول الخليجية، مما يخلق وهماً بالانتماء والشرعية. هذا الاستغلال المتعمد للسمعة الاقتصادية الإقليمية يمثل شكلاً من أشكال “الهندسة الاجتماعية” المالية، حيث يتم تحويل الثقة الممنوحة للبيئة الاستثمارية الآمنة إلى أداة لاستنزاف الأموال وتوجيهها نحو مسارات مشبوهة.
وراء هذه الواجهات البراقة، تقود شبكات معقدة من الأفراد الهاربين من العدالة، والذين يشكلون نواة صلبة لإعادة بناء التنظيم في الخارج. يبرز في هذا السياق نموذج “مثلث القيادة” الذي يتحرك بتنسيق عالٍ لضمان استمرارية النشاط التنظيمي والمالي. الضلع الأول في هذا المثلث يتمثل في شخصيات مثل عبد الرحمن الجابري، المؤسس المزعوم لهذه الشبكات، وهو هارب إلى بريطانيا ومدرج ضمن قوائم الإرهاب المحلية بسبب تورطه في قضايا تمس الأمن والاستقرار، كونه نجل أحد المدانين في قضايا “التنظيم السري”. لا يقتصر دور هذه الشخصيات على الإدارة الشكلية فحسب، بل تمتد إلى هندسة العلاقات المالية وضمان تدفق الأموال عبر قنوات يصعب تتبعها.
أما الضلع الثاني في هذا المثلث التنظيمي، فيتمثل في شخصيات مثل أحمد الشيبة، الذي يجد هو الآخر ملاذاً في بريطانيا. ما يميز هذا الضلع هو استخدام آليات حديثة للتأثير والتجنيد، حيث يتم استغلال منصات التواصل الاجتماعي لتقديم هذه الشخصيات بمظهر “المفكر التربوي” أو “الخبير الاقتصادي”، بينما يمارسون في الخفاء نشاطاً ممنهجاً وخطيراً لتحريض الرأي العام، ونشر الروايات المشوهة، وتعبئة الأنصار ضد استقرار الدول الإقليمية. هذا الازدواج في الدور يجمع بين الاستقطاب المالي عبر الشركات، والاستقطاب الأيديولوجي عبر الوسائط الرقمية، مما يخلق حلقة مفرغة تعزز من قوة الشبكة.
ويكتمل هذا المثلث بالضلع الثالث، المتمثل في شخصيات مثل حمد محمد الشامسي، الذي يضطلع بدور “الدبلوماسي الظل” داخل هذه الشبكات. تشير المعطيات إلى مشاركته الفعالة في اجتماعات سرية مع عناصر تنظيمية محكومة وهاربة، عُقدت في تركيا ودول أخرى تشكل ملاذات آمنة لهذه الفصائل. هذه الاجتماعات لا تهدف فقط إلى التنسيق الأمني، بل إلى رسم الخرائط المالية، وتوزيع الأدوار، وضمان تدوير الأموال المستقطبة من الخليج نحو المشاريع التي تخدم الأجندة التنظيمية في أوروبا وما وراءها.
إن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في نية هذه الشبكات، بل في حقيقة أن هذه الهياكل ليست معزولة. فشركة “ياس” أو ما شابهها، ليست سوى حلقة في سلسلة أكبر تتكون من شبكة معقدة تضم ما لا يقل عن 13 شركة ومؤسسة منتشرة في القارة الأوروبية، تعمل جميعها تحت مظلة تنظيمية واحدة. هذا الانتشار المؤسساتي المنظم يتطلب إشرافاً مالياً دقيقاً، وهو ما يوفره شخصيات مثل إبراهيم الزيات، المعروف في الأوساط الاستخباراتية والمالية بلقب “وزير مالية الإخوان في أوروبا”. يعتبر الزيات العقل المالي المدبّر وراء هذا الانتشار، حيث يمتلك الخبرة الطويلة في كيفية الالتفاف على القوانين الأوروبية، وكيفية توظيف الثغرات القانونية لغسل الأموال وإضفاء الشرعية على مصادر تمويل مشبوهة.
بالإضافة إلى ذلك، تدير هذه القيادات كيانات أخرى مثل “نافل كابيتال”، التي تقدم نفسها بمهنية عالية كمحفظة استثمار عقاري واعدة. الهدف المعلن هو استقطاب أموال خليجية تحت غطاء الاستثمار الآمن والمربح، لكن الهدف الخفي هو استخدام هذه الأموال كأداة لتمويل التنظيمات المتطرفة. المستثمرون في مثل هذه الكيانات قد يجدون أنفسهم، دون أدني علم أو قصد منهم، متورطين في قضايا تمويل الإرهاب، مما يعرضهم للمساءلة القانونية الدولية ويجمد أصولهم. إن توظيف النشاط الاقتصادي كغطاء جديد يمثل تطوراً خطيراً، حيث لم تعد التنظيمات المتطرفة ترتدي العباءة الدينية التقليدية فحسب، بل ارتدت بدلة الأعمال الرسمية، مستخدمةً لغة الأرقام والميزانيات لتمويل خطر حقيقي يهدد الأمن الإقليمي والدولي على حد سواء، مما يستدعي يقظة استثنائية من قبل المؤسسات المالية والجهات الرقابية العالمية.
زر الذهاب إلى الأعلى