من الجينات إلى البيئة.. كيف يتغير سلوكنا الاجتماعي مع التقدم في العمر؟
أظهرت دراسة موسعة نشرتها دورية “نايتشر بيفيورال هيومان” أن الخريطة الجينية المحددة للسلوك الاجتماعي لدى الإنسان ليست ثابتة أو جامدة، بل تتغير وتتشكل بناءً على ثلاثة عوامل رئيسية: نوع السلوك الخاضع للقياس، والمرحلة العمرية للفرد، وهُوِيّة الشخص الذي يرصد هذا السلوك ويبلّغ عنه.
ويتجلى هذا التباين السلوكي في نواحٍ متعددة، بدءًا من الأم التي تراقِب طفلها الصغير وهو يتعلم أساليب المشاركة، مرورًا بالمعلم الذي يلاحظ كيفية بناء التلميذ لعلاقاته مع أقرانه في المدرسة، وصولًا إلى المراهق الذي يعبّر بنفسه عن طبيعة علاقاته الاجتماعية.
تطور السلوك عبر الزمن
نفَّذ فريق بحثي دولي يضم تحالفي “EAGLE” و”R2D2-MH” البحثيين برئاسة معهد “ماكس بلانك” لعلوم اللسانيات النفسية في هولندا، تحليلًا جينيًّا شمل ما يقرب من 500 ألف ملاحظة سلوكية مأخوذة من أكثر من 73 ألف فرد، مع تقييمات متكررة امتدت من سن عامين حتى 29 عامًا؛ ما أتاح تتبع التغيرات النمائية عبر مراحل النمو المختلفة.
وتركّزت الدراسة على مجالين واسعين: الأول هو “ضعف السلوك الاجتماعي الإيجابي” الذي يرصد الاختلافات في تقديم المساعدة والمشاركة ومواساة الآخرين، والثاني هو “الصعوبات الاجتماعية لدى الأقران” ويشمل مشكلات تكوين العلاقات وصيانتها كصعوبة بناء الصداقات.
التحليل بالسياق الاجتماعي
خلافًا للدراسات الجينية التقليدية التي تدمج البيانات للوصول إلى تقدير إجمالي واحد، اعتمد الباحثون منهجية “الانحدار الفوقي” (Meta-regression) ونمذجة كيفية تغيّر التأثيرات الجينية عبر مختلف مقاييس السلوك والراصدين والأعمار، وهو ما يُعرف بـ”السياق الاجتماعي”.
وكشفت النتائج عن تحديد 6 مناطق جينية مرتبطة بالسلوك الاجتماعي، أظهرت جميعها تباينًا صريحًا في تأثيرها باختلاف نوع السلوك والراصد والعمر. وبرز جين “CADM2” المسؤول عن تنظيم الاتصالات بين الخلايا العصبية والمقترن سابقًا باضطراب التوحد، كأقوى إشارة جينية مرتبطة بضعف السلوك الإيجابي المبلغ عنه ذاتيًّا خلال مرحلتي الطفولة المتأخرة والمراهقة المبكرة.
وتبيَّن أن التغيرات الجينية الشائعة (المعروفة بـSNPs) تفسّر ما بين 2% و7% فقط من التباين في السلوك الاجتماعي. وأوضح التحليل الاستكشافي أن بنية هذا السلوك تنقسم إلى 4 عوامل جينية متداخلة: عاملان ينتميان للمجالين السلوكيين (السلوك الإيجابي ومشكلات الأقران)، وعاملان يعكسان الاختلاف بين وجهتي نظر الوالدين والمعلمين.
وأثبتت الدراسة أن الروابط الجينية بين السلوك الاجتماعي في الطفولة واضطرابات، مثل: فرط الحركة، وتشتت الانتباه والتوحد، تتكشف وتصبح قابلة للرصد في مراحل نمو محددة اعتمادًا على السياق الاجتماعي المدروس.
حدود التنبؤ الفردي للجينات
وبنى الباحثون درجات الأرجحية الجينية واختبروها على 16,305 أفراد من مجموعات مستقلة ذات أصول أوروبية وأفريقية، وأثبتوا أن دقة التنبؤات الجينية تتحسن بوضوح عند مطابقة السياق الاجتماعي بين المجموعات.
وشدد الباحثون، ومنهم الدكتورة بيات ست بورسين والباحث لوسيا دي هويوس والدكتور توماس بورجيرون، على أن النتائج لا يمكن استخدامها للتنبؤ بالتصرّف الفردي للطفل، فالجينات ليست مصيرًا حتميًّا، وتوافر البيئة والدعم المناسبين يتيحان للأفراد التكيف والازدهار. وأكد الفريق أن خطوتهم القادمة ستكون دراسة الفروق السلوكية المحددة بين الذكور والإناث.
