أمريكا

3 تنازلات قد ترسم مسار التسوية في أوكرانيا.. ماذا يمكن أن تقدم موسكو وكييف؟


يخفق عدد كبير من صناع السياسات، في استشراف مسار الأحداث منذ بداية الحرب الأوكرانية في 2022، متأرجحين بين تفاؤل غير واقعي، وتشاؤم.

ومع اقتراب فصل الشتاء يبدو أن الدفة تميل مجددا لصالح روسيا، مع صعوبة التنبؤ بموعد نهاية الحرب، أو حدوث تسوية سياسية لها. 

ولا تزال أوكرانيا وروسيا عالقتين في حالة “جمود مؤلم”، حيث يعجز أي من الطرفين عن فرض إرادته على الآخر، بينما يواصل كلاهما تكبد خسائر فادحة، وفقا لتحليل نشرته مجلة “فورين بوليسي” الأمريكية.

وأشار التحليل إلى أن هذا الوضع يعد صعباً للغاية بالنسبة لأوكرانيا نظراً لصغر حجمها وقلة عدد سكانها ومحدودية قاعدتها العسكرية والصناعية، إلا أن العزيمة والدعم الخارجي مكنا كييف من مواصلة القتال لفترة أطول مما توقعه الكثير من المراقبين، بحسب المجلة. 

ويجسد الصراع النزعة المعهودة في الحروب الطويلة نحو التصعيد إذ عمد كل طرف إلى تطوير أسلحة جديدة وأكثر فتكاً، وتوسيع نطاق الأهداف تدريجياً، وإقحام أطراف ثالثة في المعركة.

ومع ذلك، فإن إنهاء الحرب يصب في مصلحة الجميع تقريباً في هذه المرحلة؛ فكلما طال أمدها، زاد حجم الأضرار التي تلحق بأوكرانيا وتراجعت آفاقها المستقبلية، بما في ذلك أي آمال في استعادة أراضيها.

في المقابل، تعاني روسيا أيضاً معاناة شديدة، وستخرج من الحرب وهي أضعف حالاً وأكثر اعتماداً على الصين. 

كما تثقل تكلفة دعم أوكرانيا كاهل الاقتصادات الأوروبية في وقت هي في أمس الحاجة فيه لتجنب مثل هذه الأعباء، كما أنها تمنح أحزاب أقصى اليمين سلاحاً إضافياً لمهاجمة المؤسسة السياسية الحاكمة. 

الأكثر من ذلك، تؤدي الحرب أيضاً إلى تفاقم نقص الوقود عالمياً وتفرض تكاليف اقتصادية وسياسية على الولايات المتحدة. 

لم ينجح أحد

ومع ذلك، تستمر الحرب دون توقف، ولم ينجح أحد في وضع آلية فعالة لتسوية المصالح المتضاربة التي أدت إلى اندلاعها، أو المساعدة في صياغة شروط مقبولة للطرفين، أو حتى تجميع مزيج من الحوافز والضغوط التي قد تدفعهما نحو إبرام اتفاق. 

نظريا، تعد الولايات المتحدة القوة العظمى التي تمتلك أكبر قدر من النفوذ والقدرة على التوسط؛ فهي قادرة على تقديم حوافز اقتصادية متنوعة مثل مساعدات إعادة الإعمار لأوكرانيا ورفع العقوبات عن روسيا، كما يمكنها تقديم المساعدات العسكرية لأوكرانيا أو حجبها حسب الضرورة للدفع نحو إبرام اتفاق. 

وللأسف، فشلت واشنطن أكثر من مرة في استغلال موقعها بفعالية؛ فبدلاً من التصرف كطرف ثالث مسؤول وحث الجانبين على تسوية النزاع، كانت تنحاز تارة لهذا الطرف وتارة لذاك، ولم تضغط عليهما معاً في أي وقت سعياً للتوصل إلى اتفاق. 

وكان الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن قد فشل في إدراك أن التوسع غير المحدود لحلف شمال الأطلسي (ناتو) سيؤدي في النهاية إلى صدام كبير مع روسيا، بحسب فورين بوليسي. 

وخلق تسريع الجهود لضم أوكرانيا إلى المدار الأمني الغربي الظروف التي أشعلت الحرب.

وفي حين، كان قرار بايدن استخدام العقوبات والمساعدات العسكرية المكثفة لمساعدة كييف صائباً، إلا أن واشنطن أخفقت في دعم جهود أطراف ثالثة لإنهاء الصراع.

ومنذ عودته للرئاسة في عام 2025، تبنى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سياسة معاكسة فمارس ضغوطاً على كييف لإبرام اتفاق، ومنح روسيا إلى حد كبير حرية التصرف دون مساءلة في حين بدا أن مبعوثيه ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، وكأنهما يعتقدان أن مجرد التلويح ببعض الصفقات التجارية أمام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين كفيل بدفعه لإنهاء الحرب، على حد قول المجلة. 

هنا قالت المجلة “نظراً لأن نهج ترامب منح روسيا كل الأسباب للاعتقاد بأن تفوقها في الحجم والقدرات سيحسم المعركة في النهاية، فلم تكن هناك أدنى فرصة لأن يؤدي هذا النهج إلى السلام”. 

طرف ثالث

والسؤال الآن هل هناك طريق ثالث؟ نعم، من الناحية النظرية على الأقل فبدلاً من الانحياز تارة لهذا الطرف وتارة لذاك، يمكن للولايات المتحدة أن تلعب دور الوسيط المحايد وأن توظف مساعيها الحميدة ونفوذها للضغط على الجانبين للتوصل إلى تسوية. 

لذلك، ينبغي لواشنطن تجديد الدعم العسكري لأوكرانيا، لكن يتعين عليها أيضاً حث كييف على خفض سقف مطالبها، وفقا للتحليل.

وفيما يتعلق بالخطوط العريضة، فلن تتمكن أوكرانيا من استعادة شبه جزيرة القرم أو معظم منطقة دونباس، سواء في ساحة المعركة أو على طاولة المفاوضات، كما يجب استبعاد فكرة انضمامها المستقبلي إلى “الناتو” نهائياً. 

ومع ذلك، ينبغي أن يظل باب الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي مفتوحاً، كما يجب السماح لأوكرانيا بامتلاك قوات عسكرية كافية على أن يظل الترسيم الدقيق للحدود أمراً خاضعاً للتفاوض.

في المقابل، سيتعين على روسيا القبول بحق أوكرانيا في التبادل التجاري مع أطراف أخرى، وجذب الاستثمارات الأجنبية من أي مصدر، والحصول على أسلحة من قوى خارجية دون أن تتحول فعلياً إلى حليف لدولة أخرى أو تكتل عسكري آخر.

زر الذهاب إلى الأعلى