من سوريا إلى خراسان وأفريقيا.. داعش يبدّل تكتيكاته ويحافظ على حضوره
رغم الضربات التي طالت قيادة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وقدراته العملياتية خلال الأشهر الماضية، لا تبدو المعركة الدولية مع التنظيم المتطرف أمام نهاية قريبة، إذ تحذر الأمم المتحدة من أن التنظيم وفروعه لا يزالون يمثلون تهديداً عالمياً كبيراً، مستفيدين من قدرتهم على التكيف مع التحولات الأمنية والسياسية واستثمار البيئات الهشة لإعادة بناء النفوذ والقدرات.
ويشير تقرير حديث للأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، قدم إلى مجلس الأمن بشأن نشاط ‘داعش’ خلال النصف الأول من عام 2026، إلى أن العمليات الموجهة ضد التنظيم نجحت في إضعاف قيادته وتقييد جزء من قدراته، لكنها لم تتمكن من تقليص مستوى التهديد بصورة حاسمة، فالتنظيم، وفق القراءة الأممية، لم يعد يعتمد بالضرورة على مركزية القرار والسيطرة المباشرة، بل باتت فروعه أكثر قدرة على العمل وفق الظروف المحلية، بما يمنحها هامشاً واسعاً للمناورة والاستمرار.
وتبرز إفريقيا في هذا السياق باعتبارها إحدى أكثر ساحات التهديد إثارة للقلق، فقد أظهرت جماعات مرتبطة بداعش قدرة متزايدة على تطوير إمكاناتها العملياتية والاستفادة من ضعف مؤسسات الدولة واتساع المناطق الخارجة عن السيطرة الأمنية. ويعني ذلك أن تراجع التنظيم في بعض ساحات الشرق الأوسط لا يساوي بالضرورة تراجعاً عالمياً، بل قد يعكس انتقال مركز الثقل إلى بيئات أكثر هشاشة وأقل قدرة على احتواء الجماعات المسلحة.
وفي المقابل، يظل تنظيم ‘داعش خراسان’ مصدراً آخر للقلق، إلى جانب استمرار هشاشة الوضع الأمني في سوريا، حيث تشكل حالة عدم الاستقرار أرضية يمكن أن يستفيد منها التنظيم لإعادة تنظيم صفوفه واستغلال الثغرات الأمنية.
لكن التحول الأبرز في المشهد الإرهابي يتمثل في الأدوات التي باتت الجماعات المتطرفة توظفها، فالذكاء الاصطناعي والطائرات المسيّرة والاتصالات المشفرة والمنصات الرقمية والأصول الافتراضية تفتح أمام التنظيمات الإرهابية مجالات جديدة للتجنيد والدعاية والتمويل والتنسيق. وفي الوقت نفسه، ترى الأمم المتحدة أن التكنولوجيا ذاتها يمكن أن تتحول إلى أداة فعالة في الوقاية ومكافحة الإرهاب، إذا جرى توظيفها ضمن أطر قانونية ورقابية واضحة.
وتكشف هذه المعطيات أن التحدي لم يعد عسكرياً بحتاً، فحتى مع استمرار الضربات الأمنية، تستطيع الجماعات المتطرفة إعادة تشكيل شبكاتها وتمويل عملياتها واستقطاب عناصر جديدة عبر فضاءات رقمية عابرة للحدود. ومن هنا تأتي دعوة غوتيريش إلى توسيع التعاون الدولي وتبادل المعلومات وتعزيز مراقبة الحدود وتكثيف التحقيقات المالية.
وتكتسب هذه الدعوة أهمية خاصة مع تغير طرق تمويل الإرهاب، إذ لم تعد الشبكات تعتمد حصراً على القنوات المالية التقليدية التي يمكن تتبعها بسهولة نسبية، بل باتت تستفيد من أدوات رقمية وأصول افتراضية ومسارات مالية أكثر تعقيداً، ما يجعل المواجهة المنفردة أقل فاعلية.
كما يبرز ملف إعادة الأشخاص المرتبطين بداعش إلى بلدانهم وإعادة تأهيلهم وإدماجهم باعتباره جزءاً من الاستراتيجية الأوسع لمنع إعادة إنتاج التهديد، فالتعامل مع آثار التنظيم لا يقتصر على ملاحقة عناصره في ساحات القتال، بل يمتد إلى معالجة الملفات الإنسانية والقانونية والاجتماعية الناجمة عن سنوات نشاطه.
والخلاصة التي يفرضها التقرير الأممي هي أن داعش قد يكون أضعف مما كان عليه في ذروة تمدده، لكنه لم يفقد قدرته على البقاء والتحول، فالمعركة انتقلت تدريجياً من مواجهة تنظيم ذي مركز واضح إلى مواجهة شبكة مرنة تتكيف مع الجغرافيا والظروف والتكنولوجيا. ولذلك، فإن إضعاف القيادة لا يعني بالضرورة تفكيك التهديد، ما لم يترافق مع تعاون دولي طويل الأمد يعالج مصادر التمويل والفراغات الأمنية والبيئات الهشة التي تسمح للتنظيم وفروعه بإعادة إنتاج أنفسهم.
