سياسة

الممر العالمي تحت الضغط.. التوترات الأمنية تنسف خطط عودة الملاحة


لم تدم طويلاً أجواء التفاؤل الحذرة التي سادت أوساط الشحن العالمي مطلع العام الجاري بشأن إمكانية استعادة الممر الملاحي الحيوي في البحر الأحمر لعافيته. فمع تسارع وتيرة التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، أعلنت شركة “ميرسك” الدنماركية، عملاق الشحن العالمي، عن تعليق جزئي لخطط عودة سفنها عبر قناة السويس، وتوجيه بعض رحلاتها مجدداً حول رأس الرجاء الصالح.

ووصفت الشركة بيئة العمل في المنطقة بأنها تواجه قيوداً غير متوقعة، وهو مصطلح دبلوماسي يشير بوضوح إلى فشل الضمانات الأمنية في حماية السفن التجارية، مؤكدة أن المحادثات مع الشركاء الأمنيين أثبتت استحالة تجنب التأخيرات الناتجة عن المخاطر الحالية، مما يجعل المسار الأطول حول أفريقيا “الخيار الأكثر أمناً” رغم تكلفته الباهظة.

ويرى الخبراء أن التحرك الأخير لشركات الشحن ليس مجرد رد فعل على هجمات الحوثيين المعتادة، بل هو انعكاس مباشر للمواجهة الكبرى بين واشنطن وطهران.

ووصلت حاملة الطائرات الأميركية “أبراهام لينكولن” إلى المنطقة منذ نحو أسبوعين وسط تهديدات بشن ضربات مباشرة ضد أهداف إيرانية، وهو ما ردت عليه طهران بإغلاق جزئي ومؤقت لمضيق هرمز خلال مناورات عسكرية في الـ17 من الشهر الحالي.

وأصدر الحوثيون، بدعم إيراني واضح، بيانات تحذر من أن أي استهداف لإيران سيجعل كافة المصالح والسفن الأميركية “أهدافاً مشروعة”، مما رفع مستوى الخطر الملاحي إلى الدرجة القصوى.

ونسفت هذه التطورات الآمال التي انتعشت بعد بدء عودة بعض الخدمات الملاحية (مثل خدمة MECL وME11 التابعة لميرسك) إلى البحر الأحمر في يناير/كانون الثاني الماضي.

ويتوقع المحللون قفزة جديدة في أسعار الشحن البحري، مع استمرار فرض رسوم “اضطرابات العبور” (TDS) ورسوم “ذروة الموسم” (PSS). وتعني العودة إلى طريق رأس الرجاء الصالح إضافة 10 إلى 14 يوماً لكل رحلة، مما يهدد بتأخير وصول البضائع إلى الأسواق الأوروبية والأميركية وزيادة معدلات التضخم العالمي.

وتعد هذه التوترات ضربة موجعة للاقتصاد المصري؛ فبعد أن سجلت قناة السويس تراجعاً في الإيرادات السنوية لتصل إلى نحو 7.2 مليار دولار (مقارنة بـ 9.4 مليار في العام السابق)، فإن استمرار “هروب” السفن نحو أفريقيا سيؤدي إلى تعميق هذه الخسائر وإطالة أمد أزمة العملة الصعبة.

ويمكن القول إن الملاحة في البحر الأحمر لم تعد رهينة للصراع في غزة فحسب، بل تحولت إلى ورقة ضغط أساسية في “لعبة الشطرنج” الكبرى بين إيران والولايات المتحدة. ومع غياب أي أفق للتهدئة في جنيف أو في مياه الخليج، يبدو أن طريق رأس الرجاء الصالح سيظل هو “الواقع الجديد” للتجارة العالمية في عام 2026.

زر الذهاب إلى الأعلى